آراء من المجلس
كأس العالم لكرة القدم 2022: الإنعكاسات على قطر والمنطقة

16 نوفمبر، 2022

رجل يقف إلى جانب مجسّم كبير لكأس العالم خارج استاد لوسيل أيام قبل إنطلاق البطولة. مدينة لوسيل، قطر. في 10 نوفمبر 2022. رويترز / ماركو دجوريكا

 

فازت قطر بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022 في الثاني من ديسمبر 2010، وأصبحت بالتالي أول دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تستضيف هذه البطولة. على أثرها، أطلقت البلاد الكثير من المشاريع الضخمة لتعزيز قدرات بنيتها التحتية وسط جدل واسع حول حقوق العمّال الوافدين. يناقش الخبراء في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في ما يلي الأبعاد المختلفة لبطولة كأس العالم FIFA قطر 2022، التي تنطلق في 20 نوفمبر وتستمرّ حتى 18 ديسمبر 2022.

 

بطولة كأس العالم لكرة القدم في ملعب الصراعات والحروب الثقافية

طارق م. يوسف

 

أيامٌ قليلةٌ تفصلنا عن صفارة البداية لانطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022. وهذه هي أوّل مرّة تُنظّم دولة صغيرة الحجم هذا الحدث العالمي والمرّة الأولى في تاريخ كرة القدم تُقام البطولة في دولة عربية. يأتينا هذا الحدث المنتظر في وقتٍ تزداد فيه الاضطرابات الجيوسياسية وتطال التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب في أوكرانيا دول العالم كافة. لقد استثمرت قطر موارد مالية ضخمة وأجرت إصلاحات كبيرة في السياسات على مدى العقد الماضي لتنظيم بطولةٍ على مستوى عالمي، مراعيةً مخاوف الأطراف المحلّيين والدوليين. لكن كما اعتدنا أن نرى في الأحداث الرياضية الدولية السابقة بهذا الحجم، تنامت بسرعة التغطية الإعلامية المثيرة للجدل حول قطر في الصحافة الغربية مع اقتراب موعد انطلاق البطولة. وتركّز بعضها على أسئلة مشروعة تتناول سجلّ البلد المضيف في حقوق الإنسان ومعاملة العمّال الوافدين الذين يشكّلون نحو 90 في المئة من سكانه. فلا بدّ من أن يأخذ صانعو السياسات في قطر هذه الآراء والإنتقادات بعين الاعتبار لتعزيز المساءلة العامة ودفع الإصلاحات المستقبلية، خصوصاً أن هذه البطولة الرياضية الكبرى لن تكون الأخيرة في البلاد.

 

لكن مع الأسف، كانت بعض التغطيات الإعلامية مُضلِّلة بشكل صارخ ومليئة بصبغات عنصرية، وهذا لا يخدم قضايا حقوق العمّال الوافدين ولا يعكس الروح الرياضية. وبالتالي، لا بدّ من المراقبين في قطر والبلدان العربية الأخرى أن يسلّموا بحقيقة أنّ أي نقاش فعّال ومجدٍ في السياسات العامة، سواء في قطر أو أي بلدٍ آخر، سيحدث في سياق عالميّ محموم بالحروب الثقافية والتضليل الإعلامي والرقمي عبر حملات مدفوعة الثمن للتأثير في الرأي العام. لكن بالنتيجة ستولّد بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 روحاً من الوحدة والفرح والاحتفالات في جميع أنحاء العالم، وفي الوقت نفسه ستسلّط الضوء على الانقسامات الحالية والاستقطاب ورُهاب الأجانب داخل المجتمعات، ولا سيما في الديمقراطيات المتقدّمة.

 

كأس العالم في قطر: فرصة ذهبية لتعزيز مكانتها

مارك أوين جونز

 

 هذه هى المرّة الأولى التي تُجرى فيها بطولة كأس العالم لكرة القدم على أرضٍ عربية، فهي تمثّل بالتالي فرصة ذهبيّة لقطر لتعزيز مكانتها على الساحة العالمية كمركز للفعاليات الرياضية ووجهة سياحية إقليمية. غير أنّه كان من الصعب على قطر تحقيق التوازن بين رغبتها في جذب الجمهور الغربي الذي لديه توقّعاته الخاصة وسعيها للحفاظ على صورة الأصالة المُنتظرة من الجمهور الإقليمي. وقد صعّبت التوتّراتُ الإقليمية السابقة الأمرَ أكثر على قطر وأدّت إلى استمرار التصوّرات المُسبقة عنها. في الواقع، خلقت الأزمة الخليجية بين العامين 2017 و2021 بعض العداءات الإقليمية التي أثّرت مباشرةً في قدرة قطر على استغلال البطولة كفرصة إيجابية لتعزيز مكانتها.

 

وفي خلال سنوات الحصار الأخير على قطر، أطلقت مصر والبحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حملات إعلامية مضلّلة مدعومة بوسائل التواصل الاجتماعي، حاولت تصوير قطر كدولة تدعم الإرهاب ونظاماً إعلامياً مضلِّلاً. وتردّدت هذه الصورة في وسائل إعلام غربية وصفتها بالدولة “الفتية التي يسيطر عليها الغرور والتهوّر في الإنفاق والتحالفات السياسية المريبة”. وقد استغلّت بعض الشركات التي تُعنى باستراتيجيات التواصل ومراكز بحوث في لندن وواشنطن العادءات التي أجّجتها الأزمة الخليجية مستهدِفة صانعي السياسات في حملات سلبية عن قطر. صحيحٌ أنّ وسائل الإعلام الغربية تميل إلى إظهار الدول الصغيرة، لا سيّما دول الجنوب، بصورة أكثر سلبية عن باقي الدول، إلّا أنّ هذه العداءات أسهمت في تعزيز تلك السرديات حول قطر، ممّا قوّض فرصتها في الانتفاع من القوة الناعمة التي تصاحب بطولة كأس العالم. وليست الأزمة السبب الوحيد وراء الكثير من هذه الحملات السلبية، فقد تسبّبت قطر ببعضها أيضاً، لكن هذه الحملات تسلّط الضوء على دور البيئة الجيوسياسية الإقليمية السلبية في تقويض فرصة قطر، ولو جزئياً، للاستفادة من كونها أول دولة عربية تستضيف مثل هذا الحدث العالمي.

 

فرصة إستثنائية لقطر والمنطقة

رانج علاء الدين

 

تُقام بطولة كأس العالم 2022 في بيئة جيوسياسية مُضطربة ومليئة بالتحدّيات في الشرق الأوسط. بين عامي 2017 و2021، فرضت مجموعة من البلدان المجاورة حصاراً على قطر خلقت تردّداته اضطراباً جيوسياسياً أوسع. إلّا أنّ قطر، التي بقيت نسبياً بمنأى عن هذه الأزمات، عملت في خلال تلك السنوات على تعزيز علاقاتها مع المجتمع الدولي، لا سيّما في مجالي التمويل والتجارة. وقد ساعدت احتياطيات البلاد الضخمة من الغاز الطبيعي والتركيز على الوساطة الدبلوماسية في أن تصبح هذه الدولة الصغيرة لاعباً فاعلاً على الساحة الدولية. وبالفعل، استفادت من احتياطياتها من الغاز لسدّ النقص في إمدادات الطاقة العالمية التي نتجت عن الحرب الروسية الأوكرانية، وتوسّطت بين الولايات المتحدة وحركة طالبان لتأمين إجلاء الجيوش الغربية من أفغانستان.

 

تشير هذه المراحل في سياسة قطر الخارجية إلى قدرة البلاد الملحوظة على إبراز قوّتها حتى في ظل التغيّرات الكبيرة والسريعة في النظام الدولي الناشئ. وبالتالي، وحدها قطر ستقرّر كيف وإلى أي مدى سيعزّز هذا الحدث العالمي هذه المكاسب المهمّة في السياسة الخارجية. ممّا لا شكّ فيه أنّ استضافة كأس العالم هي لحظة تاريخية لقطر والعالم العربي، ولكنّها توفّر أيضاً فرصةً للدوحة لتسخّر قوّة الرياضة من أجل تحقيق مكاسب للمنطقة ككلّ. لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط عقداً مليئاً بالعداءات والمنافسات الشديدة وحروبٍ بالوكالة، أمّا الآن، فيبدو أنّ الأمور قد هدأت وسط اهتمام متجدّد في الحوارات الإقليمية والتقارب الثنائي. تتجاوز كرة القدم الانقسامات اللغوية والوطنية والثقافية، وبالتالي هذه هي الفرصة الذهبية أمام قطر لاستخدام قوّة دبلوماسية الرياضة لتحقيق مزيدٍ من السلام والاستقرار.

 

استضافة كأس العالم حثّت على إصلاحات في قانون العمل، لكن المسار لم ينتهِ بعد

نجلاء بن ميمون

 

مع اقتراب العد التنازلي من الانتهاء لانطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم التي يستضيفها بلدٌ عربي للمرّة الأولى، لا يزال الجدل قائماً حيال معاملة العمّال الوافدين في قطر. منذ فوز قطر بحق استضافة البطولة في العام 2010، أطلقت الدولة الصغيرة الكثير من المشاريع الضخمة استعداداً للحدث، ومن ضمنها بناء الملاعب الرياضية المتطوّرة، والفنادق الفاخرة، وأحدث البنى التحتية المخصّصة للنقل. ومع استقدام مئات الآلاف من العمّال الأجانب لتنفيذ هذه المشاريع، أدانت العديد من المنظّمات الدولية والبلدان الغربية قطر لسوء معاملة العمّال الوافدين وانتهاك حقوقهم.

 

بالنتيجة، شرعت قطر في رحلة إصلاحية بدأت بإنشاء برنامج تعاون تقنيّ مع منظّمة العمل الدولية عام 2017، وتبعها إنشاء مكتب تابع للمنظّمة في الدوحة بعد بضعة أشهر. منذ ذلك الحين، أعلنت البلاد عن تعديلات عدّة على قانون العمل تضمّنت إلغاء نظام الكفالة السائد في البلدان الخليجية، وكذلك شرّعت قانون الحدّ الأدنى للأجور، وأنشأت نظام حماية الأجور لمراقبة حسن تنفيذ القوانين. بالإضافة إلى ذلك، حدّدت الحدّ الأقصى لساعات العمل اليومية، وأدخلت تدابير لحماية العمّال من آثار الإجهاد الحراري.

 

ومن خلال هذه العملية، تمكّنت قطر من إحراز تقدّم كبير في إصلاح سوق العمل وحماية حقوق العمّال الوافدين. لكن لا تزال التحدّيات تعيق تنفيذ الإطار القانوني ورصد الممارسات المخالفة، ما يتطلّب العمل أكثر على تعزيز آليات الحماية وتسهيل الوصول إلى القضاء – وهي خطوات تعمل قطر على تحقيقها بالتعاون مع منظّمة العمل الدولية.

 

فوائد استضافة كأس العالم في المنطقة تتخطّى المكاسب الاقتصادية

فوزي الغويدي

 

ستعود استضافة بطولة كأس العالم في قطر بالنفع لجميع دول المنطقة، وليس على الدولة المضيفة فحسب. وكونها أوّل بطولة تُقام في منطقة الشرق الأوسط وعلى أراضٍ عربية، تبرز فرصة فريدة من نوعها لتغيير الصورة النمطية عن العالم العربي والمنطقة التي تتصدّر الأخبار بأنّها منطقة مليئة بالصراعات والحروب، ولتعريف العالم بالثقافة العربية وإظهار قيم التعايش واحترام الآخر. وهذا ما حدث من خلال استضافة بطولات سابقة، إذ استطاعت كوريا الجنوبية تعريف العالم على الثقافة الكورية، مما ساهم في غزو الثقافة الكورية للعالم لاحقاً بعد البطولة التي أُقيمت على أراضيها بالاشتراك مع اليابان عام 2002. بالإضافة إلى ذلك، إنّ نجاح قطر في تنظيم البطولة سيفتح المجال لاستضافة فعّاليات عالمية في المنطقة الأوسع. وقد نرى في المستقبل القريب استضافة بطولة الألعاب الأولمبية في بلدٍ عربي.

 

وفي الجانب السياسي، ستساهم البطولة في تحسين العلاقات بين الدول الخليجية، حيث ساهمت بطولة كأس العالم عام 2002 في تعزيز العلاقات الكورية واليابانية والصينية بشكل مُلفت. أما في الجانب الاقتصادي، فإن قطاعات الفنادق والطيران والخدمات السياحية في المنطقة ستشهد زيادة ملحوظة وذلك لأجل استقبال جماهير كأس العالم، وستنطلق رحلات يومية إضافية ومكثّفة بين الدوحة والمدن الخليجية. وفي القطاع الفندقي، من المتوقّع أن تشهد جحوزات الفنادق في المملكة العربية السعودية ارتفاعاً بنسبة 106 في المئة و9 في المئة في البحرين و24 في المئة في الكويت و33 في المئة في الأردن. أمّا في الإمارات، فقد تمّ تأجيل مارثون دبي من ديسمبر 2022 إلى فبراير 2023 وذلك بسبب امتلاء الفنادق بالحجوزات لأجل كأس العالم. كما تأمل إيران زيادة في عدد السياح على جزيرة كيش المرجانية والمدن الأخرى في خلال فترة البطولة.

 

رمزية الألوان: بطولة كرة القدم والأعلام

بيفرلي ميلتون إدواردز

 

عندما نتكلّم عن كرة القدم نتكلّم عن الأعلام الوطنية. إذ تُرفَع الأعلام في استعراض علنيّ للهوية والثقافة الوطنيتين وللتعبير عن الولاء والتضامن. لذلك، من غير المستغرب أن يكون الجدل السياسي حاضراً بقوّة من خلالها. لطالما شهدت مباريات كرة القدم جدالات وحالات استبعاد بسبب أعلام رُفعت أو حتى إجراءات تأديبية اتّخذها المنظّمون. على سبيل المثال، عندما لعب نادي “سلتيك” الاسكتلندي ضدّ فريق “هابويل بير شيفا” الإسرائيلي في مباراة دوري أبطال أوروبا عام 2016، رفع العديد من مشجّعي سلتيك العلم الفلسطيني تضامناً مع الشعب الفلسطيني، ما أدّى إلى نشوب عاصفة سياسية، دفعت الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى اتخاذ إجراءات تأديبية ضدّ النادي الاسكتلندي.

 

بالنسبة إلى الكثير من البلدان، تشبه عضوية الفيفا الانضمام إلى الأمم المتحدة، إذ تُضفي شرعية هامّة وشكلاً من السيادة. على سبيل المثال، أُقحِمَت كوسوفو في خلاف دبلوماسي مع إسبانيا عندما رفضت السلطات الإسبانية السماح برفع علم كوسوفو قبل تصفيات كأس العالم 2022 في البلاد. وقبيل بدء كأس العالم لكرة القدم في قطر، اندلع جدل كبير حول إرشادات الفيفا الحالية بشأن رفع الأعلام، والتي لم تنحصر بالأعلام الوطنية المسموح رفعها بل طالت الأعلام أو ألوان العلم التي تحوي دلالات على حقوق مجتمع الميم، وحقوق العمّال الوافدين، والمجموعات الضعيفة الأخرى ومن ضمنها اللاجئين والنساء والأقليات العرقية. وحالياً توجّه اتهامات إلى الفيفا والسلطات القطرية ببعث رسائل مُتناقضة أو مبهمة، ولهذا السبب دخلت الفيفا وقطر في جدال من صنع أيديهما. ومع اقتراب ركلة البداية، لا بدّ من حلّ مسألة سياسات الأعلام وكلّ رمزيّاتها وإلّا سوف تتّسم قيم التسامح والاحترام التي تتغنّى بها قطر بالازدواجية في المعايير.

 

محمد صلاح، الإسلاموفوبيا، وكأس العالم

عادل عبد الغفّار

 

منذ انتقال لاعب كرة القدم المصري محمد صلاح إلى نادي ليفربول، نُسب إليه فضل كبير في الحدّ من ظاهرة الإسلاموفوبيا والعنصرية، ليس في مدينة ليفربول فحسب، بل في المملكة المتّحدة عموماً. بيّنت ورقة بحثية أعدّتها جامعة ستانفورد والمعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا أنّ وجود صلاح في فريق ليفربول تزامن مع انخفاض كبير في جرائم الكراهية وتراجع الخطاب المعادي للإسلام على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي. هذه النتائج التي باتت تُعرف بـ “تأثير صلاح“، تشير إلى مدى تأثير الانفتاح على نجوم مسلمين في عالم الرياضة في خفض النزعات التعصّبية تجاه المسلمين على نطاق واسع. في الواقع، يُعتبر هتاف مشجّعي ليفربول “إذا سجّل هدفاً، سأصبح مسلماً أيضاً!“، حدثاً غير مسبوق في كرة القدم الإنكليزية والأوروبية المعروفة بتاريخها الطويل في إظهار العنصرية تجاه اللاعبين من أصول عرقية من خارج القارة. ويمكن القول إنّ امتناع بعض المدن الفرنسية عن عرض المباريات في الـساحات العامة احتجاجاً على الانتهاكات في قطر هو قرار منافق بعض الشيء، نظراً لتزايد العنصرية، وارتفاع الإساءة بحقّ المسلمين الفرنسيين، وتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا في فرنسا. وربّما يكون لاعب كرة القدم الفرنسي من أصل جزائري كريم بنزيمة أفضل من وصّف هذه الظواهر حين قال: “إذا سجّلت هدفاً أكون فرنسياً. وإذا أخفقت أعود عربياً”.

 

على الرغم من الانتقادات المحقّة لانتهاكات حقوق العمّال الوافدين ومزاعم دفع الرشاوي، إلّا أنّ استضافة كأس العالم 2022 في قطر لديه الإمكانية للبناء على “تأثير صلاح”، والإظهار لمشجّعي الكرة والعالم أجمع قدرة دولة مسلمة على استضافة كأس العالم بنجاح، فضلاً عن إبراز صورة مختلفة وحقيقية عن المسلمين، والمساهمة في جهود محاربة الإسلاموفوبيا في جميع أنحاء العالم.

 

البناء على إرث استضافة كأس العالم والحفاظ عليه

نادر قباني

 

توفّر بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 مناسبة استثنائية لقطر لتقديم نفسها على المسرح العالمي، خصوصاً أنّ اسمها سيرتبط من الآن فصاعداً بهذا الحدث الرياضي الأكثر مشاهدة على هذا الكوكب. سيكون كأس العالم 2022 بالفعل تجربة فريدة من نوعها للمشجّعين ومحبّي الكرة، إذ إنّ الإستادات الثمانية قريبة من بعضها ومن وسط المدينة. ووجدت قطر في استضافة كأس العالم الفرصة الذهبية لتطوير بنيتها التحتية الأساسية وتعزيز قطاعاتها الاقتصادية الرئيسية. ومن خلال الفعاليات التي تنظّمها على هامش البطولة، تأمل أن تستعرض أحدث أنظمة النقل التي بنتها، وأن تقدّم لجميع السكان والزوار نشاطات ترفيهية وفنية وثقافية غنيّة بما يعكس كرم الضيافة العربية والقطرية. وقد شهدت البلدان الأخرى التي استضافت كأس العالم ارتفاعاً مستمرّاً في السياحة والأنشطة الاقتصادية الأخرى، وبالتالي، يفترض بقطر أن تتوقّع الأمر نفسه.

 

يدور التحدّي الذي تواجهه قطر والسؤال الذي يشغل بال الجميع حول كيفية استفادة البلاد من استثماراتها الاقتصادية الضخمة للحفاظ على النمو الاقتصادي بعد انتهاء هذه الفعالية. لا يمكن الاستمرار في زيادة القدرة الاستيعابية التي أُنشِئت لاستضافة كأس العالم واستيعاب أكثر من مليون زائر في البلاد، إلّا من خلال تشجيع نشاط إقتصادي جديد والاستفادة بشكلٍ فعّال مما بنته قطر. وهو ما يتطلب جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة ودعم تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة ونموّها. لحسن الحظ، تستثمر قطر منذ سنين بكثافة في رأس مالها البشري، حتى أنّها أصبحت من بين الدول الأقوى في المنطقة من حيث أنظمة التعليم والتدريب ما بعد المرحلة الثانوية والمؤسّسات البحثية. وعملياً، هذه هي الركائز الأساسية لاقتصاد تنافسي ومتنوّع. في النهاية، يجب على قطر إطلاق العنان لإمكانات رأس مالها البشري والمادي والاجتماعي لتنويع اقتصادها واستقبال عصر جديد من الازدهار والنمو.

 

هذه المقالة هي الأولى في سلسلة مقالات “آراء من المجلس” ييعبّر من خلالها الزملاء والخبراء في المجلس عن آرائهم ورؤياهم حول القضايا الرئيسية التي تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

كُتبت المقالة أصلاً باللغة الإنكليزية وهذه ترجمتها.

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفيها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.