لم تعد المسألة تتعلق بوجود اتفاق بين واشنطن وطهران أو غيابه، بل بطبيعة هذا الاتفاق وحدوده وقدرته على ضبط سلوك إقليمي يتجاوز الملف النووي إلى شبكة أوسع من أدوات القوة والنفوذ.
إنّ الترحيب الخليجي العلني بالمسار الدبلوماسي لا يعكس اطمئنانًا بقدر ما يعكس إدراكًا بأنّ الحرب الشاملة ليست خيارًا عمليًا. لكن في المقابل، تتعمق القناعة بأنّ أي تهدئة دائمة، لا مؤقتة، لا تشمل ملفات الصواريخ والطائرات المُسيرة وأمن الملاحة، تبقى تهدئة قابلة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني، وهو الذي حدث مؤخرًا حيث كان الرد الإيراني جاهزًا، ولكن وُجهته لا تستهدف المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية في المنطقة، ولكنها تختار الكويت والبحرين بما يحملانه من تنوع أيديولوجي.
يمكن تلخيص الموقف الخليجي في معادلة واحدة: التهدئة مطلوبة، لكنها غير كافية. فعلى الرغم من أن أي خفض للتصعيد مع إيران هو مكسب إستراتيجي، لكن في نفس الوقت، أي اتفاق يقتصر على الملف النووي فقط هو اتفاق جزئي، وأي تفاهم لا يلامس حقيقة التهديد الإقليمي الذي تمارسه إيران عبر وكلائها، يُبقي الأزمة بلا حلّ فعلي.
منظومة التهديد واحدة
لعلّ هنا تكمن الإشكالية الأساسية: لأن واشنطن تميل إلى “تجزئة الملفات”، بينما ترى دول الخليج أن التهديد منظومة واحدة مترابطة لا يمكن تفكيكها بمراعاة المصالح الأمريكية، وفي تعمّد إغفال مصالح الدول الخليجية الجارة لإيران.
فضلاً عن ذلك، وبناءً على تتبع فترات الحرب ورصد التهدئة السابقة، يبدو أن على دول الخليج أن تتعامل ليس مع إدارة أمريكية واضحة القرارات والمعالم، بل بات عليها أن تتعلم كيف تُقابل اتجاهات رئيس ماهر جداً في نقض أي اتفاقيات، وتوريط جميع الحلفاء، بما فيهم إدارته نفسها.
فالقرارات باتت مرتبطة بالمصالح، التي ما إن تنتهي حتى يتغيّر توجّه السلم والحرب والرضا والغضب والحليف والعدو، على نحو يُشبه التعامل مع تقلبات البورصة.
وكما أن التطورات الأخيرة في الخليج، تشير إلى تحول نوعي في طبيعة التهديد، مع تسجيل هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية استهدفت مواقع في البحرين والكويت، ثم انتقلت لتضرب بشكل متفرّق دولًا أخرى في المنظومة الخليجية، ضمن سياق التصعيد الإقليمي المتبادل، وهو ما يؤكد مراراً وتكراراً أن مشكلة النظام الإيراني الفعلية ليست مع أمريكا ولا مع إسرائيل، أو على الأقل، هي لا تتجرأ دائماً على الرد المباشر على اعتداءاتهما، وإنما تتجه للانتقام من دول الخليج ومحاولة جرّها إلى الحرب قسراً.
ما يحدث اليوم من مواصلة للاستهدافات الأمريكية الموجّهة لمصادر الطاقة والجسور والبنى التحتية الإيرانية، وما يتلوها من اعتداءات إيرانية مُبرمجة التوجيه والتوقيت، له دلالة واضحة، بأن الخليج لم يعد بيئة خلفية للصراع، بل جزءًا من نطاقه الجغرافي المباشر.
هذا التحول يعيد تعريف الأمن الإقليمي: فلم تعد التهديدات بعيدة أو غير مباشرة، بل أصبحت قريبة من البنية الحيوية للدول الخليجية، ما يجعل أي تفاهم خارجي حول إيران ينعكس مباشرة على الداخل الخليجي.
لقد بات من الواضح ومنذ بداية الحرب، بأن مآلات الحرب ستنتهي بِطَرفين على الطاولة، وهما الأمريكي والإيراني، وعلى الرغم من أن دول الخليج كانت الأكثر تضررًا من تداعيات الحرب، فإن الخطاب الأمريكي سعى في البداية إلى استمالتها للمساهمة في تحمّل الأعباء المالية للصراع، قبل أن يتحول لاحقًا إلى التركيز على تحميل إيران مسؤولية التعويضات، عبر طرح فكرة توظيف الأصول الإيرانية المجمدة لإصلاح الأضرار التي لحقت بحلفاء واشنطن في الخليج.
في الوقت نفسه، اتسع الخطاب الأمريكي ليتجاوز احتواء التصعيد نحو الحديث عن إضعاف البنية الاستراتيجية لإيران، قبل أن يعود مجددًا إلى فتح باب التفاهم والتفاوض. ليس ذلك فحسب، فيبدو من خلال بنود الاتفاقيات التي أُعلنت، بأن إيران نفسها ستخرج بمكاسب إستراتيجية من هذه الحرب، والسبب أن أمريكا تدير حرب مصالح، وليست حرب حماية حلفاء.
فيما يتعلق بالرؤية الخليجية، فإنّ الملف النووي لم يعد مصدر القلق الأول، بل برزت ثلاث دوائر أكثر حساسية، أولها أمن الملاحة في مضيق هرمز باعتباره شريان الطاقة العالمي، وثانيها الصواريخ الباليستية، وأخيراً الطائرات المسيّرة وشبكات النفوذ غير النظامي.
تُشكّل هذه العناصر، من وجهة نظر خليجية، خطرًا يوميًا مباشرًا هو الأكثر خطورة من التهديد النووي البعيد المدى. ولهذا، فإن معيار الحكم على أي اتفاق لا يتعلق بنصوصه، بل بسؤال عملي يسبقه: هل أصبح الخليج أكثر أمنًا في الواقع؟ أم هو ورقة في مهب ريح اتفاق يُمكن نقضهُ بين عشيّة وضحاها.
إيران بين تيارين متناقضين
لا يمكن فصل السلوك الإقليمي الإيراني عن بنيته الداخلية. فإيران تعيش حالة توازن غير مستقر بين تيارين رئيسيين، وهما: تيار براغماتي يرى أن تخفيف العقوبات والانفتاح المحدود ضرورة اقتصادية لبقاء النظام. في المقابل، تيار أمني- أيديولوجي يعتبر أن النفوذ الإقليمي هو عمق الردع الحقيقي الذي يصعب التخلي عنه. وواضح جداً بأنّ هذا الانقسام تجاوز الداخل وبدأ يتحكم في المفاوضات الخارجية، وهو ما نراه ونسمعه واضحاً عبر تذبذب في مسار التفاوض مع الغرب، وعبر تصعيد ميداني متقطع في ساحات النفوذ، وأخيراً عبر استخدام التوتر الخارجي كأداة لإعادة ضبط التوازن الداخلي.
وبالتالي، فإن أحد دوافع القلق الخليجي يتمثّل في أنّ أي اتفاق لا يمكن الاعتداد ولا الوثوق به بشكل نهائي بسبب غياب القرار الداخلي الإيراني الموحد، ووقوعه بين تناقضات البناء على ما حدث، أو العودة إلى مسار تصدير الثورة واستمرار ترجيح التطرف والتغوّل الأيديولوجي على مبدأ حُسن الجوار.
أمّا السيناريو الأخطر الذي يُناقش بصورة غير معلنة، يتمثّل في الإجابة عن السؤال التالي: هل تصريحات الرئيس الأمريكي بترجيحه مقتل المرشد الجديد، تعني أنّ إيران تُقاد حالياً من الحرس الثوري وحده؟
إعادة توزيع مظلة الردع
تُدرك دول الخليج أن الولايات المتحدة تُعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية عبر تقليل الانخراط العسكري المباشر فيما يسمّى بالشرق الأوسط، للتركيز على آسيا وأوروبا، وأخيراً إدارة الأزمات بدلاً من حسمها. طبعاً هذا التحول لا يعني انسحابًا كلياً، لكنه يعني إعادة تعريف وظيفة الردع الأمريكي من “ضمان أمني مباشر” إلى “إدارة توازنات”. وهذا بالتأكيد يخلق فراغًا نسبيًا في الإحساس بالضمانات، ما يدفع دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدولية، وتعزيز قدراتهم الدفاعية الذاتية، والبحث عن ترتيبات أمنية أكثر تنوعًا، وهنا تبرز الصين وروسيا في مقابل تراجع الالتزام الأمريكي.
لكن يبقى السؤال المركزي، هل يمكن تحقيق استقرار إقليمي دائم في ظل ردع أقل وضوحًا؟
الموقف الخليجي بين الواقعية والحذر
على الرغم من اختلاف التفاصيل بين دول الخليج، إلا أنّ القاسم المشترك واضح، فالمملكة العربية السعودية دعمت التهدئة مع ضرورة شمول الملفات الأمنية الأوسع. وكذلك قطر التي دعمت المسار الدبلوماسي كونه فرصة لتثبيت الاستقرار. الإمارات ركزت على الجاهزية العسكرية كشرط للاستقرار، وأكدت البحرين على أهمية المظلة الأمنية وضمان الردع، بينما شددت الكويت على حسن الجوار وعدم التدخل.
إذًا تنوعت الصياغات، لكن الجوهر واحد والرسائل واحدة، فلا اتفاق دون أمن شامل، ولا تهدئة دون ضمانات قابلة للتحقق، وهو ما بات يُنقض بصورة متكررة، من أمريكا وإسرائيل وإيران على حد سواء.
إجماع دولي على القلق
تتقاطع معظم الرؤى الغربية والعربية عند ثلاث خلاصات رئيسية: أوّلها، تُسهم الاتفاقات الدبلوماسية في احتواء التصعيد وخفض حدّته، لكنها لا تعالج جذور الصراع بما يضمن إنهاءه على المدى الطويل. ثانيها، إنّ دول الخليج لا تُعارض المسارات الدبلوماسية لكنها تبدي شكوكًا بشأن فاعليتها وسط غياب الضمانات التنفيذية. وثالثها، يتمثّل في بقاء احتمالات عودة التصعيد مفتوحة في ظلّ غياب مقاربة شاملة لمعالجة الملفات الإقليمية المتشابكة على الرغم من التفاهمات السياسية المؤقتة.
في هذا السياق، يرى التحليل الغربي أنّ الهدف هو إدارة الاستقرار، فإنّ التحليل العربي يرى أن المشكلة هي غياب الضمانات الأمنية الفعلية، وهنا لا يمكن الفصل بين الضغط الإسرائيلي على إدارة ترامب لإشعال فتيل التوتر بعد أن يهدأ، في استجابة واضحة لرغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مواصلة ما بدأه من تدمير للمنطقة من حرب غزّة، وتسريع وتيرة تحقيق التوسع الإسرائيلي، وجرّ الخليج إلى أتون حرب لا تنتهي.
لذلك، فإن ما تبقى من ولاية الرئيس الأمريكي لا يُرجّح أن يشهد معالجةً جذرية للدور الإيراني في المنطقة. فالمؤشرات الحالية تدل على أن السياسة التي تتبعها إدارته، وما يرافقها من تصريحات متناقضة وغير منضبطة، تتجه نحو إعادة صياغة آليات إدارة التهديدات وإعادة توزيعها، أكثر من سعيها إلى إبرام اتفاق شامل يعالج أسباب الخلاف، ويعزز الأمن الإقليمي.
يبدو أن هذا الإدراك حاضر بوضوح لدى دول الخليج، التي تنظر إلى التفاهمات المطروحة باعتبارها ترتيبات ناقصة من حيث أدوات التنفيذ، ومحدودة من حيث نطاق المعالجة، والأهمّ أنها منفصلة عن السلوك الإقليمي الإيراني وما يترتب عليه من تهديدات مستمرة للأمن والاستقرار الإقليمي.
تقتضي المعادلة الخليجية المطلوبة لأي اتفاق مع إيران، التي تقوم على أنّ التهدئة وإن كانت مطلوبة بشكل عاجل، إلّا أنها ليست بديلاً عن الأمن الدائم. كما أن الاتفاق مرغوب، لا يُشكّل في حدّ ذاته ضماناً دائماً.
لذا، فإن بلوغ حالة من الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون علاقات جوار مبنية على اتفاقات ملزمة واضحة التنفيذ، تضمن تحقّق منظومة الردع الدائم، وليس تفاهمات مرحلية لإدارة التوتر.
في النهاية، يُطرح السؤال المفتوح والأهم: هل سيقود أي اتفاق ممكن إلى منطقة أكثر أمانًا؟ أم إلى هدنة جديدة داخل صراع لم تُغلق جذوره بعد؟ ليظلّ عنصر تهديد دائم، يتجدد كلّما استعاد النظام الإيراني قدرته الداخلية والخارجية على تصدير الثورة، والاعتداء على جيرانه كلما سنحت له الفرصة.