وصلت المنطقة إلى نقطة لم تعد تحتمل فيها أن تُدار أمنياً بعقلية الحليف الواحد، ولا أن يبقى أمن دولها معلقاً بإرادة قوة كبرى قد تتغير أولوياتها بتغير الرئيس أو الحرب أو المصالح. ولعلّ التطور الأبرز الذي ينبغي التوقف أمامه اليوم هو اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، لأنه يفتح الباب أمام سؤال أكبر من الاتفاق نفسه: هل بدأت المنطقة بالفعل الانتقال إلى منظومة إقليمية جديدة؟
لا يقتصر التحول في ملامح منظومة الأمن الإقليمي على صياغة ترتيبات جديدة للتحالفات، وإنما ينفذ إلى خريطة إعادة توزيع مصادر القوة والردع والضمانات الأمنية، بحيث لا تمتلك دولة واحدة مفتاح أمن المنطقة بمفردها. ومن هذا المنطلق، نصّ اتفاق مكة على أن أي اعتداء مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي بينها. وقد أكّدت أنقرة وإسلام آباد أن الاتفاق دفاعي بطبيعته ليس موجهاً ضد دولة بعينها، كما أنه لا يلغي الاتفاقيات القائمة مع أطراف أخرى.
وهنا تكمن أهميته. فالمملكة العربية السعودية لا تستبدل واشنطن بأنقرة أو إسلام آباد، كما أن تركيا لا تخرج من مظلتها الأطلسية، وباكستان لا تدخل في مواجهة مفتوحة مع أي طرف. بل يُعتبر الاتفاق بمثابة تنويع للضمانات الأمنية، وهو ما يُعرف عسكرياً بتحالف التحوّط الاستراتيجي، بمعنى ألا تضع الدولة كل أمنها في سلة واحدة، وألا تنتظر وقوع الخطر حتى تبحث عن الحماية.
هل تعلّم الخليج الدرس؟
ربما كان هذا التحول وليد سنوات من التجربة القاسية. فدول الخليج عاشت طويلاً تحت المظلة الأمنية الأمريكية، ولم تكن المشكلة في القدرات العسكرية الأمريكية بقدر ما كانت في السؤال المتكرر حول حدود الالتزام السياسي والعسكري عندما تتغير الأولويات والحسابات. ثم جاءت التطورات الأخيرة المتمثلة في الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية لتكشف أن التحالف مع قوة كبرى، مهما بلغت قوتها، لا يعني بالضرورة أن وقوع الحرب مستحيلة أو التأثر بتداعياتها، كما لا يعني أنّ تلك الدولة ستلتزم باستحقاقات الحماية المطلوبة منها، وهنا يظهر نموذج العلاقات الأمنية الأمريكية الخليجية.
الهجمات بالصواريخ والمسيّرات، والتهديدات التي طالت منشآت الطاقة والممرات البحرية، ثم انتقال الصراع إلى ساحات الخليج بصورة أكثر مباشرة، كلها دفعت الأمن الخليجي إلى البحث عن إجابة مختلفة: كيف يمكن بناء قدرة تجعل استهداف دولة خليجية أكثر كلفة وتعقيداً، بدلاً من انتظار رد فعل الآخرين بعد وقوع الاعتداء؟ ومن هنا يمكن فهم دوافع توقيع اتفاق مكة، الذي لا يمكن النظر إليه باعتباره قطيعة مع الولايات المتحدة، ولا إعلاناً عن إخراجها من معادلة الأمن الخليجي، بل رسالة أكثر وضوحاً: نريد شراكة مع الجميع، لكننا لا نريد أن يكون أمننا مرهوناً بأحد.
التطبيع جزء من المعركة
كذلك، لا يمكن قراءة اتفاق مكة بمعزل عن المسار السياسي التطبيعي الذي كانت المنطقة تُجرّ إليه قبل طوفان الأقصى. فمنذ سنوات، تتواصل مساعٍ لإحداث تغيير في البنية الأمنية والسياسية للمنطقة، انطلاقاً من فرضية تُروّج للتطبيع العربي-الإسرائيلي بوصفه أحد ركائز هذا المشروع، رغم ما يحيط بهذه الفرضية من اندفاع وحسابات سياسية متنوعة.
والمتابع يشاهد بوضوح، بأنّ التطبيع لم يكن مجرد فتح مقرّ سفارات وعلاقات اقتصادية، وإنما سعت أطراف ودول لربطه برؤية أوسع، من خلال دمج إسرائيل في منظومة الأمن الإقليمي للمنطقة، وبناء شبكة من الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية تحت المظلة الأمريكية حماية وترويجاً.
بينما التاريخ ومنذ الأزل، تعِب وهو يشرح بأن إسرائيل لم ترغب يوماً بأن تكون شريكاً للسلام، ولا جاراً آمناً، ولن تكون في المستقبل طرفاً موثوقاً لصناعة الأمن والاستقرار في المنطقة.
فكيف يُطلب من المنطقة أن تبني أمنها مع حكومات إسرائيلية تعاقبت على الإطاحة بالقوانين الدولية وتقود منذ نحو ألف يوم حرب إبادة جماعية في غزّة، وتستمر في الاحتلال والاستيطان، وتواصل انتهاكاتها ضد المقدسات في الأقصى وبحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والسجون تحت إدارة حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة، والتي وصلت إلى أقصى درجات العنف والإرهاب والإيذاء، بتوثيق المؤسسات الدولية والحقوقية، التي نقلته إلى القضاء الدولي ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
لا بُدّ هنا من العودة إلى طوفان الأقصى الذي شكّل نقطة تحول في صورة الصراع عالمياً شئنا أم أبينا. فقد أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وفتح نقاشاً واسعاً حول الاحتلال والاستيطان والقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين، وأعاد طرح السؤال الذي حاولت مشاريع التطبيع تجاوزه: هل يمكن بناء أمن إقليمي مستدام بينما تبقى القضية الفلسطينية بلا حل عادل؟ مع كيان محتل يُمعن يومياً في الإجرام والقتل ومن دون رادع.
لا أمن خليجي بالارتهان
إن عدم الثقة بإدماج إسرائيل في منظومة الأمن الإقليمي لا يعني تجاهل التهديدات الإيرانية. فالهجمات الإيرانية والصواريخ والمسيّرات ودعم الأطراف غير الحكوميين الفاعلين تحت مبررات مذهبية، والتهديدات التي تعرضت لها دول المنطقة، كلها ملفات حقيقية لا يمكن إنكارها أو تبريرها أو تجاهلها. غير أن الخطأ الأكبر هو أن يُطلب من الخليج أن يختار بين أخطار متعددة، وكأنّ عليه أن يربط أمنه بهذا الطرف أو ذاك.
فالولايات المتحدة لها حساباتها، و إسرائيل لها مشروعها التدميري والتوسعي، وإيران لها مشروعها الإقليمي المذهبي التمددي. وقد تختلف هذه المشاريع في دوافعها وأهدافها، وإن التقت جميعها في انعدام البوصلة الإنسانية والمبادئ القانونية الدولية في تطبيق ممارساتها، لكن الخطورة تبدأ عندما تصبح دول المنطقة مجرد ساحات لتصفية هذه الحسابات، وهي التي لا تزال غائبة عن مشروع يجمعها ويوحّدها.
وقد تكون هذه هي المفارقة الأهم في المشهد: قد تختلف القوى الكبرى والإقليمية في أهدافها، لكنها قد تلتقي، في بعض النتائج، في تحويل المنطقة إلى مساحة للضغط والابتزاز وإدارة الصراعات بالوكالة، وهذا ما يحدث اليوم. ومن هنا تصبح الاستقلالية الاستراتيجية ضرورة وليست ترفاً.
السعودية تبحث عن خيارات
من غير المنطق الانطلاق في قراءة اتفاق مكة باعتباره حلفاً مضاداً للولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران. فالقراءة الأدق تُشير إلى مساعي المملكة نحو بناء شبكة من الخيارات.
فالسعودية تملك ثقلها الاقتصادي والسياسي والديني، وتركيا تملك قوة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية وصناعة دفاعية متنامية، بينما تضيف باكستان خبرة عسكرية وعمقاً استراتيجياً. وبالتالي فإن قوة الترتيب لا تأتي من تشابه الدول الثلاث، وإنما من تكامل مواردها. لكن من المهم، ألا نبالغ في تقدير ما تحقّق. فالاتفاق وضع قاعدة سياسية للدفاع المشترك، غير أن القوّة الحقيقية لأي تحالف تبدأ عندما تنتقل النصوص إلى مؤسسات، تضمن التنسيق الاستخباري، والدفاع الجوي والصاروخي، والتدريبات المشتركة، والأمن السيبراني، وخطط للتعامل مع المسيّرات، وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية.
ولهذا فإن اتفاق مكة يعتبر بداية مسار وليس نهايته.
إمكانية توسيع نطاق الاتفاق
قد تكون الخطوة التالية أكثر أهمية. فمن خلال احتمالات انضمام دول أخرى إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك، يُفتح الباب أمام تحوّل هذا الترتيب الثلاثي إلى شبكة أمنية عربية وإسلامية أوسع، تمتد من الخليج وبحر العرب إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط. ومن يقرأ التاريخ أيضاً، يُفترض أن يبادر للاحتماء بهذه المنظومة وتعزيز بقائها وصمودها، حتى لا ينقرض جغرافياً ويتلاشى سياسياً، في حالة شبيهة بسقوط ممالك الأندلس.
مع ذلك، ليس التوسع هدفاً في حد ذاته، وإنما القناعة بفلسفته، والإيمان بضرورته للبقاء هما المطلوبان.
ولهذا فإن نجاح اتفاق مكة يتوقف على بقائه إطاراً دفاعياً ملزمًا لا محوراً أيديولوجياً عاطفياً. لا يستهدف دولة بعينها، ولا يتحول إلى أداة للاستقطاب، وإنما يقوم على حماية السيادة، وردع الاعتداء، وتأمين المصالح الحيوية، وفتح الباب لحوار المصالح المتبادلة، التي تتفاوض وتحقّق المكاسب، وليس التي تتحاور من موقع الاعتماد المفرط على الآخرين والوصول إلى درجة لا يمكن العودة عنها من التبعية.
من التحالفات إلى الاستقلال
نعم، قد تكون هذه هي الرسالة الأهم في اتفاق مكة. لقد عاشت المنطقة عقوداً وهي تبحث عن الأمن خارج نطاقها، ثم اكتشفت أن الأمن الذي لا تمتلك أدواته قد يتحول إلى نقطة ضعف. ولهذا فإن المستقبل لا ينبغي أن يكون في استبدال مظلة بمظلة، وإنما في بناء ضمانات متعددة، من علاقة قوية مع الولايات المتحدة، وشراكات خليجية وعربية، وتعاون تركي وباكستاني، وعلاقات آسيوية وأوروبية، وقدرة محلية متنامية في الصناعات الدفاعية، ومنظومات إنذار مبكر ودفاع جوي وصاروخي، وأمن بحري وسيبراني مشترك.
هذه هي المنظومة الإقليمية التي تستحق أن تُبنى، والتي يخرج فيها الخليج من دائرة الضمانات الأمنية للقوى الكبرى، ومن الاعتماد على قرارات القوة العظمى وحساباتها، ومن ساحة الحروب بالوكالة، ومن سوق بيع السلاح بعد كل أزمة. فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من المحاور بقدر حاجتها إلى ميزان قوة يحفظ السيادة والاستقلال.
والتطبيع، في هذا السياق، لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره الطريق الوحيد إلى الأمن. فتجربة التفكير بالتعايش مع إسرائيل خلال العقود الماضية، وما شهده الأقصى وما تعيشه غزة والضفة والسجون من وقائع وانتهاكات، تؤكد شرعية طرح السؤال بصياغة جديدة: هل كان من المطلوب أن تتغير المنطقة لتصبح إسرائيل جزءاً من أمنها؟ أم أن تتغير الترتيبات الأمنية بحيث يُصبح الاحتلال والعدوان والتوسع وجرائم الإبادة خارج معادلتها؟
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الاتفاقيات وحدها لا تصنع السلام، وأن التحالفات وحدها لا تصنع الأمن. لأنّ الأمن الحقيقي يبدأ عندما تستطيع دول المنطقة أن تقول: لن نكون ساحة لحرب الآخرين، ولن نضع أمننا كله في يد طرف واحد، ولن نقبل أن يتحول الخوف إلى وسيلة ابتزاز.
من هذا المنطلق، قد تتجاوز أهمية اتفاق مكة كونه اتفاقاً دفاعياً بين ثلاث دول، ليشكّل، إذا ما جرى تطويره وترسيخ أسسه، إحدى اللبنات الأولى لمنظومة إقليمية جديدة. منظومة لا تقوم على انتقال دول المنطقة من مظلة أمنية إلى أخرى، بل على تعزيز قدراتها الذاتية وتوسيع خياراتها الاستراتيجية حتى لا تكون مضطرة إلى الاحتماء الدائم بالآخرين.
هذا هو الاختبار الذي يضعنا أمام السؤال الحقيقي: هل نعيش في مرحلة تُعيد فيها دولنا ترتيب تحالفاتها فقط؟ أم أننا بلغنا مرحلة بناء مفهوم الأمن الإقليمي انطلاقاً من مصالحنا المشتركة كدول عربية وإسلامية، وليس من مقاربة أمريكية أو إسرائيلية أو إيرانية.