في أغسطس الماضي، حمل اتفاق للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان اسم مكة، المدينة المقدسة لدى المسلمين. لكن بعد أسابيع قليلة فقط، دوّت صفارات الإنذار الجوي في المدينة نفسها مع اقتراب صواريخ ومسيّرات أُطلقت من اليمن، نفى الحوثيين علاقاتهم بها. وكشفت هذه الفترة القصيرة المسافة بين المنظومة الأمنية التي تحاول السعودية بناءها وبين واقعها الأمني الفعلي.
وتندرج الهجمات الأخيرة على السعودية ضمن هجوم خاطف شنّته حركة «أنصار الله»، المعروفة بالحوثيين، خلال الأسابيع الماضية على الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض. وتقدّمت قوات الحوثيين جنوباً على امتداد ساحل البحر الأحمر حتى بلغت مدخل مضيق باب المندب. ولم يعد السؤال المطروح في الرياض يقتصر على كيفية سقوط الساحل الغربي. فهذا سؤال يمني أولاً، لكن الإجابات التي طُرحت سريعاً بعد السقوط أخطأت حين ردّته إلى الخيانة واتهامات مشابهة، تكرّرت على وسائل التواصل الاجتماعي حتى ترسّخت في رواية بدت كأنها لا تحتاج إلى كثير من الأدلة. أما السؤال الأوسع فهو: من سيتحمّل تبعات هذا السقوط، وبأي كلفة.
لماذا انهار الساحل الغربي؟
لا يحتاج تفسير الأسباب الفعلية للانهيار إلى افتراض وجود خيانة. فعند جمع هذه الأسباب وترتيبها، يتصدرها سوء تقدير حجم الحشد الحوثي والتأخّر في التحرّك لمواجهته. وأدّى هذا التقدير الخاطئ، إلى حدّ كبير، إلى تأخر الغطاء الجوي، قبل أن يقل في لحظة حاسمة ويترك الجبهة مكشوفةً، في جبهة باتت تعتمد عليه أكثر بكثير من اعتمادها على قدراتها الذاتية.
وتتعمق الأزمة في تركيبة قيادية هشّة جمعت “حراس الجمهورية”، و”القوات التهامية”، و”ألوية العمالقة”، و”درع الوطن” في إطار توحيدي شكلي، فيما ظل انعدام الثقة والحساسيات المتراكمة يضغطان عليه من الداخل. ولم تندمج كثير من هذه القوات فعلياً، كما تفاوتت دوافعها للقتال، بينما واجهت مقاتلين حوثيين يقاتلون بدافع عقائدي وراكموا خبرة طويلة في المعارك، ومستعدين للتضحية بأنفسهم ويستخدمون المسيّرات الانتحارية بلا هوادة.
ثم حسمت التفاصيل التكتيكية مسار المعركة. فقد استهدفت المسيّرات مواقع المدفعية وطواقمها، فانهار الغطاء الناري. وكانت غرفة القيادة والسيطرة في جبل النار أقرب بكثير مما ينبغي إلى خطّ التماس، وما إن سقطت حتى انقطع الاتصال بأغلب الألوية. ومع غياب مركز عمليات بديل أو خطة للانسحاب التكتيكي، تحوّل الاختراق العسكري إلى انهيار عام بدلاً من انسحاب منظّم. وخلال أربع وعشرين ساعة، أبلغ المبعوث الخاص للأمم المتحدة مجلس الأمن أن الحوثيين سيطروا على المخا، فأصبح لهم وجود مباشر عند مداخل أحد أهم الممرّات البحرية الاستراتيجية في العالم.
مكامن الخلل
بقراءة هذه الأسباب مجتمعة، تتضح ثلاثة اختلالات رئيسة، جميعها ذات جذور داخلية:
أولها تشتّت القرار، فالجبهة التي تضم أربعة مكوّنات تتبع أربع جهات مختلفة لا جبهة واحدة في الواقع، بل أربع جبهات متجاورة. لذلك، عندما بدأ الانهيار، لم تجد القوات قيادة بديلة تعيد تجميعها وتنظّم انسحابها. ولم تكن المشكلة في عدد المقاتلين، إذ كان هناك عشرات الآلاف منهم. لكن المشكلة كانت في غياب القيادة الموحّدة للقوة البشرية والتي تحولت إلى كتلة بشرية بدلاً من أن تعمل كقوة عسكرية.
وثانيها الاعتماد على الدعم الخارجي. فعندما يتوقّف مصير جبهة كاملة على غطاء جويّ يُتخذ قرار استخدامه في عاصمة أخرى، تسلّم الحكومة قرارها العسكري أيضاً. ولم يُفرض عليها هذا الخيار، بل تبنّته الحكومة المُعترف بها دولياً حين أمضت سنوات وهي تبني قوات صُمّمت للقتال تحت مظلّة جوية، لكنها تفقد قدرتها على العمل بمجرّد سحب تلك المظلة.
أما الخلل الثالث فهو قلب ترتيب الأولويات، والذي يتمثّل بالقفز مبكراً من بناء القوة العسكرية إلى صياغة مسار سياسي، وبناء مشروع وطني، وتشكيل مجلس رئاسي، قبل تأمين الجبهة وتثبيتها عسكرياً. ولا يقتصر هذا الخلل على الساحل الغربي، بل يمتدّ إلى المعسكر المناهض للحوثيين كله، الذي تعامل مراراً مع الشرعية كبديل عن القدرة، ومع الاعتراف الدولي كبديل عن السيطرة على الأرض، فأقام واجهة سياسية فوق أساس أمني لم يكتمل.
إعادة حساب كلفة الهزيمة
لكن سقوط الساحل الغربي لا يبقى شأناً يمنياً في تداعياته. فسيطرة الحوثيين على مداخل باب المندب تمنح الصراع حتماً بُعداً إقليمياً ودولياً أوسع.
أما الكلفة الأكبر فبنيوية. فقد ردّت الرياض على تعطّل صادراتها عبر مضيق هرمز بنقل مزيد من النفط الخام غرباً عبر الأنابيب البرّية إلى البحر الأحمر. لكن هذا المنفذ يعتمد بدوره على ممرّ بحري ثانٍ، تتمركز عنده اليوم قوّة معادية قادرة على تعطيل حركة العبور. وهكذا تحوّل المسار المهدَّد وبديله إلى مكمن ضعف واحد، وباتت صادرات الطاقة الخليجية عرضة للضغط عند بوابتيها الشرقية والغربية في الوقت نفسه.
لا تتوقف الكلفة عند السعودية. فقد كانت حركة الملاحة عبر قناة السويس قد بدأت تتعافى بعد الأزمة السابقة التي سبّبتها هجمات الحوثيين وتعطيلهم للملاحة في البحر الأحمر، لكن مصر تواجه اليوم تجدّداً لعدم اليقين عند المدخل الجنوبي للقناة. ولن تُقبل شركات الشحن بسهولة على استخدام ممرّ مائي يعتمد استمرار عمله على مضيق تسيطر عليه مجموعة مسلّحة. كما أن إيرادات قناة السويس ليست مورداً لقطاع اقتصادي عادي، بل بنداً سيادياً في الموازنة المصرية، وأصبح جزء من مصيرها مرتبطاً بقرارات تُتخذ على الساحل اليمني.
تشكّل هذه التطوّرات مجتمعة الكلفة الأكثر ديمومة: فقد أصبح المضيق نقطة ضغط تستطيع إيران استغلالها من دون أن تتحمّل تقريباً أي كلفة. فلا تحتاج طهران إلى رفع علمها فوق جزيرة بريم (ميون)، ولا إلى نشر أسطول قبالة جيبوتي. يكفي أن تتمركز قوة حليفة لها على الساحل كي تبقى طرق تصدير الطاقة الخليجية تحت الضغط عند بوابتيها الشرقية والغربية، وتصبح شروط أي خفض للتصعيد مستقبلاً مادة للتفاوض.
كذلك، أمضت السعودية العام الماضي في بناء ترتيبات أمنية تُجنّبها العودة إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين، من بينها تنظيم تحالف بحري يضمّ أربع عشرة دولة في يوليو وتوقيع اتفاق مكة في أغسطس. لكن الأزمة الأخيرة أخضعت هذه الترتيبات لاختبار مبكر وغير متوقّع، من دون أن يظهر أي تدخل من شركاء السعودية الجدد. لذلك لا تقتصر الكلفة على ما انتزعه الهجوم ميدانياً، بل تشمل أيضاً ما كشفه عن قدرة الترتيبات التي كان يفترض أن تمنع وقوعه.
تأتي هذه التطورات أيضاً وسط بيئة أوسع للتفاوض والمساومة. ففي 23 يوليو، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ الاتفاق النووي المدني الذي كانت واشنطن والرياض قد توصلتا إليه أصبح مشروطاً بالكامل بانضمام المملكة إلى «اتفاقات أبراهام»، أي اتفاقات التطبيع العربية-الإسرائيلية التي بدأ توقيعها عام 2020. وأعلن ترامب هذا الشرط على الملأ، بدلاً من نقله في قنوات خاصة. وبصرف النظر عن تقييم هذا الربط، فإن توقيته مهم. باتت الملفات التي يجري التفاوض عليها بصورة منفصلة تُقرأ على نحو متزايد في ضوء بعضها بعضاً، ونادراً ما تبقى انتكاسة أمنية إقليمية محصورة في ملفها وحده.
وعلى نطاق أوسع، يثير وجود الحوثيين عند مداخل باب المندب قلقاً دولياً، فيما يبدو أن المجتمع الدولي يبحث عن طريقة لنزع فتيل الأزمة واحتواء التهديد الذي تتعرّض له الملاحة البحرية. فقد حذّر المبعوث الخاص للأمم المتحدة من دخول الصراع مرحلة جديدة وأكثر خطورة لن تتوقّف تداعياتها عند حدود اليمن، ودعا إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في ظل تصاعد الأعمال القتالية. كما عقد مجلس الأمن جلسة طارئة خُصِّصت لباب المندب، بسبب القلق على الملاحة والتجارة العالمية.
يكمن الخطر في أن يتحوّل خفض التصعيد البحري إلى غاية قائمة بذاتها من خلال اطفاء الحريق حول المضيق من دون معالجة الصراع داخل اليمن، وأن يتحقّق الهدوء في البحر عبر تثبيت خطوط التماس الجديدة على اليابسة عند مواقعها الحالية.
وهذا تحديداً ما ينبغي أن يقلق اليمنيين، لا أن يطمئنهم. فقد قدّم اتفاق الحديدة قبل سبع سنوات درساً مهماً، حيث يمكن لتجميد القتال بهدف حماية ممرّ مائي أن يتحوّل سريعاً إلى أمر واقع طويل الأمد، ويترك للطرف الذي صنع الأزمة أن يجني مكاسبه منها. وإذا صيغ اليوم في نيويورك ترتيب مشابه تحت عنوان حرية الملاحة، فقد يمنح الحوثيين اعترافاً عملياً بسيطرتهم على الساحل، فيما يؤجّل الملفات التي تمسّ حياة اليمنيين مباشرة مثل الرواتب، والطرق، والمطارات، وملف المعتقلين، والاقتصاد المنقسم، وحالة «لا حرب ولا سلام» التي تجاوز عمرها اثني عشر عاماً.