يظهر صحفي سعودي في صورة أمام شعار مجلس التعاون الخليجي والعلم القطري في المركز الإعلامي قبيل انعقاد القمة الحادية والأربعين في مدينة العلا شمال غرب المملكة العربية السعودية في 5 يناير/كانون الثاني 2021. (صورة: فايز نور الدين / وكالة فرانس برس)

الكونفدرالية الخليجية: من التعاون إلى المصير المشترك

في لحظة إقليمية تتقاطع فيها التهديدات مع التحولات الكبرى، لم يعد التعاون الخليجي أمام خيار إدارة الأزمات، بل أمام ضرورة إعادة تعريف موقعه في النظام الدولي

22 يونيو، 2026
إبراهيم الشيخ

في لحظات الهدوء التي تعقب العواصف، لا تُقاس الدول بقدرتها على الصمود فقط، بل بقدرتها على إعادة تعريف دورها، واستحضار ما تأخر من مشاريعها قبل أن تفرض الأزمات عليها ذلك فرضًا. فالهدنة ليست نهاية الصراع، بل لحظة مراجعة كبرى: ماذا أنجزنا؟ وما الذي أخّرناه حتى صار اليوم ضرورة استراتيجية؟

 

يقف الخليج اليوم أمام لحظة تاريخية حاسمة بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران وما شمل هذه الحرب من اعتداءات إيرانية مباشرة على منشآت الطاقة والممرات البحرية؛ وهي لحظة لم تعد فيها الأسئلة الأمنية منفصلة عن الأسئلة الاقتصادية، ولم تعد التنمية بعيدة عن حسابات الجغرافيا السياسية.

 

 

القمم التشاورية وفرص الشراكة الوجودية

 

بعد الإعلان عن كل اجتماع تنسيقي أو تشاوري، يتكرر السؤال نفسه منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي: متى تتجاوز القمم والاجتماعات الخليجية فلسفتها التنسيقية وبياناتها الاعلامية التقليدية؟ لقد بات واضحاً أنّ اللغة السياسية في هذه القمم، تعكس إدراكًا متناميًا بأن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة لا يكفي فيها الاعتماد على التنسيق والتحالفات التقليدية، ولا إدارة الخلافات بالحد الأدنى من التفاهم. ومع ذلك لا زال الإطار التعاوني العام هو السمة التي تتسم بها القمم التشاورية لدول المجلس.

 

فقد حملت القمة التشاورية التي عقدت في الرياض مؤخراً، ثلاث رسائل إستراتيجية واضحة، حين أكّدت على وحدة المصيرة الخليجي المشترك، ورفض تحويل أراضي دول الخليج العربي إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وأخيراً إحياء مسار التكامل الأمني والاقتصادي بوصفه ضرورة من أجل البقاء.

 

وعلى الرغم من أن البيانات الخليجية عادة ما تُصاغ بلغة هادئة ومحسوبة، فإن القراءة السياسية لما بين السطور كشفت تحولًا مهمًا: وهو أنّ دول الخليج بدأت تدرك أن التحديات لم تعد منفصلة، وأن أي استهداف لدولة خليجية هو استهداف للنموذج الخليجي كله.

 

من التنسيق إلى التكامل

 

يمكن القول أنه منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي عام 1981، ظلّ المشروع الخليجي يتحرك بين مرحلتين وهما: التنسيق والتكامل. وقد نجح المجلس في بناء مساحات مهمة من التعاون، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الكتلة الخليجية المتكاملة بالكامل، على الرغم من خطورة الاستهداف.

 

فمشروع العملة الخليجية الموحدة المطروح منذ تأسيس المجلس في 1981، والاتحاد الجمركي الذي أُعلن في العام 2003، والسوق الخليجية المشتركة (2008)، وسكة الحديد الخليجية التي أُطلقت فكرتها عام 2009، جميعها كانت تعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الوحدة الاقتصادية، لكنها بقيت تتحرك ببطء مقارنة بحجم التحديات المتسارعة. اليوم، وبعد تعرض دول الخليج لإستهدافات وجودية، لم تعد هذه المشاريع مجرد ملفات تنموية، بل تحوّلت إلى مشاريع أمن قومي خليجي. لأن الدول التي ترتبط اقتصاديًا ولوجستيًا وماليًا، تصبح أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط والابتزازات السياسية.

 

 

انكشاف المظلة الأمريكية

 

كشفت السنوات الأخيرة واحدة من أهم الحقائق حول مفهوم “الحماية الأمريكية”، الذي تغير عمّا كان عليه منذ عقود. فتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب بضرورة دفع دول الخليج الثمن مقابل الحماية، لم يكن مجرد خطاب انتخابي، بل جاء ليُعبّر عن تحوّل أكثر عمقاً في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي يقوده ترامب، الذي يُعتبر بعيد جداً عن اللغة الدبلوماسية في التعاملات التقليدية مع  القيادات الخليجية.

 

وقبل الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية قلّصت واشنطن انخراطها العسكري المباشر، وأعادت توجيه أولوياتها نحو آسيا، وحاولت إدارة الأزمات بدل الانغماس فيها، وركّزت على حماية مصالحها لا على الدخول في حروب طويلة، أو هذا هو المُعلن على الأقل.

 

لكن الحرب الراهنة كشفت أنّ الولايات المتحدة ترى منطقة الشرق الأوسط من زوايا مصلحية بحتة، وهي أمن الطاقة، وحماية الملاحة، واحتواء الخصوم بأقلّ كلفة ممكنة، وكل ذلك يصب طبعاً في توفير الأمن والحماية لإسرائيل وتحقيق تمدد نفوذها في المنطقة. وهنا انكشف السؤال الكبير: إذا كانت القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها، أين المشروع الخليجي الذي يتحرك وفق مصلحة دول الخليج وشعوبها؟

 

 

صفقات السلاح الكبرى

 

تعكس التقارير الدفاعية الغربية دلالة على حجم القلق الخليجي، لا سيّما مع اتجاه دول خليجية لشراء نحو 4200 صاروخ باتريوت بقيمة تقارب 17 مليار دولار، وهو رقم يوازي تقريبًا كامل الطاقة الإنتاجية السنوية الأمريكية من هذه المنظومة لسنوات مقبلة.

 

هذه الصفقة تندرج ضمن الإدراك الخليجي الاستراتيجي على مدار عقود بأن المنطقة لم تدخل بعد مرحلة الاستقرار الحقيقي. فالدول الواثقة من هدوء الإقليم لا تبني هذا الحجم من المظلات الدفاعية خلال فترة قصيرة، والدول المطمئنة لتحالفاتها لا تتصرف بمنطق الاستعداد الطويل لحروب الاستنزاف.

 

وهنا تظهر الحقيقة الأكثر حساسية في المشهد الخليجي. وهي أن الخليج يعيش اليوم فجوة مركبة في عامل الثقة، التي بدورها تتحوّل إلى خوف مركّب يَترقّب المرحلة المقبلة بما فيها من معضلات، يكمن أولها في عدم الثقة بالمشروع الإيراني الذي أثبت بالدرجة الأولى نهجاً عدائياً باتجاه دول الجوار، وقد شاهد العالم أجمع، كيف تحوّلت الخطابات التحريضية الأيديولوجية الإيرانية إلى صواريخ ومسيّرات تستهدف مصادر الطاقة والملاحة والمنشآت الحيوية،  لتتضح تفاصيل التجربة العنيفة التي عاشتها دول عربية قريبة مثل العراق وسوريا واليمن من خلال الوكلاء غير الحكوميين الموالين لهذا المشروع في هذه الدول.

 

في السياق نفسه، لا ثقة مطلقة أيضاً في الضمانات والحماية الأمريكية، التي أثبتت التجارب أنها محكومة بالمصلحة لا بالالتزام الدائم، وقد اكشفت حقيقة التحالفات الأمنية الأمريكية مع إسرائيلي على أنها الشريك الإستراتيجي لها وليس لدولنا الخليجية، وذلك على الرغم من الصفقات الضخمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، نظير توفير الحماية التي كشفت الحرب الأخيرة هشاشتها.

 

وهنا تحديدًا تكمن المعضلة الكبرى التي تنعكس في ضعف مستوى الثقة الخليجية–الخليجية لأنه لم يبلغ بعد مرحلة يعمل من خلالها على بناء منظومة ردع موحدة ومشروع سياسي متكامل، وتعزيز التنسيق الداخلي في هذا الاتجاه، فسياسة الإنفاق والتسلّح الخليجي باتت نهجاً لتقلبات الحلفاء، وتقلبات الإقليم.

 

وبالتالي، لا يُمكن لهذا القلق أن يزول إلّا بتعزيز التعاون والمصير المشترك بين دول الخليج. فالإنفاق الدفاعي الضخم دون يقين سياسي كامل يُشير إلى أنّ الإيمان بوحدة المصير غير مكتملة الأركان بالكامل. ولذلك، فإن أخطر ما كشفته الأشهر الأخيرة ليس فقط حجم التهديدات المحيطة بالخليج، بل حجم الحاجة الخليجية إلى الثقة المتبادلة، والمشروع المشترك، والرؤية الجماعية طويلة المدى.

 

ما بعد إيران: من يملأ الفراغ؟

 

في السياسة، لا يبقى الفراغ طويلًا. وإذا كان المشروع الإيراني قد استنزف نفسه في مسارات إقليمية وأيديولوجية مُكلفة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من الذي يستعد لوراثة النفوذ وإعادة تشكيل المنطقة؟

 

هنا يظهر الدور الإسرائيلي بوصفه كياناً محتلًا يحمل مشروعاً ممتداً يتجاوز الأراضي إلى المقدسات تحت عنوان “إسرائيل الكبرى“، ويتحرك عبر: الاقتصاد، والتكنولوجيا، والنفوذ السياسي، وإعادة تشكيل التحالفات، عبر الإرهاب والابتزاز.

 

وقد أظهرت السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد اتفاقيات إبراهام 2020،  والحرب الراهنة، أن إسرائيل لا تتحرك بحثاً عن اعتراف سياسي، بل كمشروع يسعى لإعادة تعريف المنطقة بأكملها ضمن ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تقودها المصالح الأمريكية والغربية، على أن تكون تل أبيب هي التي تُشرف على هذه الترتيبات وتتحكّم بمساراتها.

 

في هذا السياق، برز  “الشرق الأوسط الجديد” و”الديانة الإبراهيمية” بوصفهما مسارات ناعمة لإعادة تشكيل، وعي المنطقة وعلاقاتها السياسية والثقافية. وهنا لا يصبح الخطر فقط في التحولات العسكرية، بل في تحوّل المنطقة تدريجيًا من فضاء عربي مستقل القرار، إلى فضاء تُعاد صياغة أولوياته ووعيه بما يخدم مشاريع الآخرين.

 

 

الوعي الحقيقي ليس في المشاريع العابرة

 

يكمن الوعي الحقيقي اليوم في سرعة الانتقال الجاد نحو الكونفدرالية الخليجية. فالخليج لا يحتاج إلى مزيد من الارتهان للحماية الأمنية ولا إلى الذوبان داخل ترتيبات سياسية وفكرية لا تملك ضمانات الاستمرار، ولا إلى الاندفاع نحو تحالفات مؤقتة أو مشاريع ضبابية. بل تحتاج دول التعاون إلى مشروعها الذاتي الذي يحفظ الحدود، والهوية، والسيادة والوجود، وصولاً إلى تثبيته لعناصر القوّة الاقتصادية والإستراتيجية التي تحميه وشعوبه من التقلبات السياسية.

 

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه دول الخليج هو أن تتعامل مع المشاريع المطروحة في المنطقة بوصفها بدائل عن مشروعها الخليجي الخاص. ففي عالم المصالح الكبرى، لا توجد مشاريع مجانية، وكل مشروع دولي أو إقليمي يبحث أولًا عن خدمة مصالحه ونفوذه وأمنه القومي. ولذلك، فإن حماية الخليج لن تتحقق عبر الانخراط في أي مشروع أمريكي–إسرائيلي يُعاد تسويقه، بل عبر بناء كتلة خليجية متماسكة تمتلك قرارها ورؤيتها واستقلالها الإستراتيجي.

 

لقد أثبتت التجارب أنّ القوى الكبرى تُدير مشاريعها باستخدام أدواتها كاملة، كذلك تفعل كلّ من إيران وتركيا وإسرائيل، بينما لا تزال دول الخليج في كثير من الأحيان، وعلى الرغم من قوتها الاقتصادية الهائلة وتجربتها التنموية الناجحة، تُدير حساباتها بمنطق التوازنات، واحتواء الأزمات، وردود الأفعال المرحلية، وهنا مكمن الخطر الحقيقي، لأنها تبقى معرّضة للعودة إلى “المربع الصفري” عند أول منعطف سياسي.

 

 

 نحو الكونفدرالية قبل أن تفرضها الأزمات

 

ما بعد الهدنة ليس زمن زوال التهديد، بل زمن القرارات الكبرى. ولقد أثبتت الأحداث التي عصفت بالمنطقة أن: الحماية الخارجية محدودة، والتحالفات الدولية متقلبة، والتهديدات الإقليمية عابرة للحدود، وأن الدولة الخليجية، مهما بلغت قوتها منفردة، تبقى أكثر هشاشة إذا واجهت العواصف وحدها.

 

في المقابل، أثبتت دول الخليج العربي أنها تمتلك كل عناصر النهوض من: موارد طبيعية، وموقع جغرافي استراتيجي، وإمدادات الطاقة، وخبرة تنموية، وعمق إستراتيجي وثقافي، والأهم من ذلك القدرة على بناء نموذج عربي ناجح ومستقر، والحفاظ على ثباته رغم الظروف السياسية المتغيرة. لكن كل هذه المقومات لن تبلغ ذروتها ما لم تنتقل من حالة “التعاون” إلى حالة “المصير المشترك”.

 

ومن هنا، لم يعد الحديث عن الكونفدرالية الخليجية ترفًا سياسيًا أو حلمًا نخبويًا مؤجلًا، بل بدأ يتحول إلى ضرورة استراتيجية لحماية الخليج من التحولات الجيو سياسية. فالكونفدرالية لا تعني ذوبان الدول، ولا إلغاء السيادات، بل تعني بناء كيان خليجي أعلى، يوحّد الرؤية الإستراتيجية، ويعزز الدفاع المشترك، ويوحّد القرار الاقتصادي، ويحمي الأمن الغذائي والمائي والطاقة، ويمنح الخليج ثقلًا دوليًا يوازي حجمه الحقيقي.

 

العالم يُعيد تشكيل نفسه على هيئة تكتلات كبرى، ومن لا يتحول إلى كتلة متماسكة، سيتحول مع الوقت إلى ساحة نفوذ للآخرين. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى مشروع خليجي أكبر؟ بل أصبح: هل يسمح الوقت بمزيد من التأجيل؟ قد تنجو الدول منفردة لبعض الوقت، أما الأوطان التي ترغب بتحقيق الاستدامة، فلا بُدّ لها من بناء مصيرها معاً.

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

أكاديمي وباحث بحريني
أكاديمي وباحث متخصص في شؤون الخليج، تتركز مؤلفاته حول التحوّلات السياسية والإعلامية في المنطقة، مع تسليط الضوء على دور الاتصال السياسي في تشكيل الرأي العام وأثره على صناع القرار. تجمع أعماله بين الرؤية الأكاديمية والخبرة في البحوث التطبيقية، سعياً لفهم ديناميكيات العلاقات الإقليمية والدولية المرتبطة بمنطقة الخليج.