ما بعد 7 أكتوبر: تراجع نفوذ إيران وتآكل شرعية إسرائيل وتعاظم قوة الرياض وأنقرة

غيّرت حروب ما بعد 7 أكتوبر خطوط المواجهة، بل أعادت توزيع القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، وكشفت الفارق بين دول دخلت في مرحلة الاستنزاف المباشر، وأخرى حافظت على قوتها ووسّعت هامش حركتها.

30 يوليو، 2026
خالد داهم الهاجري

تتسارع التحوّلات الجيوسياسية الكبرى في المنطقة منذ 7 أكتوبر 2023 حيث انتقلت المنطقة من حرب غزة إلى مواجهات في لبنان واليمن، ثم إلى سقوط نظام بشار الأسد، والحرب الإسرائيلية الإيرانية في يونيو 2025، وصولاً إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية في فبراير 2026، وما أعقبها من استهداف إيراني لدول الخليج وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز. فقد بدأت نتائج هذه الحروب المترابطة تتجاوز أطراف الصراع المباشرة لتعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي.

 

يتضح هذا المشهد في أربع قوى رئيسية. إيران وإسرائيل اللتان دخلتا المواجهة المباشرة ودفعتا كلفة عسكرية وسياسية واقتصادية متصاعدة. في المقابل، تجنّبت السعودية وتركيا الانزلاق إلى الاستنزاف نفسه، وراكمتا مكاسب نسبية. أما إيران فقد دخلت مرحلة ما بعد 7 أكتوبر وهي تمتلك شبكة نفوذ تمتد من غزة إلى لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن. وقد منحتها هذه الشبكة عمقاً استراتيجياً ومكّنتها من الضغط على خصومها بعيداً عن أراضيها، مع إبقاء كلفة المواجهة المباشرة محدودة. لكن ما بنتهُ طهران خلال عقود تعرّض في أقل من ثلاثة أعوام، لضربات متلاحقة أصابت معظم حلقاته.

 

ففي حين فقدت حركة حماس في غزة جانباً كبيراً من قدراتها، خسر حزب الله جانباً كبيراً من قيادته وقدراته. ثم سقط نظام بشار الأسد، فانقطع أهم ممر بري كانت إيران تستخدمه للوصول إلى لبنان. وفي العراق، بقي النفوذ الإيراني حاضراً، لكنه أصبح أكثر تعرضاً للضغط الأمريكي، وأقل قدرة على تحريك الفصائل بوصفها كتلة واحدة. فقد أحجمت قوى عراقية موالية لطهران عن الانخراط الكامل في الحرب دفاعاً عنها، بينما اتجهت الحكومة العراقية إلى تشديد قبضتها على السلاح والمال المرتبطين بتلك الفصائل. أما الحوثيون، فظلوا ورقة عسكرية مهمة، لكن انتقالهم إلى تهديد الملاحة والطاقة جعلهم عبئاً دولياً مكشوفاً، لا ذراعاً تعمل بكلفة سياسية محدودة.

 

لم تتوقف الخسائر عند الوكلاء. فقد خسرت طهران سلاسل قيادة، وشبكات اتصال يصعب تعويضها سريعاً. أما البرنامج النووي، فقد جانباً من حصانته، وأصبح الحفاظ عليه أو إعادة بنائه أكثر كلفة، فيما قد تفرض أي تسوية مقبلة قيوداً أشد على التخصيب والرقابة. وفي مضيق هرمز، أحرقت طهران واحدة من أهمّ أوراقها حين انتقلت من التهديد إلى تعطيل الملاحة واستهداف السفن. فقد حوّلت المضيق من أداة ضغط إيرانية إلى قضية أمن دولي، ودفعت دول الخليج والقوى الكبرى إلى البحث عن ترتيبات ومسارات بديلة تُقلل قدرتها على ابتزاز تجارة الطاقة مستقبلاً.

 

كذلك، تكمن خسارة طهران الأعمق في علاقتها بدول الخليج التي يحتاج ترميمها إلى سنوات طويلة حتى لو انتهت الحرب باتفاق قريب. لم تخرج إيران من معادلة القوة، لكن موقعها النسبي تراجع. فالمشروع الذي كان يقاتل خارج الحدود لحماية الداخل أصبح يخوض الحرب على أرضه، ووكلاؤه الذين شكّلوا خط دفاعه المتقدم باتوا أضعف وأقل ترابطاً.

 

 

إسرائيل: التفوق العسكري مقابل تآكل الشرعية

 

دخلت إسرائيل 7 أكتوبر وهي تملك تفوقاً عسكرياً واسعاً، وعلاقات غربية راسخة، وفرصة تاريخية للتطبيع مع السعودية. لكن الهجوم كشف إخفاقاً أمنياً واستخباراتياً كبيراً، ثم دفعتها الحرب الطويلة إلى توسيع جبهاتها من غزة إلى لبنان وإيران واليمن.

 

عسكرياً، حققت إسرائيل مكاسب لا يمكن تجاهلها. فقد أضعفت قدرات حماس وحزب الله، واستهدفت قيادات إيرانية بارزة، واخترقت عمق إيران الأمني والعسكري، وأسهمت في تفكيك أجزاء مهمة من شبكة النفوذ التي كانت تحاصرها. غير أن هذه المكاسب لم تتحول حتى الآن إلى تسوية سياسية مستقرة. فلا تزال غزة بلا حل سياسي، ولا يزال ملف الأسرى والرهائن يضغط على الداخل الإسرائيلي، كما أن اتساع الحرب جعل الأمن الإسرائيلي أكثر اعتماداً على الدعم الأمريكي المباشر.

 

وفي المقابل، خسرت إسرائيل جانباً كبيراً من صورتها وشرعيتها الدولية. فقد انتقلت من دولة حظيت بتعاطف واسع بعد هجوم 7 أكتوبر إلى دولة تواجه اتهامات متصاعدة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

 

وتظهر استطلاعات الرأي اتساع هذه الخسارة. ففي ربيع 2026، بلغت النظرة السلبية إلى إسرائيل 67 في المئة في المتوسط عبر 36 دولة شملها استطلاع مركز بيو. كما وثقت لجنة حماية الصحفيين مقتل 259 صحفياً وعاملاً في مجال وسائل الإعلام بنيران إسرائيل في ساحات الحرب المختلفة حتى يونيو 2026. واقتصادياً، دفعت إسرائيل ثمناً باهظاً. فقد قدّر بنك إسرائيل كلفة العمليات العسكرية من أكتوبر 2023 إلى أبريل 2026 بنحو 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ورفعت الحرب الإنفاق العسكري والعجز والدين، وأضرت بالسياحة والاستثمار، وفرضت استدعاء متكرراً لقوات الاحتياط. لم ينهَر الاقتصاد الإسرائيلي، ولا تزال لديه قاعدة تقنية ومالية قوية، لكنه أصبح اقتصاد حرب يتحمل كلفة متراكمة ويواجه ضغوطاً على النمو والإنفاق المدني والتصنيف الائتماني.

 

أما الخسارة الاستراتيجية الأبعد أثراً، فهي تعثر الاندماج الإقليمي. قبل 7 أكتوبر، كانت إسرائيل تقترب من اعتراف سعودي يفتح أمامها باباً عربياً أوسع. وبعد الحرب، ربطت الرياض أي تطبيع بمسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية، ثم مضت في اتفاقها النووي المدني مع واشنطن من دون ربطه بالتطبيع. وفي أوروبا، انتقل النقاش من بيانات القلق إلى مراجعة اتفاق الشراكة، وطرح تعليق امتيازات تجارية وفرض عقوبات على وزراء متطرفين، وإن ظل الاتحاد الأوروبي منقسماً بشأن التنفيذ.

 

وهكذا تبدو إسرائيل أقوى عسكرياً تجاه بعض خصومها، لكنها أضعف من حيث الشرعية والقبول والقدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نظام إقليمي مستقر. وهذه مفارقة أساسية في حصيلة ما بعد 7 أكتوبر.

 

 

تركيا: مكاسب محسوبة خارج الاستنزاف

 

سلكت تركيا مساراً مختلفاً. لم تصمت سياسياً، ولا سيما تجاه حرب غزة والهجمات على إيران، لكنها التزمت صمت السلاح، وابتعدت عن المواجهة الإقليمية المباشرة. حافظت على قنواتها مع واشنطن وموسكو والعواصم العربية، وراقبت القوى المتصارعة تستنزف بعضها، بينما أبقت أدواتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية متاحة للحظة التحول. وكانت سوريا أكبر مكاسبها. فمع سقوط نظام الأسد، تراجع النفوذ الإيراني المباشر على حدودها الجنوبية، وانحسر الدور الروسي، وصعدت في دمشق سلطة ترتبط بأنقرة بعلاقات وثيقة. وأصبحت تركيا من أكثر القوى الخارجية تأثيراً في سوريا الجديدة، عبر التدريب العسكري، ودعم مؤسسات الدولة، والتجارة، وإعادة الإعمار، والدفع نحو رفع العقوبات. لم تكسب أنقرة دولة تابعة، فسوريا ما زالت دولة تسعى إلى بناء نفسها، لكنها كسبت بيئة استراتيجية أكثر ملاءمة، وعمقاً أمنياً، وفرصة اقتصادية، واسعة.

 

وكان المكسب الأمني الأهم تراجع قوات سوريا الديمقراطية، قسد، التي تعدها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني.  وفي واشنطن، انتقلت تركيا من حليف مستبعد من برنامج مقاتلات إف 35 إلى شريك تسعى الإدارة الأمريكية إلى استعادته

 

وفي الخليج، رسخت أنقرة مصالحتها مع السعودية والإمارات، وحافظت على شراكتها الاستراتيجية مع قطر. وتحوّلت علاقتها بالرياض إلى تعاون في الدفاع والطاقة والتجارة وإعادة إعمار سوريا. ولم تعد سوريا ساحة خلاف سعودي تركي، بل أصبحت مجالاً للتنسيق بينهما، إلى جانب مشاريع لربط تركيا بالخليج عبر سوريا والأردن.

 

 

السعودية: مكاسب ضبط النفس

 

منذ 7 أكتوبر، راكمت السعودية مكاسبها بينما كان خصمها الإقليمي الأشد تأثيراً في أمنها يخسر ركائزه تباعاً. لم تدخل الرياض الحرب، لكنها رأت المشروع الذي هدد أمنها طوال عقود يتراجع من دمشق إلى بيروت وبغداد وصنعاء.

 

جاء الاتفاق النووي المدني مع الولايات المتحدة ليعزز هذا التحول. فقد وقعت الرياض وواشنطن اتفاق تعاون يفتح المجال أمام بناء مفاعلات بتكنولوجيا أمريكية من خلال التفاوض والمؤسسات، لا عبر خمسين عاماً من العقوبات والعزلة، ولا عبر الصواريخ والمسيرات والوكلاء. وهذا يمثل ذلك نموذجاً مختلفاً لبناء القوة. فالسعودية تسعى إلى توطين المعرفة والطاقة والتقنية داخل الدولة، في حين دفع النموذج الإيراني كلفة باهظة من الاقتصاد والعلاقات الإقليمية من أجل برنامج ارتبط بالمواجهة والعقوبات.

 

وفي اليمن، تغيّر موقع الحوثي في المعادلة. فمنذ أن هاجم السفن وهدد باب المندب، ثم أعلن حصاراً بحرياً على السعودية وهاجم ناقلاتها، لتحوّل إلى تهديد للتجارة وأمن الطاقة العالميتين. وقد أسهم ارتباط تحركاته بالحرب الإيرانية في تعميق عزلته ووضعه في مواجهة دائرة أوسع من القوى الدولية.

 

أما في الخليج، فقد كشفت تطورات ما بعد 7 أكتوبر قوة الترابط بين دول مجلس التعاون، حتى مع استمرار اختلافاتها في بعض الملفات. فقد أعلنت دوله موقفها لمنع توسيع الحرب، ودعمت وقف إطلاق النار، وحافظت على قنوات الوساطة، ورفضت تحويل أراضيها إلى منصة للاعتداء على إيران. وحين استهدفت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية الدول الست، انتقل التقارب من الموقف السياسي إلى التضامن الأمني، واستند المجلس إلى حق الدفاع الجماعي، وعزز تنسيقه الجماعي مع الولايات المتحدة وأوروبا بشأن أمن الملاحة والطاقة.

 

ولا يعني ذلك غياب الخلافات، فقد كشفت أزمة اليمن تباينات حادة بين السعودية والإمارات. لكن البلدين اتجها لاحقاً إلى احتواء التوتر، وعدم  تحويل الاختلاف إلى قطيعة، ما يعزز من قوة الخليج واستقراره.

 

إنّ التماسك الخليجي ليس مكسباً سعودياً منفرداً، لكنه يعزز البيئة الاستراتيجية للمملكة، ويرسخ موقعها في مركز منظومة إقليمية أكثر تنسيقاً. كما يمنح دول الخليج مجتمعة قدرة أكبر على التأثير في شروط أي تسوية مقبلة مع إيران، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

 

تكشف حصيلة ما بعد 7 أكتوبر أن نتائج الحروب لا تُقاس بعدد الضربات، بل بما يبقى للدول من قوة وشرعية وتحالفات. لا تزال المنطقة في طور إعادة التشكيل. فإيران لم تنهَر، وإسرائيل لم تفقد تفوقها العسكري، كما أن مكاسب السعودية وتركيا مشروطة بملفات لم تُحسم بعد. لكن الاتجاه العام بات واضحاً. تتراجع جدوى شبكات الوكلاء والحروب المفتوحة، وتزداد قيمة الدولة المتماسكة، والاقتصاد القادر، والتحالفات المرنة. ومنذ 7 أكتوبر، مال ميزان القوى الجيوسياسي لمصلحة الدول التي حافظت على مؤسساتها وقدرتها على الاختيار، لا تلك التي حولت كل أزمة إلى ساحة حرب جديدة.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: إيران، المملكة العربية السعودية، تركيا، فلسطين-إسرائيل

المؤلف

كاتب وباحث في العلوم السياسية
كاتب وباحث في العلوم السياسية