غالباً ما يُستخدم مصطلح «الناتو الخليجي» في النقاشات السياسية باعتباره شعاراً أو تصوراً نظرياً، إلا أن جذوره أعمق من ذلك بكثير. فالفكرة لا تتعلق بإنشاء حلف عسكري جديد من الصفر، بقدر ما ترتبط بتطوير البنية الأمنية التي بدأت عملياً مع تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، ثم مع إنشاء قوة درع الجزيرة باعتبارها أول محاولة مؤسسية لترجمة مفهوم الأمن الخليجي المشترك إلى واقع عسكري.
واليوم، تبدو البيئة الاستراتيجية مختلفة جذرياً عن تلك التي أنتجت درع الجزيرة في الثمانينيات. فالتحديات لم تعد تقتصر على الجيوش التقليدية أو النزاعات الحدودية. الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، وصواريخ الكروز، والهجمات السيبرانية، أصبحت أدوات قادرة على تجاوز الحدود خلال دقائق واستهداف المطارات والمنشآت النفطية والبنية التحتية الحيوية في أي نقطة من الخليج.
الناتو الخليجي ليس فكرة طارئة، ولا رؤية مبالغاً فيها. قد يبدأ تدريجياً، وربما من خلال السعودية وقطر، ثم تلتحق بقية دول الخليج بحسب المصالح والظروف. الفكرة ليست إعلان حرب، بل بناء منظومة ردع خليجية قادرة على حماية الأمن، والممرات، والمنشآت الحيوية، خصوصاً بعد سنوات من تهديدات الصواريخ والمسيرات والمليشيات.
قد يكون الناتو الخليجي خطوة نحو تنسيق أعمق بين دول الخليج، يبدأ بالدفاع، ثم ينتقل إلى الخارجية والطاقة، وصولاً إلى ملفات الثقافة والإعلام والتأشيرة السياحية. فدول الخليج تملك اقتصاداً متشابهاً، ومصالح متداخلة، وتحديات، واحدة. لذلك لم يعد التنسيق خياراً سياسياً فقط، بل ضرورة استراتيجية. حيث إنّ نشأة هذا التحالف الإقليمي الدفاعي بصورة واقعية، لا تتطلب بالضرورة الانطلاق بصيغة حلف عسكري شامل ومكتمل الأركان.
إذ يمكن أن يبدأ من النقطة الأكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة وهي: قيادة موحدة للدفاع الجوي والصاروخي، تتعامل مع الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، وصواريخ الكروز، وتربط مراكز العمليات والرادارات والإنذار المبكر في دول الخليج ضمن شبكة واحدة. فالتهديدات الجديدة لا تنتظر الحدود، ولا تفرّق بين مطار، وميناء، ومنشأة طاقة، ومدينة مدنية.
هذا التطور ليس بعيداً عن تجربة درع الجزيرة. فقد عُززت قوات درع الجزيرة المشتركة عام 2009 بقوة تدخل سريع ، ثم ظهر معنى هذا التحرك عملياً عند دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين عام 2011 لحماية الأمن والاستقرار والمنشآت الحيوية. لذلك، يمكن أن يبدأ الناتو الخليجي الجديد من الصيغة نفسها، لكن بأدوات العصر: تدخل سريع، وإنذار مبكر، ودفاع جوي موحد، وقيادة عمليات مشتركة. بعد ذلك، يمكن الانتقال إلى القيادة البحرية المشتركة، لأن أمن الخليج لا ينفصل عن مضيق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر، وخطوط الطاقة، والتجارة. ثم تأتي مرحلة التكامل الجوي، وبعدها منظومة استخبارات خليجية مشتركة، لأن الحروب الحديثة لا تبدأ عند إطلاق الصاروخ، بل تبدأ قبل ذلك بالمعلومة والرصد والتحليل.
لا يمكن أن يبقى الناتو الخليجي، إذا أريد له أن يكون فاعلاً، محصوراً داخل الجغرافيا الخليجية وحدها. فالأمن الخليجي يتصل بعمق إقليمي واسع. تأتي باكستان في مقدمة هذا العمق، بحكم علاقتها العسكرية الطويلة مع السعودية في التدريب والاستشارات والتمارين، ثم اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي نصت على أن أي عدوان على إحدى الدولتين يعد عدواناً على الأخرى.
كذلك، تملك تركيا علاقات عسكرية متقدمة مع قطر، وتعاوناً دفاعياً متنامياً مع الكويت، كما دخلت مع السعودية مرحلة جديدة في الصناعات العسكرية عبر صفقة بيرقدار أقنجي وتوطين بعض مكونات الطائرات المسيّرة. أما مصر، فهي من الدول التي تمثل الثقل العربي السياسي، وشاركت في تحرير الكويت عام 1991، كما تملك تجربة مهمة في التصنيع العسكري العربي عبر الهيئة العربية للتصنيع التي تأسست بمشاركة مصر، والسعودية، وقطر، والإمارات. ومن جهتها، الأردن دولة تماس وذات خبرة أمنية وسياسية، وله موقع حساس بين الخليج والدول الواقعة في شرق البحر الأبيض المتوسط وغرب نهر الفرات. وفي مرحلة لاحقة، من المهم عودة الاستقرار إلى اليمن وسوريا والسودان. فاستقرار اليمن يحمي الخاصرة الجنوبية للخليج والبحر الأحمر، واستقرار سوريا يغلق ممراً واسعاً أمام المليشيات، أما السودان فقد شارك في عاصفة الحزم، ويبقى موقعه على البحر الأحمر وعمقه البشري والعسكري مهماً عند تعافي دولته.
أما على المستوى الدولي، فسيبقى الناتو الخليجي المنشود بحاجة إلى شبكة واسعة من الحلفاء. الولايات المتحدة هي الحليف العسكري الأكبر، وشريك رئيسي في الدفاع الجوي والصاروخي، والأمن البحري، ومراقبة الممرات الحيوية. وبريطانيا لها تاريخ طويل في أمن الخليج، وحضور عسكري مستمر، خصوصاً من خلال منشآتها البحرية في البحرين. وفرنسا هي الشريك الأوروبي العسكري الأكثر حضوراً في الخليج، خاصة عبر وجودها العسكري في الإمارات وعلاقاتها الدفاعية مع أكثر من دولة خليجية. أما أوروبا ككتلة، فيمكن أن تكون شريكاً في أمن الطاقة، والتقنيات الدفاعية، وحماية الملاحة، وبناء شراكات طويلة المدى.
ولا ينبغي تجاهل الصين في هذا السياق. فبكين لا تمثل حليفاً أمنياً تقليدياً مثل واشنطن أو لندن، لكنها شريك مهم في تنويع مصادر التسليح وبناء هامش أوسع من الاستقلال الدفاعي. والتجربة السعودية في هذا المجال قديمة، إذ اتجهت الرياض إلى الصين في أواخر الثمانينيات للحصول على صواريخ باليستية بعيدة المدى من طراز دونغ فنغ. كما كانت الصين حاضرة بقوة في سوق السلاح الإقليمي خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث كان العراق من الدول العربية التي استوردت أسلحة صينية في تلك الفترة. وهذا يعني أن بكين لم تكن بعيدة عن معادلات القوة في الخليج والمشرق، حتى قبل صعودها الاقتصادي الكبير في العقود الأخيرة.
وبهذا المعنى، فإن الناتو الخليجي المنشود لا يبدأ من صفحة بيضاء. فالإطار العملي الذي يسبقه يكمن في مجلس التعاون ودرع الجزيرة. ويمكن النظر إلى هذه التجربة بوصفها واحدة من أوائل صيغ الدفاع الجماعي في الجنوب العالمي بعد تجربة الناتو وأحلاف الحرب الباردة. لكنها تختلف عن كثير من تلك الأحلاف في نقطة جوهرية: أنها لم تكن حلفاً مفروضاً من قوة دولية كبرى، بل نشأت من إدراك خليجي مباشر بأن الخطر واحد، وأن أمن الدول الست لا يمكن تجزئته.
لم يتحول درع الجزيرة إلى حلف أمني متكامل بالمعنى العسكري والمؤسسي، لكنه حافظ على النواة الأولى للفكرة: قيادة مشتركة، تهديد مشترك، ومبدأ ضمني يقول إن الاعتداء على دولة خليجية ليس شأناً محلياً معزولاً.
في النهاية، لا يتعلق الأمر ببناء تحالف هجومي أو الدخول في سباقات عسكرية مفتوحة. الفكرة الأساسية هي الانتقال من مفهوم التنسيق الأمني إلى مفهوم الردع الجماعي؛ أي إنشاء منظومة تجعل تكلفة أي اعتداء على دولة خليجية مرتفعة بما يكفي لمنعه قبل وقوعه.
بعد أكثر من أربعين عاماً على تأسيس مجلس التعاون، ربما لم يعد التحدي في إثبات أن أمن الخليج مترابط، بل في بناء المؤسسات والقدرات التي تعكس هذه الحقيقة على أرض الواقع. وإذا كان مجلس التعاون قد مثل الإطار السياسي لهذه الرؤية، وكانت درع الجزيرة نواتها العسكرية الأولى، فإن «الناتو الخليجي» قد يكون الاسم الجديد للمرحلة التالية من تطور الأمن الخليجي.