1 أكتوبر 2026 (الصورة بواسطة - / وكالة الصحافة الفرنسية)

الخليج بين تعثّر التفاوض والتصعيد: ما الخيارات المتاحة؟

وسط تراجع المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، يعود مضيق هرمز ليختبر هشاشة الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي في آن واحد. وفي هذا المشهد المضطرب، يبدو الخليج طرفاً معنياً بصياغة مخرج يوازن بين التهدئة وحماية مصالحه الحيوية.

5 أكتوبر، 2026
ظافر محمد العجمي

في ظلّ تعثر المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران وتصاعد التوترات حول مضيق هرمز، يقف الخليج أمام لحظة مفصلية تتجاوز حدود الأزمة الراهنة. فالمخاطر المحتملة لا تقتصر على تهديد إمدادات الطاقة أو ارتفاع كلفة النقل والتأمين، بل تمتد إلى أمن المدن والمنشآت الحيوية واستقرار الاقتصادات الوطنية.

 

وبينما تُكثّف قطر وسلطنة عُمان جهودهما للوساطة، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة خليجية متكاملة تجمع بين الوساطة النشطة، والاستعداد الدفاعي، وتنويع الشراكات، وبناء آليات إقليمية مستدامة لمنع التصعيد. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: كيف يستطيع الخليج حماية مصالحه وتحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة صياغة أمنه الإقليمي؟

 

تشهد المنطقة لحظة حرجة تتقاطع فيها وساطات دبلوماسية مكثفة مع احتكاكات ميدانية متصاعدة في مضيق هرمز، فيما يراوح التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران مكانه بسبب تباعد الشروط وتداخل الملفات. من الخليج تحركت قطر، بالتنسيق الوثيق مع سلطنة عُمان، من خلال جهود دبلوماسية حثيثة لنقل مقترح إيراني معدّل إلى الإدارة الأمريكية، في محاولة جادة لكسر جمود المفاوضات غير المباشرة والمساهمة في إنهاء الحرب الدائرة.

 

تسلّمت طهران الرد الأمريكي على المقترح الذي يركز على التوفيق بين مطلب طهران برفع الحصار البحري والعقوبات النفطية، مقابل اشتراط واشنطن ضمانات تتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز وملف طهران النووي. ومع ذلك، ما زال مضيق هرمز يُشكّل نقطة خلاف رئيسية بين الطرفين، مع جولات الإغلاق والتهديدات الملاحية التي شملت إعادة سفن ومنع عبور جهات مرتبطة بما تصفه طهران بـ”العدو” انطلقت منذ مارس 2026 وتبعها صدمة عنيفة في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع أسعار التأمين والنقل البحري، وتداعيات تضخمية طالت دول آسيا وأوروبا على حد سواء.

 

وعلى الرغم من العودة الجزئية للتدفقات النفطية والغازية في بعض الأسابيع، فإنّ أي تدهور جديد في المضيق قد يُعيد تهديد أمن الإمداد العالمي بشكل مباشر، ما يُعزز أهمية الوساطة الخليجية في رسم المصير الاقتصادي والأمني للمنطقة. في هذا السياق، تتحول الدبلوماسية من مجرد أداة سياسية تكميلية إلى خط دفاع أول لحماية البنية التحتية للطاقة وسلاسل التوريد العالمية التي تمرّ عبر هذا الممر الاستراتيجي.

 

 

الوساطة الخليجية ضرورة أمنية

 

لا شكّ أن الوساطة الخليجية لم تعد مجرد أداة دبلوماسية اختيارية أو ترفاً سياسياً يُمكن تأجيله، بل تحوّلت إلى حاجة استراتيجية وطنية وإقليمية ملحة لحماية البنية الأمنية والاقتصادية لدول مجلس التعاون. فالمنطقة التي تضمّ مضيق هرمز ويمرّ عبره نحو عشرين في المئة من إمدادات النفط والغاز المسال العالمية، تتحمل العبء الأكبر لأي تصعيد عسكري مباشر بين واشنطن وطهران، سواء عبر تهديد منشآت الطاقة الحيوية لديها أو تعطيل الممرات البحرية الاستراتيجية لدولها.

 

كذلك من منظور أمن الطاقة، فإن استمرار التهديدات في مضيق هرمز يطال سلاسل الإمداد الآسيوية بشكل مباشر، حيث تعتمد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على تدفقات الخليج بنسب عالية، ولا يمكن تعويضها بسرعة دون كلفة اقتصادية باهظة تدفعها الأسواق العالمية والمواطنون على حد سواء، بحسب ما تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

 

أما من منظور الأمن الوطني الخليجي، فإن اندلاع أيّ مواجهة عسكرية مباشرة مُجدداً ستُعرض المدن والمنشآت الحيوية الخليجية لصواريخ بالستية وطائرات مسيرة، لذا فإن النأي بالمنطقة عن شرارة المواجهة العسكرية المباشرة ليس ترفاً سياسياً أو خياراً ثانوياً، بل شرط بقاء اقتصادي وأمني لا غنى عنه.

 

وبالتالي قد يؤدي فشل الوساطة إلى احتمالية الانخراط في حرب إقليمية شاملة تدفع ثمنها دول الخليج قبل غيرها، بينما نجاح الجهود الدبلوماسية لا يحمي فقط تدفقات الطاقة بل أيضاً يحفظ الاستقرار  السياسي في المنطقة ويمنع تداعيات إنسانية واقتصادية جسيمة. في هذا الإطار، تتحول الوساطة من دور ثانوي إلى محور مركزي في الاستراتيجية الأمنية الخليجية، حيث تصبح الدبلوماسية خط الدفاع الأول قبل أي خيار عسكري.

 

 

قطر وسيط موثوق

 

برزت قطر كوسيط موثوق وفعال بين واشنطن وطهران بفضل شبكة علاقات متوازنة وقدرة نادرة على التواصل مع أطراف لا تتحدث مباشرة لبعضها البعض. وقد اغتنمت الدوحة وجود قنوات اتصال مفتوحة مع الإدارة الأمريكية ومع النخبة السياسية الإيرانية لتحويل وساطتها من مجرد نقل رسائل بين الطرفين إلى طرح مقترحات تسوية ذات صفحات محددة تحاول تقريب التباينات وتبني جسوراً من الثقة المفقودة.

 

هذا الدور لم يأتِ من فراغ أو صدفة، بل هو نتاج تراكم وساطات سابقة في ملفات إقليمية شائكة، وقدرة عالية على توظيف الجهود عبر الأروقة الدبلوماسية الأممية مثل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للتحدث إلى الأطراف عن كثب وتسهيل الحوار غير المباشر. كما أن التنسيق الاستراتيجي مع سلطنة عُمان، التي تملك هي الأخرى تقليداً طويلاً ومكانة خاصة في الوساطة الإقليمية، يُعزز مصداقية المسار التفاوضي ويُقلل من مخاطر سوء الفهم أو التسريب الذي قد يعرقل الجهود.

 

النتيجة النهائية هي تحول الوساطة الخليجية من مجرد خيار سياسي تكميلي إلى منصة تفاوض عملية، تقترح بدائل مرحلية قابلة للتنفيذ والقياس، مما يمنح الأطراف المتنازعة مساحة للمناورة دون فقدان الصورة الذهنية أو التنازل عن الثوابت المعلنة.

 

إن نجاح قطر في هذا الدور يعكس تحولاً أعمق في ديناميكيات القوة الإقليمية، حيث تصبح الدول المتوسطة الحجم ذات الدبلوماسية النشطة لاعباً محورياً في إدارة الأزمات وحل النزاعات، بدلاً من الاعتماد الكلي على القوى العظمى.

 

 

التقدّم الدبلوماسي ومأزق الملاحة

 

على الرغم من الزخم الدبلوماسي الملحوظ والتحركات المكوكية للوسطاء، تصطدم جهود التهدئة بجدار صلب من الشروط المتعارضة التي تجعل أي اختراق دبلوماسي سريع أمراً بالغ الصعوبة. فمن جهة، تشترط طهران الرفع الكامل والفوري لكافة القيود ومنها الحصار المفروض على موانئها، ورفع  والعقوبات النفطية الخانقة، والإفراج عن الأصول المالية المجمدة كمدخل أساسي لأي تهدئة أو خطوة نحو التفاوض الجاد.

 

ومن جهة أخرى، تشترط واشنطن ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز بشكل كامل ودائم، واتخاذ خطوات ملموسة وقابلة للتحقق على الملف النووي الإيراني قبل أي رفع جزئي للعقوبات أو تخفيف للحصار. هذا التباين الجوهري في الشروط المسبقة يجعل أي اختراق دبلوماسي سريع أمراً شبه مستحيل، ويحول المفاوضات إلى لعبة معقدة من “من يبدأ أولاً”، حيث يخشى كل طرف أن يمنح تنازلاً أولياً دون الحصول على مقابل ملموس يبرر المخاطرة السياسية الداخلية.

 

إضافة إلى ذلك، فإن السياق الداخلي السياسي في كل من واشنطن وطهران يضيّق بشكل كبير هامش المناورة المتاحة للمفاوضين. ففي واشنطن، يضغط تيار التشدد والحزب الجمهوري لضمان عدم مكافأة ما يصفونه بسلوك عدائي دون ضمانات أمنية قوية وملزمة، بينما في طهران يدفع الحصار الاقتصادي الخانق والحرب المستمرة النخبة الحاكمة إلى المطالبة بفك الحصار كشرط بقاء للنظام وشرط مسبق لأي تفاوض.

 

النتيجة النهائية هي مسار تفاوضي بطيء ومتعثر، يعتمد بشكل متزايد على مقترحات مرحلية قصيرة الأمد ومحدودة النطاق، مثل خطة الأيام السبعة التي تهدف لاختبار النوايا وبناء قدر ضئيل من الثقة قبل الانتقال إلى أي اتفاق شامل ودائم. هذا الواقع يفرض على الوسطاء الخليجيين الصبر الاستراتيجي والابتكار الدبلوماسي لتقديم مقترحات ذكية تتجاوز عقدة الخطوة الأولى التي تعيق التقدّم.

 

 

خيارات الخليج: استراتيجية خماسية متكاملة

 

في مواجهة هذا المشهد الإقليمي المعقد والمحفوف بالمخاطر، تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى تبني استراتيجية خماسية متكاملة تجمع بين الدبلوماسية النشطة والدفاع القوي والتنويع الشراكي، والتوجه نحو أمن متعدد الطبقات، لضمان تهدئة طويلة الأمد، وتقليل مخاطر التصعيد المستقبلي إلى أدنى حد ممكن.

 

أولاً، يجب توحيد الموقف الخليجي عبر صياغة موقف موحد ومتفق عليه عبر مجلس التعاون يحدد الثوابت الاستراتيجية المشتركة، مثل حرية الملاحة في المضائق الدولية، وعدم استهداف المنشآت الحيوية والمدنية، وحماية المدنيين من نتائج الحرب، مما يمنع استغلال أي انقسامات ثنائية بين دول المجلس من قبل الأطراف المتنازعة.

 

 ثانياً، يتعين دعم التفاوض المرحلي من خلال مساندة المسار القطري–العُماني بمقترحات مرحلية عملية وقابلة للقياس والتحقق، مثل وقف محدود ومؤقت للأعمال القتالية مقابل فتح جزئي وآمن للمضيق، أو رفع جزئي للحصار مقابل خطوات نووية محدودة، لخلق زخم تدريجي يبني الثقة خطوة بخطوة.

 

ثالثاً، لا بد من التسريع في التحصين الدفاعي عبر تطوير وتحديث الدفاعات الصاروخية والجوية المتكاملة، وتعزيز الأمن السيبراني الوطني والإقليمي، وحماية الممرات البحرية الحيوية عبر دوريات بحرية مشتركة وأنظمة إنذار مبكر متطورة، لتقليل الكلفة البشرية والمادية لأي تصعيد محتمل.

 

رابعاً، ينبغي العمل على تنويع الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية عبر توسيع شبكة الشركاء الأمنيين والتجاريين لتشمل أوروبا وآسيا وشركاء إقليميين جدد، لتقليل الاعتماد الأحادي على شريك واحد وبناء بدائل لوجستية وطاقوية فعالة في سيناريوهات الإغلاق أو الحصار.

 

خامساً وأخيراً، يتعين المبادرة إلى تفعيل حوار أمني إقليمي شامل عبر دعوة إقليمية واسعة تشمل إيران ودول الجوار الإقليمي لحوار أمني جاد يركز على وضع قواعد اشتباك بحرية واضحة، وآليات عملية لنزع التصعيد ومنع الحوادث، وأنظمة مراقبة مشتركة للملاحة، كإطار وقائي طويل الأمد يمنع تكرار الأزمات.

 

بهذه الخيارات الاستراتيجية الخمسة المتكاملة، يمكن للخليج تحويل لحظة الخطر الوجودي إلى فرصة تاريخية لإعادة هندسة أمنه الإقليمي بشكل جذري، والانتقال من منطق رد الفعل الدائم إلى منطق صناعة المسار الاستراتيجي المستقبلي.

 

إن اللحظة الراهنة التي تمر بها منطقة الخليج ليست مجرد أزمة عابرة في مسار التوترات الإقليمية المتكررة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدول الخليجية على تحويل التحدي الوجودي إلى فرصة استراتيجية لإعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي برؤية استباقية وناضجة.

 

فالوساطة القطرية–العُمانية، رغم كل التحديات والعقبات التي تعترض طريقها، تظل الأمل الأقرب لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة تدفع ثمنها أجيال قادمة، وهي تستحق الدعم السياسي واللوجستي الكامل من كل دول المجلس. وفي الوقت ذاته، فإن تبني الاستراتيجية الخماسية المقترحة ليس خياراً يمكن تأجيله لوقت أكثر هدوءاً، بل هو ضرورة ملحة تفرضها طبيعة التهديدات المتعددة الأوجه التي تواجه المنطقة، من الصواريخ الباليستية إلى الحرب السيبرانية إلى تهديدات الملاحة البحرية.

 

إن نجاح هذه الاستراتيجية مرهون بإرادة سياسية حقيقية تضع المصير الإقليمي المشترك فوق أي اعتبارات ثنائية أو خلافات جانبية، وبقناعة راسخة بأن الأمن الخليجي كُلّ لا يتجزأ، وأن ضعف أي حلقة في السلسلة يهدد الكل بالانهيار. وفي نهاية المطاف، فإن التاريخ لن يحكم على دول الخليج من خلال قدرتها على تجنّب الحرب فحسب، بل بحسب قدرتها على بناء سلام إقليمي دائم يقوم على التوازن الاستراتيجي والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وهو ما يتطلب شجاعة في اتخاذ القرارات الصعبة اليوم قبل أن تفرضها أحداث الغد.

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: حرب إيران
البلد: إيران

المؤلف

أكاديمي وباحث كويتي متخصص في شؤون الأمن الخليجي
أكاديمي وباحث كويتي متخصص في شؤون الأمن الخليجي، ويشغل منصب مدير مجموعة مراقبة الخليج. أستاذ منتدب وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت. له إسهامات وبحوث ودراسات عديدة ومقالات منشورة في الصحف الخليجية والعربية تتناول قضايا الأمن الإقليمي والدفاع واستراتيجيات الخليج.