نادراً ما تكون الانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة التي تختار فيها الأحزاب السياسية مرشحيها للانتخابات العامة بمثابة استفتاء على السياسة الخارجية للبلاد. غير أن دورة الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لعام 2026 جاءت مختلفة، إذ تحوّل عدد من دوائر الكونغرس إلى ساحات تنافسية حول قضايا السياسة الخارجية، من بينها العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، والإبادة الجماعية في غزة، ونشاط جماعات الضغط الأجنبية، بما يرفع من حدّة التنافس في انتخابات التجديد النصفي، المقرر عقدها في نوفمبر المقبل.
من اللافت في هذه الانتخابات أن تمويل الحملات لم يحقق النتائج التي كان يحققها سابقاً على الأرجح. فقد أنفقت شبكة واسعة من المنظمات وآليات التمويل المرتبطة بـ«لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية» (أيباك) عشرات الملايين من الدولارات خلال الانتخابات التمهيدية عبر «مشروع الديمقراطية المتحدة»، وهو عبارة عن لجنة عمل سياسي تابعة لها من نوع «سوبر باك»، تجمع من خلالها مبالغ دون سقف معين وتُنفقها في الانتخابات، شريطة ألا تُمنح هذه الأموال مباشرة للمرشحين.
ومع ذلك، لم يكن هذا التدفق المالي نحو السباق الانتخابي كافياً للحيلولة دون خسارة عدد من المرشحين المدعومين من «مشروع الديمقراطية المتحدة» أمام منافسين أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، أو أمام مرشحين آخرين دعوا إلى ربط الدعم الأمريكي لإسرائيل بشروط سياسية وإنسانية.
تتطلب قراءة هذه النتائج التأكيد على أن هذه المؤشرات لا تعني نهاية لهيمنة (أيباك) في الحياة السياسية الأمريكية، لأن هذه اللجنة ما زالت تمتلك أموالاً هائلة وقائمة واسعة من المانحين، ونفوذاً سياسياً كبيراً.
لعلّ القراءة الأدق تنطلق من حقيقة أن هذه القدرة المالية لم تعد تُترجم إلى فوز انتخابي شبه مضمون، وأن تأييد «أيباك» بدأ يتحوّل، في بعض الدوائر الديمقراطية، من ميزة إلى عبء انتخابي، إلى حدّ أن الخوف من الهزيمة دفع بعض المرشحين إلى مطالبة المجموعة علنًا بالتوقف عن دعمهم.
فقد جمع مشروع الديمقراطية المتحدة أكثر من مئة مليون دولار بين يناير 2025 و31 يوليو 2026، وفقاً للجنة الانتخابات الفيدرالية، فضلاً عن احتياطياته النقدية القائمة التي تُقدّر بعشرات الملايين. وهذا يوضح أن المشكلة ليست نقصاً في الموارد، بل تغيراً في البيئة السياسية التي تُوظف فيها هذه الأموال.
لقد دقّت هذه النتائج أجراس الإنذار لدى اللوبي المؤيد لإسرائيل في فبراير 2026 خلال الانتخابات الخاصة بالدائرة الحادية عشرة في نيوجيرسي، حين أنفقت الشبكة المرتبطة بـ«أيباك» ملايين الدولارات ضد النائب السابق توم مالينوفسكي بسبب مواقفه الداعية إلى ربط بعض المساعدات الأمريكية لإسرائيل بشروط. لكن الحملة جاءت بنتائج عكسية، إذ انتهى السباق بفوز أناليليا ميخيا، المرشحة الأكثر تقدمية وانتقاداً للسياسات الإسرائيلية. وفي إلينوي وحدها، أنفقت الشبكات المرتبطة بـ«أيباك» أكثر من 21 مليون دولار في عدد من الانتخابات التمهيدية، لكنها أخفقت في إيصال المرشحين المؤيدين لإسرائيل إلى الفوز، وهو سيناريو تكرر في نيويورك وكولورادو.
لا يمكن تفسير هذه النتائج بعامل واحد، فلكلّ سباق ظروفه وقضاياه الخاصة. لكن قاسماً مشتركاً برز بينها: أصبحت علاقة المرشحين باللوبي المؤيد لإسرائيل سلاحاً يمكن للخصوم استخدامه ضدهم.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك، السباق الانتخابي الذي شهدتهُ ميشيغان، حيثُ واجهت النائبة هايلي ستيفنز، مرشحة المؤسسة الديمقراطية التي تحظى بدعم واسع من القوى المؤيدة لإسرائيل، المرشح التقدّمي عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ الذي يُعدّ من أبرز منتقدي الحرب على غزة والداعين إلى تقليص المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل أو تقييدها.
على الرغم من التفاوت الهائل في حجم الإنفاق، حقق السيد الفوز، مستفيداً من تحويل المال السياسي نفسه إلى قضية انتخابية، مُستخدماً علاقة منافسته بـ(أيباك) لتوسيع النقاش من السياسات المتعلقة بإسرائيل إلى نقاش حيال نفوذ جماعات الضغط والمال في الحياة السياسية الأمريكية.
وهنا تكمن أخطر نقلة بالنسبة إلى اللوبي المؤيد لإسرائيل في أمريكا. فالسؤال لم يعد: كم تستطيع أيباك أن تنفق لضمان فوز مرشحيها؟ بل: هل بات الإنفاق المفرط نفسه يثير شكوك الناخب الأمريكي؟ وهذا لا يعني أنّ الشبكة تخسر كل معاركها. فهي ما زالت تحقق انتصارات انتخابية متفرقة، كما حدث في ميزوري وغيرها. لكن ما تغيّر، هو أن المال لم يعد وحده كافياً، فقد بات بعض المرشحين يخوضون حملات انتخابية مُصممة خصيصاً لمعارضة نفوذ هذه الجماعة.
غزّة وتحوّلات المزاج الانتخابي الأمريكي
تأتي غزّة في صميم السباق الانتخابي. فقد سرّعت حرب الإبادة الطويلة والمستمرة، وما رافقها من عشرات الآلاف من الشهداء، فضلاً عن الدمار وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التحوّل الجذري داخل القاعدة الديمقراطية، ولا سيّما بين الشباب والتقدميين. إذ يرى الجيل الجديد من الناخبين القضية الفلسطينية من زاويا مختلفة: كحقوق الإنسان، والاحتلال، والمساعدات العسكرية، ونفوذ المال السياسي.
ولهذا أصبح فصل ملف غزة عن الانتخابات الأمريكية أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق. وبعيداً عن حظوظ فوز لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) في دائرة انتخابية بعينها، تثير هذه الديناميكيات تساؤلاً حول ما إذا كانت ستفضي إلى تحول عام في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
من المرجح أن تدفع الضغوطات السياسية داخل الحزب الديمقراطي نحو توسيع دائرة النقاش حول الشروط المرتبطة بالمساعدات العسكرية لإسرائيل، وضرورة مساءلة حكومتها المتطرفة، ومستقبل «حل الدولتين». وقد لا يؤدي ذلك إلى تغيير فوري في السياسة الأمريكية، إلا أن استمرار الحزب الديمقراطي في تبنّي الدعم غير المشروط لإسرائيل سيصبح أكثر صعوبة، وسيحمّله كلفة سياسية أعلى.
يكتسب ذلك أهمية أكبر في ظل الحملات العسكرية الإسرائيلية المدمرة في سوريا ولبنان، والحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية. لقد بات من الصعب بشكل متزايد على الناخب الأمريكي تجاهل الروابط بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. فاللوبي المؤيد لإسرائيل لا ينشط فقط على مستوى التأثير في صناعة القرار المتعلق بالقضية الفلسطينية، بل لطالما دعا إلى انتهاج سياسة أمريكية متشددة تجاه إيران.
وفي ظلّ تراجع شعبية الحرب ضد الجمهورية الإسلامية على نطاق واسع، والاعتقاد السائد بأن إسرائيل ومؤيديها في الولايات المتحدة كانوا في صلب عملية اتخاذ قرار شنّ الحملة العسكرية، باتت أنشطة اللوبي على المستوى الانتخابي تخضع لمزيد من التدقيق.
لا شكّ أن أزمة هرمز أثبتت أن أي تصعيد بين واشنطن وطهران يمكن أن تمتد تداعياته سريعًا إلى الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن صعود تيار سياسي أمريكي أكثر تشككًا في جدوى الحروب المفتوحة، وأكثر إدراكًا لكلفة الانحياز غير المشروط لإسرائيل، قد يفتح مستقبلًا مساحة أوسع أمام الحلول الدبلوماسية.
وهذا بالغ الأهمية للخليج العربي، الذي لا يرغب في رؤية صراع مفتوح طويل الأمد بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، ولا في تحمّل كلفة المواجهة وما يترتب عليها من تهديدات للملاحة والطاقة والاستثمارات والاستقرار الاقتصادي.
إنّ تراجع نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في حسم بعض نتائج الانتخابات التمهيدية لا يعني تلقائياً تراجع نفوذها في الكونغرس، لكنه قد يغيّر تدريجياً حسابات الكلفة والعائد السياسي للمواقف المرتبطة بإسرائيل وإيران والحروب الإقليمية. ومع ذلك، لا تزال الهوة عميقة بين التحوّل في صناديق الاقتراع والتحوّل في السياسة الخارجية. فالحزب الجمهوري، الذي يسيطر في الوقت الراهن على البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس، ما زال متمسكاً بالدعم غير المشروط لإسرائيل، رغم أن قاعدته الشعبية تشهد أيضًا تحولًا ملحوظًا في مواقفها تجاه إسرائيل.
قد يستغرق أي تحوّل انتخابي داخل الحزب الديمقراطي سنوات قبل أن يترجم إلى سياسة خارجية مختلفة بصورة ملموسة. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار خسائر المرشحين المدعومين من (أيباك) ظاهرة عابرة، إذ تعكس بداية تحول في العلاقة بين المال والسياسة والرأي العام في الولايات المتحدة تجاه هذه القضايا.
بينما لا يزال اللوبي المؤيد لإسرائيل قوياً وقادراً على إنفاق عشرات الملايين من الدولارات لدعم مرشحيه المفضلين، فإنه يواجه أزمة ثقة كبيرة مع ناخب أمريكي بات أكثر استعداداً للسؤال: من يدفع؟ ولماذا؟ وإذا استمر هذا التوجّه خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، ثم الانتخابات الرئاسية في 2028، فقد تجدُ إسرائيل نفسها أمام واشنطن تتغير تدريجياً، فتصبح أقل استعداداً لتقديم الدعم غير المشروط، وأكثر استجابة للرأي العام، وأكثر اهتماماً بكلفة الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط.