أطلقت دولة قطر استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي منذ نحو خمس سنوات، في سياق توجه وطني جديد للاستفادة من الرقمنة العصرية في مختلف المجالات لا سيما التنموية وتقديم الخدمات العامة. وانطلاقاً من الدور الذي تؤديه المؤسسات الإعلامية ولا سيّما الصحافة المحلية كحلقة وصل بين مزودي الخدمة والجمهور، كان لا بُدّ أن يصل هذا التوجه إلى المجال الإعلامي، حيث أدرجت وكالة الأنباء القطرية تقنيات الذكاء الاصطناعي في العديد من برامجها التحريرية، والترجمة متعددة اللغات، وإنتاج الفيديوهات والمحتوى المرئي، وكذلك تطوير خدمات رقمية تفاعلية تُسهل وصول المستخدم إلى الأخبار، وإطلاق خدمة مساعد افتراضي ذكي داخل موقعها الإلكتروني وتطبيقاتها.
وفي أغسطس 2024، أعلنت الوكالة توسيع استخدامها لهذه البرامج بالتعاون مع شركة مايكروسوفت. ويعكس ذلك إدراكاً مبكراً للتحولات التي يشهدها القطاع الإعلامي في قطر، لكنه يضع المؤسسات الإعلامية في الوقت نفسه أمام مسؤولية تطوير قواعد مهنية تواكب سرعة التغيير التقني.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع تفريغ المقابلات الصوتية، وتلخيص الوثائق الطويلة، وترجمة المواد الإخبارية، ورصد اتجاهات الجمهور، وتحليل كميات كبيرة من البيانات في وقت قصير. ويمكن لهذه الوظائف أن تحرر الصحفي من جانب من الأعمال الروتينية، وتمنحه وقتاً أكبر للتحقق والتحليل والعمل الميداني.
لكن هذه المعادلة لا تتحقق تلقائياً. فقد تتحول السرعة، في غياب الضوابط، من ميزة تحريرية إلى مصدر للخطر. والمعلومة الخاطئة التي تُنشر فوراً قد تكون أشد ضرراً من المعلومة الصحيحة التي تتأخر دقائق إضافية، لأنها تصل إلى الجمهور أولاً وتترسخ في وعيه قبل أن يلحق بها التصحيح.
السرعة ليست بديلاً للتحقق
تمنح العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي المُحرر امتياز السرعة في إنجاز مهام يومية كانت تستنزف ساعات طويلة في بيئة العمل الصحفي مثال: تفريغ المقابلات الصوتية إلى نصوص مكتوبة، ورصد الأفكار التي تهمّ الجمهور وتوجهاته المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن رصد ومراجعة آلاف الوثائق في رحلة البحث عن المعلومة ذات الأهمية الخبرية، بالإضافة إلى ترجمة المواد الصادرة عن الوكالات العالمية والإذاعات والمراكز الإعلامية الدولية.
لكن قيمة السرعة مشروطة بصحتها، إذ تعمل أغلب النماذج التوليدية من الذكاء الاصطناعي، وفق منطق احتمالي، يتوقع الكلمة الأنسب في الزمان والمكان المناسبين، ولا يتحقق من صحة الواقعة المذكورة. وينتج عن ذلك ما يسميه الباحثون بمفهوم “الهلوسة”، وهو يعني إنتاج معلومات متماسكة الصياغة وغير صحيحة في الواقع، مثل اقتباس منسوب إلى شخصية لم تقله، أو بيانات إحصائية لا أساس لها، أو تصريح يُعزى إلى مسؤول لم يدلِ به.
وتزداد صعوبة المسألة عند التعامل مع اللغة العربية، فالمحتوى الرقمي العربي المتاح لتدريب النماذج أقل بنحو 63 مرة من الإنجليزية، و7 مرات من الفرنسية، و6 مرات من الصينية، ولأن تعدد اللهجات باللغة العربية وتباين طرق كتابة ومرادفاتها في الترجمة يُعزز إمكانية الوقوع في الخطأ على نطاق أوسع في الأعلام والأماكن والمصطلحات، وهي أخطاء تظهر على أنها بسيطة في الأسلوب لكنها تنال من مصداقية المنصة الصحفية ومكانتها.
في المقابل، وفّرت هذه التحديات فرصة للمؤسسات البحثية القطرية للإسهام في تطوير نماذج أكثر قدرة على فهم العربية وسياقاتها المحلية. وقد طوّر معهد قطر لبحوث الحوسبة أدوات ومنصات للذكاء الاصطناعي متخصصة في تقنيات اللغة العربية، وباتت تُستخدم اليوم لدى مؤسسات إعلامية عالمية مرموقة من بينها شبكة «بي بي سي» وقناة «الجزيرة».
كذلك، اختبرت الأحداث العالمية الكبرى التي استضافتها دولة قطر والعالم، قدرات الصحافة في قطر في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى السرعة في انتشار الأخبار المضللة، وفي مقدّمتها ما شهدته بطولة كأس العالم فيفا قطر 2022، من حملات ممنهجة استهدفت تنظيم البطولة في الدوحة، عبر تدفق غير مسبوق من المعلومات بلغات مختلفة. وهنا يبقى السؤال الحاسم: من أين جاءت هذه المعلومة، ومن يتحمل مسؤوليتها؟
مواجهة تقنيات التزييف العميق
لا تقتصر المخاطر على السرعة في انتشار المعلومة. فتقنيات التزييف العميق تستهدف الحواس التي اعتاد الرأي العام الاعتماد عليها بوصفها دليلاً: أن يرى الحدث أو يسمع صاحبه. فالصوت المستنسخ والمقطع المرئي الذي يتم توليده بالذكاء الاصطناعي يمنحان الكذبة شكل الشهادة المباشرة، ويُجردان المتلقي من أدواته التقليدية في التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع.
وفي هذا الإطار، تحمل التجربة القطرية درساً مهماً في هذا المجال. ففي مايو 2017 أُخترق موقع وكالة الأنباء القطرية ونُشرت عليه تصريحات مفبركة، أسهمت في تفجير أزمة سياسية إقليمية حادة، ما يُشير إلى قدرة الخبر المزور على إحداث أثره قبل أن يتم نفيه. وإذا كان اختراق نصي قد أحدث ذلك الأثر، فإنّ المحتوى المصطنع الذي يجمع الصوت والصورة يمكن أن يكون أكثر خطورة وإقناعاً. وقد تمتد تداعياته إلى المجال السياسي والاقتصادي والأمني.
ويُشير الأخصائيون في هذا المجال إلى تأثير التحوّلات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر على سلوك الجمهور الرقمي، حيث أصبح التركيز أكثر نحو المحتوى القادر على جذب الانتباه وتحقيق التفاعل، بدلاً من المحتوى القائم فقط على نقل الحقائق والمعلومات. ما يضع المؤسسات الإعلامية أمام تحدٍ متزايد مع ظاهرة باتت تُعرف بـ«البحث دون نقر» حيث يكتفي المستخدم بالملخصات التي تقدّمها محركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي دون الدخول إلى المواقع الإخبارية نفسها للتحقق أو قراءة التفاصيل.
لذا، ينبغي على غرف الأخبار تبنّي آليات التطوير لديها لكشف الصور والمقاطع المصطنعة أو المعدلة، وذلك من خلال مراجعة البيانات الوصفية للملفات، وتتبع مصدرها، ومقارنتها بمصادر مستقلة.
يضاف إلى ذلك التحيز الكامن في بيانات التدريب، حيث ترث النماذج المولدة بالذكاء الاصطناعي ما في موادها الأصلية من انحيازات في تصوير القضايا والجماعات، وتعيد إنتاجها في صياغة تبدو محايدة في ظاهرها.
وفي هذا السياق، يحذر تقرير للمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا من أن «النموذج المدرَّب على بيانات متحيزة وخاطئة قد يؤدي إلى تنبؤات متحيزة وغير دقيقة». تزداد خطورة هذه المسألة في صحافة تخاطب جمهوراً متنوعاً من جنسيات مختلفة، وتتناول قضايا إقليمية حساسة يتوقف فيها المعنى على اختيار المفردة.
ويمكن في هذا المجال الاستفادة من مبادرة تحالف المصدر والموثوقية للمحتوى، وهي مبادرة تقنية مفتوحة تهدف إلى وضع معايير تساعد على إثبات مصدر المحتوى الرقمي وتاريخه، من خلال إرفاق معلومات موثقة توضح كيفية إنشاء الصورة أو المقطع والتعديلات التي أُجريت عليه.
يُضاف إلى ذلك، أهمية المسؤولية المهنية بأوضح صورة عند وقوع الخطأ، فالمؤسسة الصحفية تبقى مسؤولة أمام القانون والجمهور عن كل ما يمكن نشره، سواء كتبه محرر أم ولّده نموذج، ولا يصح الاحتجاج بالأداة تبريراً للخطأ.
يقتضي ذلك ثلاثة التزامات متلازمة: الإفصاح أولاً، لأن من حق القارئ أن يعرف متى استُخدمت الأداة في إنتاج المادة، وبخاصة في النصوص والصور والرسوم المولدة. والثاني الإشراف البشري، فلا يمكن أن تُنشر مادة صدرت عن نموذج قبل أن يراجعها محرر مسؤول لديه اطلاع على الموضوع.
والثالث حماية المعلومات، فإدخال وثائق سرية أو بيانات مصادر صحفية في منصات تجارية خارجية يعرض سرية أي مصدر للخطر، وهي أمر مهم لبناء الثقة بين الصحفي ومصادر أخباره. وتضاف إلى ذلك مسألة الملكية الفكرية، فقد استندت بعض النماذج إلى مواد صحفية منشورة دون إذن أصحابها، وهذا يستوجب حذراً في نقل المخرجات وإعادة نشرها.
من استخدام الأدوات إلى حوكمتها
لا تحتاج الصحافة القطرية إلى الدخول في سباق غير منضبط نحو استخدام مزيد من أدوات الذكاء الاصطناعي، بقدر حاجتها إلى إطار واضح لحوكمة استخدامها. ويتطلب بناء هذه الحوكمة عملاً مؤسسياً منتظماً يتجاوز الاجتهادات الفردية، ويمكن تلخيصه في خمسة مسارات: ينطلق المسار الأول بسياسة تحريرية مكتوبة تُحدد المهام التي يجوز إسنادها إلى الأدوات، كالتفريغ والترجمة الأولية وتلخيص الوثائق، وتلك التي تبقى حكراً على الصحفي، كتقدير القيمة الإخبارية وتقييم مصادر المعلومات وصياغة الاتهامات.
ويرتكز المسار الثاني على التدريب، فغرف الأخبار تحتاج إلى صحفيين يفهمون طريقة إعداد النماذج، وتضطلع بهذا الدور جهات معنية بتطوير المهارات ودمج تخصص الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل الإعلامي، مثل معهد الجزيرة للإعلام، وكلية الإعلام في جامعة قطر، وجامعة نورثويسترن في قطر وغيرها من الجهات المعنية.
وهناك المسار الثالث المرتبط بوحدات متخصصة للتحقق، التي تجمع بين مهارة المحقق الصحفي ودقة التحليل الجنائي الرقمي. فيما يكمن المسار الرابع بالشراكة مع الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث التخصصية لتطوير أدوات توازن الخصوصية اللغوية والثقافية للعربية والخليج، واختبار دقتها على أساس معايير واضحة. ويبقى المسار الخامس في تحقيق الشفافية مع الجمهور وتنمية وعيه الإعلامي، لأن التصدي للمحتوى المفبرك لا يتحقق بالأدوات التقنية وحدها. وكلما فهم القارئ عملية إنتاج المحتوى الرقمي والسُبل المتوفرة للتحقق من المصدر، أصبحت قدرته أكبر على مقاومة التضليل أكبر، خصوصاً في ظل السرديات المتنافسة التي تشهدها المنطقة اليوم، والحملات التي تستهدف قطر مؤخراً.
أزمة الورق وتحدّي المصداقية
يأتي الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في وقت تواجه فيه الصحافة المطبوعة ضغوطاً اقتصادية وتراجعاً في التوزيع على مستوى العالم وتوجه المؤسسات الإعلامية إلى المنصات الرقمية فيما بات يُعرف بـ«معركة البقاء». تلتقي هذه المقاربة مع ما يطرحه باحثون في مجال الاتصال السياسي، حول مستقبل الصحافة الورقية وقدرتها على الاستمرار.
وهنا نذكر على سبيل المثال صحيفة الرياض التي أغلقت مطابعها في أغسطس الماضي، وهذا لا يعني بالضرورة تراجع دورها وتأثيرها، خاصة إذا استطاعت توجيه مواردها إلى تطوير المحتوى الرقمي. فالقيمة الأساسية للمؤسسة الصحفية تكمن في ما بنته عبر سنوات من العمل، واكتساب ثقة القراء والمؤسسات ذات النفع العام. وقد يكون ذلك مؤشراً على ضرورة تبني الصحافة الورقية ثقافة الحضور الرقمي على نطاق أوسع لتكون أكثر قدرة على التأثير. غير أن التحول الرقمي لا يعني التخلي عن الوظيفة التي منحت الصحافة قيمتها التاريخية: التحقق من المعلومات ووضعها في سياق مفهوم.
وعليه، فإن مستقبل الصحافة القطرية لن تحدده التقنية بمفردها، بل القواعد التي تضبط استخدامها. وإذا استطاعت المؤسسات الإعلامية الجمع بين الابتكار والتحقق والشفافية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز حضورها وقدرتها على الوصول والتحليل. أما إذا قُدّمت السرعة على المصداقية، فقد تتحول الأدوات الجديدة إلى عامل يبدد الثقة التي بُنيت عبر عقود.