فرق هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية تنضم إلى عمليات البحث والإنقاذ لإنقاذ الأرواح في أعقاب الفيضانات المدمّرة في ليبيا في 13 سبتمبر 2023. (وكالة الأناضول / وكالة الأناضول عبر وكالة فرانس برس)

تركيا تبني على إغاثة درنة للمصالحة مع شرق ليبيا

بعد أن كانت تركيا في منافسة مع جهات خارجيّة على النفوذ في ليبيا، ها هي الآن تتبنّى مقاربة شاملة تنخرط فيها جهات فاعلة أخرى متنافسة في ليبيا. هل ستنجح هذه المقاربة؟

5 أكتوبر، 2023
علي بن موسى

عندما مزّقت الفيضانات الكارثيّة وانهيار سدَّين مدينة درنة بشرق ليبيا في 10 سبتمبر الماضي، سارعت تركيا إلى الاستجابة، وأعلنت وزارة الدفاع التركية عن إرسال سفينتين حربيتين إلى ليبيا تحملان طاقماً من 360 فرداً، من بينهم أعضاء في هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية (AFAD)، وجمعية البحث والإنقاذ (AKUT)، ووزارة الصحّة، وخفر السواحل وإدارة الإطفاء. وأرسلت أيضاً نحو 122 مركبة، بينها سيّارات إسعاف ومركبات إنقاذ وتدخُّل، بالإضافة إلى ثلاثة مستشفيات ميدانية وأغدية وخيم ومستلزمات طبيّة.

 

تعهَّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بـ«ضمان تضميد جراح ليبيا بأقرب وقتٍ». وفي خطوةٍ ملحوظةٍ، وبالنظر إلى تاريخ أنقرة الحديث في الدولة الشمال أفريقية المقسّمة، زار السفير كنان يلماز درنة مع أسامة حماد، رئيس الحكومة المعيّن من مجلس النوَاب في شرق ليبيا، الذي أشاد بعمل فرق الإنقاذ التركيّة.

 

وسجّلت هذه التحرّكات تناقضاً واضحاً مع الوضع قبل ثلاث سنوات ونصف السنة، عندما ساهم الدعم العسكري التركي لقوّات غرب ليبيا في قلب الموازين ضدّ هجومٍ شرقي شُنّ على العاصمة طرابلس. وجّهت طائرات بيرقدار التركيّة من دون طيّار ضربات حاسمة قضت على طموحات القائد العسكري خليفة حفتر ، ولو أنّ قوّاته لا تزال تُهيمن على شرق البلاد، بما في ذلك درنة.

 

ومن أجل تفسير هذا التحوّل الزلزالي، يجب النظر إلى جهود المساعدة السريعة التي تبذلها تركيا وتواصلها مع المنطقة الشرقيّة من منظور هدفيها الإستراتيجيين على المدى الطويل في ليبيا. الأوّل هو الحفاظ على النفوذ التركي في شمال أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسِّط، حيث تتنافس على موارد النفط والغاز مع منافسيها الإقليميين، ولاسيّما اليونان. والهدف الثاني اقتصادي بحت: تريد تركيا زيادة صادراتها إلى ليبيا وزيادة حجم الاستثمار بين البلدين، خصوصاً في قطاعيْ الطاقة والبناء.

 

التقارب مع الشرق

ضربت كارثة درنة بلداً مزّقته الانقسامات السياسيّة العميقة حيث تتنافس سلطتان على الحكم منذ العام 2014. ويخضع شرق البلاد وجنوبها لسيطرة حكومة يعيِّنها مجلس النوّاب، لكن يحكمها حفتر وأبناؤه بحكم الأمر الواقع. أمّا المنطقة الغربيّة، فتسيطر عليها حكومة رئيس الوزراء، عبد الحميد الدبيبة، المؤقّتة والمُعترف بها دولياً ومقرّها طرابلس، بدعمٍ من كتائب مسلَّحة مُتعدِّدة. دعمت الإمارات العربيّة المتّحدة ومصر وروسيا حفتر والسلطات في شرق البلاد إلى حدٍّ كبير، في حين تدعم تركيا وبشكلٍ غير مباشر قطر المعسكر الغربي.

 

لم يكن دعم أنقرة الحاسم لقوّات غرب ليبيا في العام 2019 مجّانياً: وقّعت حكومة الوفاق الوطني، آنذاك، اتفاقاً لترسيم الحدود البحريّة بين تركيا وليبيا، وأعطت تركيا حقوقاً في حقول الغاز البحريّة الرئيسة على حساب قبرص واليونان. وبعد تولي الدبيبة السلطة في العام 2021، زار أنقرة وأكّد مجدّداً التزام حكومته بالاتفاق.

 

لكن في الآونة الأخيرة، أبدت أنقرة استعدادها لبناء علاقات وثيقة مع السلطات في شرق ليبيا. وتُعدّ جهود تركيا الإغاثيّة في درنة مثالاً على ذلك، بحيث أمدّتها بفرصة دبلوماسيّة لتوسيع نطاق التقارب هناك. في الواقع، لقد اتّخذت أنقرة خطوات في هذا الاتجاه قبل وقتٍ طويلٍ من وقوع الكارثة. وشهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من التفاعلات بين تركيا وسلطات شرق ليبيا: زار رئيس مجلس النوّاب المنطقة الشرقيّة، عقيلة صالح، تركيا في أغسطس 2022، واجتمع مع أردوغان ورئيس البرلمان التركي مصطفى سنتوب. كما حضر السفير يلماز حفل تنصيب رئيس بلدية بنغازي صقر بوجواري، ونظَّم مجلس الأعمال الليبي التركي معرضاً تجارياً في بنغازي للمرّة الأولى منذ ثورة العام 2011، واستقطب 38 شركة تركية و64 مديراً تنفيذياً تركياً من مختلف القطاعات.

 

والجدير بالذكر أيضاً أن هذه التطوّرات تأتي فيما تعمل تركيا على إصلاح علاقاتها مع أبرز منافسيها الإقليميين، ولا سيّما مصر والمملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة. لطالما صبَّت القضية الليبيّة في صلب محادثات المصالحة التركيّة مع هذه الدول. تبنّت أنقرة سياسة إقليميّة أوسع من أجل بناء الجسور مدفوعة بالضرورات الاقتصاديّة، وتقليص تأثير الولايات المتّحدة في المنطقة، والجمود في الصراعات الإقليميّة في أعقاب الربيع العربي.

 

قد يحفِّز التقدّم المُحرَز في جهود المصالحة السلطات التركيّة وتلك في شرق ليبيا للحفاظ على تعاونها، خصوصاً في ضوء مصالح تركيا الاقتصاديّة. على الرغم من تورّط شركة تركيّة مُنحلّة في فشل صيانة السدود عند منبع درنة، هناك احتمال أن تؤدّي الشركات التركيّة دوراً رئيساً في إعادة بناء المدن المُتضرِّرة في شرق ليبيا.

 

تدرك أنقرة، من جانبها، أنّ أي جهد للتعامل مع السلطات في شرق ليبيا يجب أن يأخذ في الاعتبار مصالح مصر المجاورة، إذ تحرص القاهرة على الحفاظ على نفوذها في شرق ليبيا بسبب المخاوف المتعلِّقة بأمنها القومي ومشاريعها الاقتصاديّة. فضلاً عن ذلك، تواصل مصر المطالبة بانسحاب القوّات العسكريّة التركيّة ومرتزقتها السوريين من ليبيا. في المقابل، تدرك القاهرة أنّ توسيع نفوذها في غرب ليبيا سوف يتطلَّب موافقة أنقرة، وهو أمر مستبعد في المدى المنظور، ما يترك الجانبين أمام طريق مسدود.

 

وتُعدُّ روسيا أيضاً طرفاً رئيساً في ليبيا، إذ تدعم عدداً من الجهات الفاعلة المحلّية، بما في ذلك سيف الإسلام القذافي، نجل الدكتاتور المخلوع معمَّر القذافي. كما تواصل دعم حفتر، الذي التقى بالرئيس فلاديمير بوتين في خلال زيارته إلى موسكو في أواخر سبتمبر الماضي.

 

يعتمد حفتر بشكلٍ كبيرٍ على مجموعة فاغنر، التي تستخدمها روسيا للسيطرة على أجزاء كبيرة من شرق ليبيا وجنوبها، بما فيها منشآت النفط الإستراتيجيّة والمناطق الحدوديّة مع الدول الأفريقيّة المجاورة. وتبيِّن الزيارات المُتكرِّرة لنائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف إلى ليبيا تصميم موسكو على الحفاظ على قوّات فاغنر في ليبيا وجميع أنحاء أفريقيا، لا سيّما في أعقاب مقتل رئيس المجموعة السابق يفغيني بريغوجين.

 

مع ذلك، من المرجّح أن يزيد تعامل أنقرة مع السلطات في شرق ليبيا، إلى جانب التحالف الإستراتيجي بين تركيا والسلطات في غرب ليبيا. التطبيع الكامل على المدى القريب غير مُحتمل، ويعود ذلك أساساً إلى انعدام الثقة المتبادل والعميق بين أنقرة وحفتر. مع ذلك، قد تعزِّز الخطوات نحو المصالحة قدرة تركيا على بسط نفوذها في جميع أنحاء ليبيا، خصوصاً بالنظر إلى الاستقبال الإيجابي لجهود الإغاثة التركيّة من سلطات شرق ليبيا، واحتمال المشاركة التركيّة في إعادة إعمار درنة وغيرها من المدن المتضرِّرة. إنّ قطاع البناء المتطوِّر في تركيا يمنحها ميزة لا تمتلكها العديد من الدول الإقليميَّة المنخرطة في الأزمة الليبيّة. وإذا استمرّت أنقرة في إصلاح علاقاتها مع القاهرة وأبو ظبي، فقد يدفع ذلك قادة ليبيا إلى التغلُّب على الجمود السياسي الذي يشلّ البلاد منذ وقت طويل.

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: الحرب الأهلية، العلاقات الإقليمية
البلد: تركيا، ليبيا

المؤلف

زميل زائر مبتدئ
علي بن موسى هو زميل زائر مبتدئ في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. تخرّج مؤخراً من معهد الدوحة للدراسات العليا في قطر، حاملاً شهادة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.   تشتمل مواضيع بحثه على الانتقال الديمقراطي، وبناء الدولة، والتاريخ السياسي والسياسات الخارجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.   وكان سابقاً باحثاً مساعداً في… Continue reading تركيا تبني على إغاثة درنة للمصالحة مع شرق ليبيا