نشرت مجلة فورين أفيرز في عدد سبتمبر/أكتوبر 2026، مقالتين تطرحان قراءتين لمستقبل المنطقة: «نهاية الشرق الأوسط الأمريكي» لمارك لينش، و«الشرق الأوسط القديم الجديد» غريغوري غاوس الثالث. تثير المقارنة بين هاتين القراءتين سؤالًا يتجاوز نتائج المواجهات العسكرية الراهنة، هو: هل انتهى فعلًا النظام الإقليمي الذي حكم الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة؟ وإذا انتهى، فما الذي سيأتي بعده؟
يرى لينش، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، ومدير مشروع دراسات الشرق الأوسط السياسية، أنّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كشفت أزمة النظام الذي رعته واشنطن في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة، وحدود اعتماده على التفوق العسكري واحتواء الخصوم وترتيبات الحماية الأمنية، ومحاولة جمع حلفاء واشنطن العرب وإسرائيل في إطار أمني واحد. أما غريغوري غاوس، أستاذ العلاقات الدولية، وأحد المتخصصين في شؤون الخليج والجزيرة العربية، فيقدم قراءة أكثر حذرًا، فهو لا ينكر حجم التحولات التي أحدثتها الحرب، لكنه يحذر من التسرع في الحديث عن ميلاد شرق أوسط جديد.
فالحروب قد تغيّر الموازين، لكنها لا تصنع بالضرورة نظامًا جديدًا، وبالتالي قد تعود المنطقة إلى كثير من منطقها القديم، القائم على الصراع المفتوح، وتوازن القوى، والتدخل الخارجي، وضعف الترتيبات الجماعية. هنا تكمن أهمية القراءتين معًا. فلينش يكتب عن نهاية صيغة للنظام الإقليمي، بينما يشدّد غاوس على استمرار أنماط التنافس التي حكمت المنطقة. وتطرح المقارنة بينهما احتمال أن يتراجع النظام القائم من دون أن تتبلور ترتيبات بديلة أكثر استقرارًا.
نهاية المظلة لا تعني نهاية القوة
استندت العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج إلى افتراض أن الحضور العسكري يعزّز الردع ويوفّر الحماية عند الضرورة. لكن عندما تصبح القواعد نفسها أهدافًا، ويصل الصراع إلى المنشآت والمطارات والطاقة، وتتعرض الملاحة لأخطار لا تستطيع تلك الحماية ضمان إزالتها سريعًا، فإن السؤال لا يعود عن حجم الوجود الأمريكي، بل عن فاعليته. وهذا ما يجعل مقاربة لينش مهمة، حيث إنّ تراجع أي نظام لا يبدأ بالضرورة بخروج القوة المسيطرة منه، بل قد يبدأ حين تتراجع قدرتها على الالتزام بالوظيفة التي بررت وجودها أصلًا.
تكتسب هذه المسألة دلالة إضافية في ضوء تصريح وزير الدفاع الأمريكي السابق لويد أوستن، الذي حذّر من الاعتقاد بأن للصراع مع إيران مخرجًا سهلًا، مشيرًا إلى أن الطرفين يعتقدان أنهما قادران على الصمود أكثر من الآخر، وأن إنهاء المواجهة يتطلب دبلوماسية خبيرة. يطرح هذا التصريح إشكالية حدود الحسم العسكري، وإمكان إطالة الخصم أمد الصراع ورفع كلفته. فالطائرات المسيّرة والصواريخ قد تفرض تحديات على منظومات دفاعية متقدمة، فيما يمكن لتعطّل ممر بحري أن يؤثر في الطاقة والتجارة والاستثمار في وقت واحد. لذا تزداد أهمية إدراك دول المنطقة أنّ الحماية لا تتعلق فقط بمدى استعداد واشنطن للدفاع عن حلفائها، بل بمدى قدرة دول المنطقة نفسها على الدفاع عن بنيتها التحتية، وتطوير بدائل الإمداد، وتعزيز القدرة على الاستجابة السريعة إذا طال الصراع، أو تباينت الأولويات، أو تأخر الدعم الخارجي.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة أطروحة لينش حول «نهاية الشرق الأوسط الأمريكي» بوصفها نقاشًا حول استدامة صيغة الهيمنة الأمريكية، دون افتراض اختفاء الدور الأمريكي نفسه. فواشنطن لا تزال لاعبًا لا يمكن تجاوزه، لكن قدرتها على صياغة قواعد النظام الإقليمي وفرضها تواجه قيودًا متزايدة. والمطروح هنا هو مستقبل الصيغة التي أدارت بها الولايات المتحدة علاقاتها وتحالفاتها في المنطقة.
شرق أوسط جديد أم قديم يتجدد؟
تساعد قراءة غاوس على تجنّب الربط التلقائي بين حجم الأحداث وولادة نظام إقليمي جديد. فقد تعيد الحروب توزيع القدرات والنفوذ، من دون أن تنشئ مؤسسات قادرة على إدارة التنافس أو منع تكرار الصراع. فقد شهدت المنطقة بالفعل تحولات واسعة، سواء من خلال المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل، واستهداف دول الخليج، والتحوّلات في لبنان وسوريا وغزة، وارتباك شبكة التحالفات.
لكن غاوس ينطلق من إشكالية تستحق البحث، وهي أنّ كل تحول كبير ليس بالضرورة أن ينتج عنه نظاماً جديداً. فالمشرق العربي عرف قبل ذلك حروبًا كبرى وانقلابات وثورات وسقوط أنظمة وقيام أخرى، لكنه ظل يعود في كل مرة تقريبًا إلى أزماته الأساسية المتمثلة في غياب منظومة أمن جماعي، والتنافس بين القوى الإقليمية، والتدخل الخارجي، وتقديم الأمن الوطني الضيق على المصلحة الإقليمية المشتركة. ومن ثمّ، فإن تغيّر موازين القوى لا يكفي وحده للحكم على نشوء نظام جديد، ما لم تصاحبه ترتيبات تحدّ من التدخل في الدول الهشّة، وتطوّر آليات إدارة الخلافات، وتزيد قدرة دول المنطقة على منع انتقال الصراعات عبر الحدود.
معضلة البديل الأمني لدول المنطقة
ما بين لينش وغاوس، ينبغي على الدول العربية أن تعمل على تحويل ما تملكه من موارد وقدرات إلى فعل جماعي يحمي مصالحها، وأن تعمل دول الخليج على استخلاص دروس التجارب التاريخية التي حوّل فيها الانقسام موازين القوة، قبل أن يحدّ التشتت من قدرتها على التأثير في مستقبل المنطقة. فعند تحوّل موازين القوى، على كل منظومة إقليمية أن تسأل نفسها: ما الذي يوحدنا؟ وما الذي نحميه؟ ومن الذي يحميه؟ ولا يمكن أن تبقى الإجابة مرتبطة بقوة خارجية تفعل ذلك بالنيابة عنّا.
فدول الخليج تمرّ اليوم بمرحلة دقيقة في علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من الشكوك بشأن موثوقية الضمانات الأمريكية، يرى غاوس أن دول الخليج لا تملك بديلًا أمنيًا جاهزًا يمكن أن تتجه إليه، وأن الصين لم تُظهر رغبة في الاضطلاع بدور الضامن الأمني، كما تفتقر إلى قدرات إسقاط القوة اللازمة لأدائه. وتضع هذه المعادلة دول الخليج أمام تحدّي الحفاظ على شراكتها مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الذاتية وتعاونها الأمني، في ظلّ إعادة تقييم الالتزامات الأمريكية وحدود فاعليتها في المنطقة.
لذا، من المهم ألّا يكون الاستنتاج العربي هو البحث عن «أمريكا أخرى»، بل السؤال عن كيفية بناء قدرة عربية أكبر. ويمكن، في هذا السياق، مناقشة مقترح اتحاد كونفدرالي خليجي، مع تحديد صلاحياته وآليات اتخاذ القرار فيه والالتزامات التي يفرضها على الدول الأعضاء، ومدى قدرته على حماية المصالح الخليجية والعربية.
تتمثل الأولوية الأولى في تطوير تقييم مشترك للتهديدات. فتبادل المعلومات والإنذار المبكر يساعدان على تقليص الفجوة بين رصد الخطر واتخاذ القرار. وتزداد فاعلية هذا التعاون عندما يستند إلى إجراءات واضحة ومسؤوليات محددة وتدريبات دورية. فالمنطقة العربية لديها موارد مالية وطاقة وموقع جغرافي وأسواق ذات إمكانات استثمارية وقدرات بشرية، لكنها تحتاج إلى ترجمة ذلك إلى قوة منظمة.
لا شكّ أن العالم العربي يملك أن يكون طرفًا مؤثرًا في أمن الممرات البحرية، والغذاء والطاقة والتقنية، وسلاسل الإمداد، والاستثمار، والدفاع. لكنه لن يصبح كذلك إذا ما استمرت السياسات تُبنى على أساس التنافس بين الساحات، وعليه فإنّ المطلوب العمل على بناء حد أدنى من الوعي العربي المشترك بالمصالح والمخاطر المحدقة بالمنطقة. وربما يكون هذا هو الدرس الذي يمكن استخلاصه من المقارنة بين المقالين: لا أحد سيصنع للمنطقة النظام الذي نحتاجه.
فالولايات المتحدة تضع مصالحها أولًا، وإسرائيل تعمل على مشروعها التوسعي، وإيران تقاتل من أجل نفوذها وأمنها، وتركيا تدور في فلك مصالحها. وتواجه الدول العربية والخليجية، بدورها، اختبار قدرتها على حماية مصالحها والتأثير في الترتيبات الإقليمية المقبلة.
الخليج أمام اختبار البقاء
إن أخطر ما تواجهه دول الخليج اليوم ليس تعدد جبهات الاستهداف فحسب، بل احتمال أن تتعرض كل دولة للاستنزاف على حدة، فيما تظل الاستجابة الجماعية دون مستوى التحدي. فالمعارك المتصاعدة في اليمن والضربات التي طالت منشآت سعودية حيوية ومطاراتها والتهديدات التي طالت النفط والتجارة والملاحة، بالتزامن مع أزمة مضيق هرمز، تكشف أن أمن الخليج لم يعد مسألة حدود أو دفاع عسكري فحسب، بل معركة على استقرار اقتصاده وموقعه في شبكة الطاقة والتجارة العالمية.
في موازاة ذلك، تفرض التهديدات الخارجية على دول المجلس أن تعيد تقييم قدرتها على إدارة أزماتها، وألّا تسمح للتباينات والأزمات المتفرقة بأن تتحول إلى مسار لاستنزاف استراتيجي يصعب احتواؤه. فالخليج لا يحتاج إلى تطابق سياسات دُوله بقدر حاجته إلى حد أدنى مُلزم من التنسيق الدفاعي، وحماية المنشآت الحيوية، وتأمين الممرات البحرية، وإدارة الخلافات بالحوار؛ لأن كلفة غياب هذا الحد الأدنى قد تتجاوز قدرة أي دولة على تحمّلها منفردة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث عند تراجع نظام إقليمي ليس الفوضى وحدها، بل أن تأتي قوى أخرى لترسم ملامح النظام التالي، بينما تكتفي دول المنطقة بإبداء الرأي دون المشاركة الفاعلة. وتطرح قراءة لينش احتمال تراجع فاعلية النظام الذي رعته الولايات المتحدة، فيما تنبّه قراءة غاوس إلى أن التحولات العسكرية والسياسية لا تعني بالضرورة تجاوز أنماط التنافس القديمة.
لكن بين تراجع بعض الترتيبات القائمة وعدم اكتمال ملامح البديل توجد فرصة يستطيع فيها العرب أن ينتقلوا من موقع التلقي إلى موقع المشاركة، ومن البحث عن الضمانات إلى بناء جزء من الضمانات، ومن انتظار الهندسة الإقليمية إلى المساهمة في رسمها. وربما يكون السؤال الحقيقي في هذه المرحلة المفصلية: إلى متى تؤجّل الدول العربية تحويل ما تملكه من موارد وقدرات إلى فعل جماعي يحمي مصالحها؟ وهل تستخلص دول الخليج دروس التجارب التاريخية التي حوّل فيها الانقسام موازين القوة، قبل أن يحدّ التشتت من قدرتها على التأثير في مستقبل المنطقة؟