24 يونيو 2026. (تصوير: إريك لي / بول / وكالة فرانس برس)

المعضلة الأمريكية في الشرق الأوسط

تبدو واشنطن عالقة بين رغبتها في الانسحاب من الشرق الأوسط وحاجتها المستمرة إلى البقاء فيه. فكلّما حاولت نقل ثقلها إلى آسيا، اختبرتها المنطقة مُجددًا في قوّتها ونفوذها.

6 أكتوبر، 2026
خالد الجابر

منذ أكثر من عقد، تدور السياسة الخارجية الأمريكية في حلقة مفرغة تجاه الشرق الأوسط. فكل إدارة تصل إلى البيت الأبيض تعلن، بصيغة أو بأخرى، أنّ الأولوية لم تعد لهذه المنطقة، وأنّ المستقبل يكمن في آسيا والمحيطين الهندي والهادئ، حيث المنافسة الكبرى مع الصين، والثورة التكنولوجية، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات.

 

لكن ما إن تندلع أزمة جديدة في الخليج، أو حرب في غزة، أو مواجهة مع إيران، أو حلفائها، حتى تجد واشنطن نفسها تعود إلى المنطقة بقواتها وحاملات طائراتها ودبلوماسييها. إنها مفارقة تختصر معضلة القوة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين: الشرق الأوسط لم يعد أهمّ الأقاليم بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لكنه لا يزال من أكثرها قدرة على استنزافها.

 

الإشكالية لا تكمن في غياب وضوح الرؤية لدى واشنطن بشأن ما تريده. على العكس من ذلك، فهي تُدرك جيداً أهدافها؛ فهي تريد تقليص وجودها العسكري، وإنهاء عصر الحروب الطويلة، ونقل المزيد من مواردها نحو المنافسة الكبرى في آسيا.

 

لكنها تكتشف في كل مرة أن الإرادة السياسية للمغادرة شيء، والقدرة على المغادرة شيء آخر. فما إن تهتزّ أسواق الطاقة، أو تتعرض إسرائيل لتهديد كبير، أو تتعطل الملاحة في مضيق هرمز أو البحر الأحمر، حتى تسقط نظريات الانسحاب أمام ضرورات القوة. ويتحوّل الشرق الأوسط من أولوية استراتيجية إلى مأزق استراتيجي. فواشنطن لا تستطيع أن تربح الكثير من البقاء فيه، لكنها قد تخسر الكثير إذا غادرته.

 

 

مأزق الانسحاب واستمرار النفوذ

 

يعود هذا التناقض إلى طبيعة القوة الأمريكية نفسها، وليس إلى طبيعة الشرق الأوسط فحسب؛ فالسياسة الخارجية الأمريكية لا تُصاغ فقط وفق اعتبارات الأمن القومي بالمعنى التقليدي، بل تتأثر كذلك بتفاعلات داخلية معقدة تشمل: المصالح الاقتصادية، والكونغرس، والانتخابات، وجماعات الضغط، والشركات الكبرى، والمؤسسة العسكرية، والتحالفات الدولية، والتيارات الأيديولوجية والدينية. ولذلك، فإن الانسحاب من الشرق الأوسط ليس قراراً عسكرياً يمكن للبنتاغون تنفيذه ببساطة، بل عملية سياسية واقتصادية واستراتيجية شديدة التعقيد.

 

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية، حيث تستطيع الولايات المتحدة سحب جنودها، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها سحب مصالحها. فهي تستطيع إغلاق قاعدة عسكرية، لكنها لا تستطيع إغلاق تأثرها بأسواق الطاقة، أو التخلي عن أمن الممرات البحرية، أو تجاهل واقع إسرائيل، أو ترك الاستثمارات الأمريكية والخليجية المتشابكة لمصيرها، أو قبول تمدد منافسيها في منطقة تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. لهذا، تجد واشنطن نفسها أمام مأزق يتمثل في كيفية الحفاظ على نفوذها مع تخفيض كلفة بقائها، من دون أن تخرج من الشرق الأوسط.

 

 

حدود التحوّل الأمريكي في المنطقة

 

يأتي العبء الإسرائيلي الاستراتيجي الثقيل في مقدمة العوامل التي تجذب الولايات المتحدة نحو البقاء في الشرق الأوسط، فالعلاقة بين الطرفين تجاوزت منذ عقود حدود التحالف التقليدي، وأصبحت جزءًا ثابتًا من البنية السياسية والأمنية الأمريكية في المنطقة، على الرغم من تعرضها اليوم إلى العديد من المراجعات مع استمرار الصراعات في المنطقة.

 

ويكشف حجم الالتزام العسكري عمق هذه العلاقة، إذ تمتد مذكرة التفاهم الأمريكية-الإسرائيلية الحالية لمدة عشر سنوات (2019-2028)، تقدم واشنطن بموجبها سنوياً 3.3 مليارات دولار تمويلاً عسكرياً خارجياً و500 مليون دولار لبرامج الدفاع الصاروخي، أي ما مجموعه 38 مليار دولار خلال هذه الفترة. يشير هذا الالتزام إلى مساعدة إسرائيل في الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي. لكن المسألة الأهم لا تتعلق بالأمن والمساعدات فقط. فالعلاقة مع إسرائيل متجذرة أيضًا في السياسة الداخلية الأمريكية عبر جماعات الضغط المؤيدة لها، وشبكات التمويل السياسي، والكونغرس، وقطاعات واسعة من القاعدة الإنجيلية المحافظة. ولهذا فإن أي محاولة أمريكية لإعادة ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط لا تبدأ من الخارج فقط، بل تصطدم مباشرة بحسابات الداخل. ووفق الاستراتيجية الأمريكية للمحيطين الهندي والهادئ، تتطلع واشنطن إلى تحويل اهتمامها ومواردها نحو الصين وآسيا، لكنها تجد نفسها في كل أزمة إقليمية كبرى مطالبة بإعادة الاستثمار سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا في المنطقة بسبب التزاماتها تجاه إسرائيل.

 

هذه النقطة تحديداً تجعل فكرة التحوّل الكامل بعيداً عن الشرق الأوسط أقرب إلى شعار انتخابي منها إلى استراتيجية قابلة للتطبيق. فقد تُعلن الإدارة الأمريكية أنّ الشرق الأوسط لم يعد أولوية، لكنها قد تخفق في التعامل مع هذا السيناريو كما لو أنه أصبح منطقة هامشية في الحسابات الأمريكية.

 

 

تسييس الأمن واقتصاديات السلاح

 

ثم يأتي عامل لا يقل أهمية، يكمن في المجمع الصناعي العسكري. وقد حذّر الرئيس دوايت أيزنهاور في خطاب الوداع منذ عام 1961 من تنامي نفوذ هذا المجمع داخل مؤسسات الحكم الأمريكية. ومع ذلك، أصبحت العلاقة بين السياسة الخارجية والصناعات الدفاعية منذ ذلك الحين أكثر تشابكاً. فالولايات المتحدة تدير شبكة عالمية واسعة من مبيعات السلاح والتعاون الأمني بوصفها أدوات رئيسية في سياستها الخارجية، ويشكّل الشرق الأوسط جزءاً مهماً من هذه الشبكة عبر المبيعات العسكرية والتدريبات والتعاون الدفاعي مع الحلفاء والشركاء الإقليميين.

 

تكشف الأرقام حجم هذا التشابك. وتُظهر بيانات وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية أن دولاً خليجية وعربية، مثل السعودية وقطر والإمارات والكويت ومصر والأردن، شكّلت خلال السنوات الماضية جزءاً مهماً من منظومة المبيعات العسكرية الخارجية الأمريكية، بما يشمل الطائرات المقاتلة، وأنظمة الدفاع الجوي، والذخائر، والدعم الفني، والتدريب والصيانة. كما يوثق تقرير وزارة الخارجية الأمريكية للسنة المالية 2025 استمرار تراخيص الصادرات الدفاعية التجارية عالمياً بأحجام متقدّمة.

 

لذلك فإن الشرق الأوسط لا يُشكل مسرحاً أمنياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة فحسب، بل يُمثّل أيضاً سوقاً دفاعية ضخمة وشبكة مصالح ممتدة وطويلة الأمد. ومن المتعارف عليه أنّ صفقات السلاح لا تنتهي بتسليم الطائرة أو منظومة الصواريخ للدول المستوردة، بل تبدأ بعدها عقود من التدريب والصيانة واستبدال قطع الغيار والتحديث والتشغيل. وهكذا يتحول الارتباط الأمني إلى بنية يصعب تفكيكها حتى عندما تتغير الأولويات السياسية.

 

 

الشرق الأوسط لم يعد نفطاً فقط

 

من غير الممكن اختزال المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، والخليج تحديدًا، في معادلتي النفط والسلاح، لتفسير طبيعة العلاقة الراهنة. فهذه العلاقة تجاوزت منذ سنوات نموذج «الطاقة مقابل الأمن» إلى شبكة أكثر تعقيدًا من المصالح المتبادلة تشمل الاستثمار، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والبنية التحتية، والأسواق المالية. ومع تضخم أصول الصناديق السيادية الخليجية واتساع حضورها في الأسواق الدولية، بات الخليج جزءًا فاعلًا من منظومة رأس المال العالمي، وشريكًا متزايد الأهمية للشركات الأمريكية الكبرى، لا مجرد مصدر للطاقة أو سوق للأسلحة.

 

تتضح إحدى المفارقات المركزية في الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة. فواشنطن تسعى نحو تقليص كلفة التزاماتها الأمنية والعسكرية في الشرق الأوسط في الوقت الذي تتسع فيه مصالحها الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية في المنطقة. وكلّما تعمقت هذه المصالح، أصبح الاستقرار الإقليمي أكثر أهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ليس فقط من أجل حماية تدفقات النفط أو الممرات البحرية، بل في سبيل حماية حركة رأس المال، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات العابرة للحدود، والشراكات التكنولوجية الجديدة. وبذلك أصبح أمن الخليج بالنسبة إلى واشنطن أكثر من مجرد ملف عسكري، بل شرطًا لاستمرار شبكة واسعة ومتنامية من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

 

إذا كانت دوافع بقاء واشنطن قوية كفاية، فإن كلفة البقاء أصبحت أكثر وضوحاً أيضاً. فقد تركت حروب العراق وأفغانستان إرثاً سياسياً ومالياً وعسكرياً ثقيلاً، وأضعفت شهية المجتمع الأمريكي للحروب الطويلة ومحاولات إعادة بناء الدول. وفي الوقت نفسه، باتت واشنطن تنظر إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصمود الاقتصادي والصناعي باعتبارها عناصر مركزية في الأمن القومي الأمريكي نفسه.

 

لقد أصبح الشرق الأوسط أشبه بفيتو جيوسياسي على الاستراتيجية الأمريكية. فهو قد لا يمنح الولايات المتحدة المكاسب التي كان يمنحها في القرن العشرين، لكنه يستطيع أن يمنعها من التركيز الكامل على القرن الحادي والعشرين. وهذا هو الفارق الحقيقي، حيث جاءت واشنطن إلى الشرق الأوسط سعياً منها للسيطرة على مساراته، لكنها تعود إليه اليوم خشية عواقب التخلي عنه.

 

 

المعضلة الأمريكية مستمرة

 

تبدو المعضلة الأمريكية وكأنها مرتبطة بإيران، أو إسرائيل، أو النفط، أو الصين منفردة، لكنها على أرض الواقع تواجه مشكلة أكبر تتمحور حول انتقال أمريكا من قوة اعتادت الهيمنة إلى قوة تُدير التوازنات من دون أن يبدو ذلك تراجعاً. فالولايات المتحدة تحاول تقليص التزاماتها في لحظة لا تزال فيها شبكة مصالحها العالمية هائلة، وخصوصاً في الشرق الأوسط، إذ تسعى واشنطن إلى دفع حلفائها لتحمّل قدر أكبر من الأعباء الأمنية، من دون أن يؤدي ذلك إلى استقلالهم الكامل عن مظلتها الاستراتيجية.

 

وفي الوقت نفسه، ترغب في إعادة توجيه ثقلها الاستراتيجي نحو الصين، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع ترك الشرق الأوسط مفتوحاً أمام منافسيها الدوليين. كما ترغب في إنهاء نمط الحروب الطويلة، من دون التخلي عن قدرتها على التدخل عند وقوع أزمات تمس مصالحها الحيوية.

 

ولهذا سيظل الشرق الأوسط الإقليم الذي لا تستطيع واشنطن التخلي عنه بالكامل، ولا تستطيع في الوقت نفسه تحمل كلفة السيطرة عليه كما فعلت في السابق.

 

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر قسوة: أمريكا لا تستطيع أن تبقى في الشرق الأوسط بالمعادلة التي كانت قائمة، ولا تستطيع أيضاً أن تغادره كما تريد. وبين العجز عن الهيمنة والخوف من الانسحاب أو التخلي، يتحول الإقليم من مصدر للقوة الأمريكية إلى اختبار دائم لحدود تلك القوة.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: السياسة الأمريكية الخارجية
البلد:

المؤلف

المدير العام
 خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا… Continue reading المعضلة الأمريكية في الشرق الأوسط