8 مارس 2026. (تصوير فاطمة بهرامي / الأناضول / الأناضول عبر وكالة فرانس برس)

التهديد بضربة نووية: إخفاق سياسي وخيار غير عقلاني

عندما تعجز القوة العسكرية عن حسم المواجهة، يبرز خطر اللجوء إلى السلاح النووي تحت ذريعة «الضربة المحدودة»، بما تحمله من تداعيات خطيرة على أمن الخليج ومستقبل النظام الدولي.

3 نوفمبر، 2026
خالد الجابر

منتهى الإخفاق السياسي والعسكري أن تصل دول قوية تمتلك أضخم الترسانات العسكرية وأكثر التكنولوجيا تطوراً إلى الاعتقاد بأن استخدام قنبلة نووية، ولو محدودة القدرة، يمكن أن يكون حلاً لأزمة سياسية أو وسيلة لحسم حرب عجزت الأسلحة التقليدية عن إنهائها.

 

إنها ليست مجرد فكرة خطيرة، بل سقوط مدوٍ للعقل الاستراتيجي، وانحدار في التفكير الإنساني إلى مستوى تصبح فيه إبادة البشر وتدمير المدن خياراً قابلاً للنقاش داخل غرف العمليات العسكرية. والأشد خطورة أن يجري إضفاء الشرعية على هذا التوجّه الخطير تحت عناوين براقة مثل «الضربة المحدودة» و«السلاح التكتيكي» و«التصعيد المحسوب»، وكأن تغيير المصطلحات يستطيع تغيير طبيعة الكارثة.

 

في سياق المواجهة الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، تتداول بعض الأوساط السياسية ووسائل الإعلام تقديرات تتحدّث عن بحث إمكانية استخدام سلاح نووي محدود ضد أهداف إيرانية، وأن الخشية من استغلال روسيا لهذه السابقة في حرب أوكرانيا ربما شكّلت أحد موانعها. قد لا توجد حالياً أدلة علنية كافية تثبت صحة هذه الرواية، لكن خطورتها تكمن في الفكرة التي تطرحها، والتي تتمثل في انتقال السلاح النووي من موقع الردع إلى ساحة الاستخدام الفعلي، وأنّ مصير ملايين البشر قد يصبح رهينة حسابات عسكرية تتعامل مع الإبادة باعتبارها مجرد درجة إضافية على سلم التصعيد.

 

 

التاريخ الذي لم نتعلم منه

 

قبل أكثر من ثمانين عاماً، ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي، في السادس والتاسع من أغسطس 1945، لتدخل البشرية عصراً جديداً أصبحت فيه الأسلحة قادرة على تدمير مدن بأكملها خلال لحظات. قُتل نحو 70 ألف شخص فوراً في هيروشيما و39 ألفاً في ناغازاكي، فيما تشير التقديرات إلى أن إجمالي الوفيات خلال الأشهر الأربعة الأولى بلغ ما بين 90 ألفاً و166 ألف شخص في هيروشيما، وما بين 60 ألفاً و80 ألفاً في ناغازاكي، بمن فيهم الضحايا الذين قضوا فور وقوع الانفجارين. أما الناجون، فقد عانى كثير منهم إصابات خطيرة وأمراضاً مزمنة وصدمات نفسية طويلة الأمد، في شهادة إنسانية توثّق أن تداعيات الحرب النووية لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية.

 

والمفارقة الصادمة أن العالم الذي شاهد تلك المأساة ووثّقها بالصور والشهادة والدراسات البحثية، ما زال يسمح بعودة النقاش حول استخدام السلاح ذاته. وكأن ثمانية عقود من التحذيرات والمعاهدات والمؤتمرات لم تكن كافية لإقناع بعض العقول بأن القنبلة النووية ليست سلاحاً عادياً يمكن تعديل قدرته، وتحديد أهدافه، ثم الاطمئنان إلى النتائج المتأتية عنه.

 

إن وصف القنبلة النووية بأنها محدودة لا يجعل استخدامها وسيلة مشروعة لتحقيق مكاسب سياسية، تماماً كما أن وصف المجزرة بأنها محسوبة لا يُغيّر حقيقتها. فالمسألة ليست في حجم الانفجار وحده، وإنما في شرعنة استخدام سلاح يمتلك قدرة استثنائية على التدمير، وفتح الباب أمام تكراره كلما تعثرت الحسابات العسكرية.

 

 

الخديعة الكبرى: النووي التكتيكي

 

يبدأ التضليل حين يجري الفصل بين القنبلة النووية التكتيكية والقنبلة الاستراتيجية بطريقة توحي بأن الأولى يمكن استخدامها بأمان نسبي. صحيح أن الأسلحة النووية تختلف في قدراتها وأهدافها، لكن هذه الفوارق لا تلغي طبيعتها التدميرية، ولا تمنح مستخدمها القدرة على التحكم في جميع نتائجها.

 

فالانفجار النووي لا يعترف بالحدود السياسية، والإشعاع لا يستأذن القادة العسكريين قبل الانتشار، والتصعيد لا يتوقف بالضرورة عند النقطة التي يرسمها المخططون. وقد تنتهي ضربة يصفها أصحابها بأنها محدودة إلى سلسلة ردود عسكرية وسياسية تتجاوز تماماً أهدافها الأصلية.

 

والأخطر من ذلك أن مصطلح «النووي التكتيكي» يُسهم في تطبيع ما ينبغي أن يبقى محرّماً استخدامه دولياً. إنه يُحوّل السلاح النووي من كارثة استثنائية إلى أداة ضمن قائمة الخيارات العسكرية، ويمنح السياسيين وهماً بأنهم يستطيعون شراء النصر بجرعة من الدمار الشامل.

 

وهنا تحديداً يكمن الانهيار الأخلاقي: عندما تصبح المشكلة بالنسبة إلى صانع القرار في مقدار القوة اللازمة لتدمير الهدف، وليس في مشروعية استخدام القوة التي يمكن أن تخلّف كارثة إنسانية وبيئية.

 

 

من يملك حق تقرير المصير؟

 

لا تمتلك الولايات المتحدة، ولا إسرائيل، ولا روسيا، ولا فرنسا، ولا المملكة المتحدة، ولا الصين، ولا أي قوة نووية أخرى، تفويضاً أخلاقياً يمنحها الحق في تحويل الشعوب إلى حقول اختبار لقدراتها التدميرية. فالسيادة لا تعني امتلاك حق الإبادة، والتفوق العسكري لا يمنح أصحابه سلطة تقرير من يستحق الحياة ومن يمكن التضحية به لتحقيق أهداف استراتيجية.

 

إن المشكلة الحقيقية ليست في امتلاك السلاح النووي وحده، وإنما في العقلية التي ترى أن القوة تستطيع أن تحل محل السياسة، وأن تدمير الخصم يمكن أن يعوّض العجز عن التوصل إلى تسوية. وهذه العقلية نفسها التي دفعت العالم إلى حروب مدمرة، قبل أن يكتشف أصحابها أن الانتصارات العسكرية لا تصنع بالضرورة سلاماً مستقراً.

 

وإذا كان الهدف المعلن هو منع إيران من امتلاك السلاح النووي، فكيف يمكن تبرير استخدام السلاح ذاته ضدها؟ وأي رسالة ستصل إلى الدول الأخرى حين تكتشف أن عدم امتلاك القنبلة النووية لا يحميها من التعرض لها؟

 

إن النتيجة المحتملة ستكون تقويض نظام منع الانتشار النووي، وتشجيع دول جديدة على البحث عن الردع الذاتي، بعدما أصبحت الضمانات الدولية عاجزة عن توفير الحماية من القوة التي يفترض أنها تحرس النظام العالمي.

 

 

الخليج ليس ساحة للتجارب النووية

 

يُعدّ التفكير في استخدام السلاح النووي ضد إيران مثيراً للقلق، وكأن نتائج هذا القرار ستبقى محصورة داخل حدودها. فدول الخليج تقع في قلب المجال الجغرافي والاقتصادي والبيئي للأزمة، وأي تلوث إشعاعي واسع قد يهدد السكان والمياه والاقتصادات والملاحة، تبعاً لطبيعة الحادث وموقعه والظروف الجوية والبحرية المحيطة به. فكيف يمكن تبرير تعريض ملايين البشر لمخاطر بهذا الحجم ولحرب لم يختاروها؟ وكيف تستطيع القوى الكبرى إدراج حماية أمن المنطقة في خطابها السياسي بينما تدرس خيارات قد تهدد مقومات الحياة فيها؟

 

لقد دفعت دول الخليج أثماناً باهظة نتيجة صراعات لم تكن صاحبة القرار فيها. وليس مقبولاً أن تتحول المنطقة إلى مساحة تتحمل النتائج الكارثية لمغامرات عسكرية يتخذها الآخرون.

 

إن حماية الخليج لا تتحقق بتوسيع الحرب، وإنما بمنع انتقالها إلى مستويات تدميرية جديدة. وأي استراتيجية تتجاهل هذه الحقيقة لا تحمي الأمن الإقليمي، بل تضاعف مصادر تهديده.

 

 

روسيا.. سابقة قد تهدم النظام الدولي

 

إذا كانت الخشية من منح روسيا ذريعة لاستخدام السلاح النووي في أوكرانيا هي ما يردع التفكير في تنفيذ ضربة مماثلة ضد إيران، فإن ذلك يكشف مزيداً من هشاشة النظام الدولي المعاصر.

 

فالمعيار الذي ينبغي أن يمنع استخدام السلاح النووي ليس قلق واشنطن من لجوء موسكو إلى هذا الخيار، ولا خشية موسكو من رد واشنطن، وإنما إدراك الواقع الذي يفيد بأنّ تجاوز العتبة النووية سيضع النظام الدولي أمام مرحلة تصبح فيها المحظورات التاريخية مجرد خيارات سياسية قابلة للمساومة.

 

هذه المخاطر لا تدور في فلك الافتراضات النظرية، فقد أظهرت الحرب في أوكرانيا كيف يمكن توظيف التهديد النووي كأداة للضغط السياسي والاستراتيجي. ففي نوفمبر 2024، عدّلت موسكو عقيدتها النووية لتوسيع الظروف التي قد تبرر استخدام السلاح النووي، بما يشمل بعض الهجمات التقليدية التي تهدد سيادتها أو سلامة أراضيها.

 

والسابقة النووية لا تبقى ملكاً لمن يستخدمها. فما يُسمح به اليوم ضد إيران قد يُستدعى غداً في أوروبا أو آسيا، وتتحوّل الاستثناءات تدريجياً إلى قواعد، حتى يصبح العالم أسيراً لسباق لا يستطيع أحد ضمان نهايته.

 

 

عسكرة الحضارات

 

إن أخطر هزيمة يمكن أن تتعرض لها الحضارة الإنسانية ليست خسارة حرب، وإنما قبول فكرة أن الإبادة وسيلة مشروعة لإنهاء الخلافات السياسية. فإذا عجزت الدبلوماسية، وفشلت العقوبات، ولم تحقق الجيوش أهدافها، فإن الحل لا يكون بالانتقال إلى السلاح النووي، بل بمراجعة الأهداف والسياسات التي أوصلت الصراع إلى هذا المأزق.

 

والقوة التي تحتاج إلى تهديد ملايين البشر كي تفرض إرادتها لا تقدم دليلاً على قدرتها المطلقة، وإنما تكشف حدود نفوذها وعجز أدواتها التقليدية. لقد حان الوقت للتعامل مع مجرد التفكير في استخدام السلاح النووي باعتباره إنذاراً دولياً يستدعي تحركاً سياسياً عاجلاً، لا نقاشاً تقنياً حول حجم القنبلة ونطاق الانفجار.

 

فالنظام الدولي الحالي والجديد لا يحتاج إلى هيروشيما ثالثة كي يتذكر الدرس الذي دفع اليابانيون ثمنه.

 

إن قبول استخدام السلاح النووي بوصفه خياراً عسكرياً لا يعكس تقدّماً في موازين القوة، بقدر ما يكشف عن أزمة عميقة في منظومة التفكير السياسي والاستراتيجي، وتراجع المعايير الأخلاقية الناظمة لاستخدام القوة، بما يهدّد أسس الأمن الدولي، ويجعل مستقبل البشرية رهينة لقرارات قد تتجاوز تداعياتها قدرة الدول على احتوائها، وتضع مصير المنطقة رهينة أكثر أدواتها وحشية.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: حرب إيران
البلد: إيران

المؤلف

المدير العام
 خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا… Continue reading التهديد بضربة نووية: إخفاق سياسي وخيار غير عقلاني