مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في 27 أكتوبر، يواجه الناخبون خياراً حاسماً بشأن من سيحكم البلاد، فيما يبقى خيار الوجهة التي ينبغي أن تسلكها أقل وضوحاً. وتخوض أحزاب المعارضة الرئيسة حملاتها ضدّ قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وسجله في الحكم، متعهّدةً بإدارة أكثر كفاءةً، وإصلاح المؤسّسات، وتحسين العلاقات مع الشركاء الدوليين. غير أنّ الفوارق بين هذه الأحزاب تضيق كثيراً إزاء بعض أهم القضايا الإستراتيجية والملحّة التي تواجه إسرائيل، ولا سيّما مستقبل الفلسطينيين والأسس التي تقوم عليها سياستها الأمنية.
يكشف هذا الواقع تحوّلاً أعمق في السياسة الإسرائيلية. فحدّة المنافسة السياسية لا تعني اتساع الخيارات الإستراتيجية. تستطيع الأحزاب انتقاد طريقة إدارة الحرب من دون المساس برهاناتها الإستراتيجية الأوسع، ومعارضة توسيع المستوطنات من دون تأييد تسوية سياسية شاملة، والدعوة إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار مع الإصرار على إبقاء الترتيبات الأمنية القائمة. وفي ظلّ هذا الواقع، يترسّخ فخّ الأمننة، إذ يصبح الإصرار على نموذج أمني أخفق أسهل سياسياً من طرح مقاربة دبلوماسية جديدة والدفاع عنها والاستمرار في العمل بها.
وفي نهاية المطاف، تبدو الانتخابات وكأنها منافسة على كفاءة إدارة الدولة بقدر ما هي منافسة على السياسات. فقد تُحدث حكومة أخرى تغييرات ملموسة في طريقة الحكم وترتيب الأولويات، لكن من غير الواضح بالقدر نفسه ما إذا كانت ستتبنّى مقاربة مختلفة جذرياً تجاه القضايا الأهم إستراتيجياً.
كيف ضاقت الخيارات؟
يشكّل تراجع اليسار الإسرائيلي التقليدي أحد أسباب انحسار هذه الخيارات. ويظهر حجم هذا التراجع الصارخ بوضوح في مسار حزب العمل الإسرائيلي، الذي كان يوماً القوّة السياسية المهيمنة في البلاد. ففي انتخابات الكنيست عام 2022، لم يفز الحزب سوى بأربعة مقاعد، بعدما كان قد حصد 44 مقعداً عام 1992، حين قاد مسار أوسلو للسلام. أما حزب «ميرتس»، شريك حزب العمل في ائتلاف عام 1992، فلم يتمكّن من دخول البرلمان في انتخابات 2022. وفي عام 2024، أسّس الحزبان إطاراً انتخابياً مشتركاً باسم «الديمقراطيين»، مع احتفاظ كلّ منهما بهيكله التنظيمي المستقلّ. ويُعدّ تراجعهما الانتخابي لافتاً، لكنه لا يكفي وحده لتفسير تغير حدود النقاش السياسي في إسرائيل.
في الواقع، أسهمت التحوّلات الديموغرافية والهويات الدينية والقومية وقيادات الأحزاب والتغيرات الأيديولوجية الأوسع في تراجع اليسار التقليدي. وزاد انهيار مسار أوسلو والعنف خلال الانتفاضة الثانية من تراجع الثقة بالمفاوضات، وعزّزا الحجّج القائلة إنّ ما وصفه سياسيون إسرائيليون بـ«التنازلات عن الأراضي» قد يفاقم انعدام الأمن. وبات من الأصعب على الأحزاب المرتبطة بالتسوية إقناع قطاع واسع من الناخبين اليهود.
وعلى الرغم من ظهور أحزاب جديدة في الوسط السياسي الإسرائيلي، بات الوصول إلى السلطة متعذّراً من دون دعم من اليمين. ومع هيمنة نتنياهو وحزب «الليكود» على مشهد السياسة الإسرائيلية طوال الأعوام الـ15 الماضية، أصبح البديل الرئيسي هو نموذج الائتلاف الواسع الذي تشكّل عام 2021.
قدمت تجربة ائتلاف الوحدة عام 2021 درساً مفيداً عن حدود التغيير السياسي في ظلّ غياب الاتفاق على إستراتيجية مشتركة. فقد شكّلت ثمانية أحزاب من اليمين والوسط واليسار، من ضمنها حزب عربي، حكومة على الرغم من الخلافات العميقة بينها. ومع تراجع اليسار وقبول حزب عربي واحد فقط شريكاً في الائتلاف، لم يكن إسقاط نتنياهو ممكناً من دون الاستعانة بحلفاء من اليمين. ولم يكن ممكناً الحفاظ على حكومة مماثلة إلا بإبعاد القضية الفلسطينية عن جدول أعمالها. وهكذا استطاع الائتلاف التعاون على برنامج داخلي محدود، لكنه لم يمتلك مقاربة مشتركة للقضايا الأكثر حسماً.
ويؤكّد سجل الحكومة هذه الوقائع. ففي عامها الأوّل، دفعت قدماً بخطط لبناء 7,292 وحدة سكنية استيطانية، أي أكثر بنحو 26 في المئة من المتوسّط السنوي للمستوطنات التي بنيت خلال حكومات نتنياهو، وفقاً لمنظمة «السلام الآن». واعترض وزراء من حزبي «ميرتس» و«العمل»، لكن الخطط مضت قدماً. وفي أكتوبر 2021، صنّف وزير الدفاع بيني غانتس 6 منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان «منظمات إرهابية». أمّا ما استطاع الائتلاف الاتفاق عليه، بحسب «منتدى سياسة إسرائيل»، فكان تصاريح العمل وتحويل عائدات الضرائب إلى السلطة الفلسطينية، وهي إجراءات تهدف إلى «تقليص الصراع» لا إلى حلّه.
واتضحت حدود هذا التوافق أكثر في سبتمبر 2022. فعندما أيّد رئيس حكومة تصريف الأعمال يائير لابيد حلّ الدولتين أمام الجمعية العامة للأمم المتّحدة، قدّمه باعتباره خياراً يخدم أمن إسرائيل. لكن شركاءه في الائتلاف اعترضوا على الطرح. فقد حذّر وزير العدل جدعون ساعر من أنّ قيام دولة فلسطينية سيهدّد أمن إسرائيل، فيما شدّدت وزيرة الداخلية أييليت شاكيد على أن لابيد يتحدّث باسمه لا باسم الحكومة، وإن الائتلاف كان قد اتفق أصلاً على إبقاء هذه القضية خارج جدول أعماله. وهكذا رفض شركاء الائتلاف طرحاً استند إلى اعتبارات أمنية باستخدام الحجّة الأمنية نفسها.
بحلول يونيو 2022، انهارت حكومة الوحدة بفعل الانشقاقات والخلافات الداخلية، فعاد نتنياهو إلى السلطة على رأس أكثر ائتلاف يميني في تاريخ إسرائيل. ولقّنت هذه التجربة المعارضة درساً واضحاً مفاده أنّ هزيمة نتنياهو استلزمت جمع أطراف شديدة التباعد أيديولوجياً، ما يجعل الاتفاق على القضايا الكبرى بالغ الصعوبة. لذلك، كان استبدال نتنياهو ممكناً، أما بناء أغلبية حاكمة حول إستراتيجية مختلفة جذرياً فكان أصعب بكثير.
فخّ الأمننة
لم تخفّف حرب 7 أكتوبر من هذه القيود، بل عزّزتها. فقد أتاح فشل الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية قبل الحرب فرصة لإعادة النظر، لا في كيفية تعامل إسرائيل مع التهديدات من غزّة ومناطق أخرى فحسب، بل أيضاً في ما إذا كان الاحتواء العسكري من دون إستراتيجية سياسية قادراً على توفير أمن مستدام. لكن الاستجابة المهيمنة اتجهت إلى تغيير الوسائل مع الإبقاء على الفرضية الأساسية نفسها التي تحاجج بأنّ انعدام الأمن مشكلة تُعالج أساساً بالتفوّق العسكري.
وهنا يظهر فخّ الأمننة في السياسة الإسرائيلية في أبهى صوره. ففي العلوم السياسية، تشير «الأمننة» إلى عملية تقديم قضايا معيّنة بوصفها تهديدات وجودية للأمن، ما يسهّل تبرير إجراءات استثنائية ويجعل الدفاع عن البدائل أكثر صعوبةً. ولا تكمن المشكلة بالضرورة في أنّ المخاوف الأمنية مبالغ فيها أو غير مشروعة، بل في أنّ الأمن، حين يصبح الإطار المهيمن لفهم مشكلة سياسية، يجعل كلفة التخلّي عن السياسات القائمة تبدو أكثر إلحاحاً من كلفة الاستمرار فيها.
قوّضت حرب 7 أكتوبر مصداقية إستراتيجية أمنية بعينها، من دون أن تقوّض أولوية المقاربة الأمنية نفسها. ولم يؤدِّ الردّ الإسرائيلي على الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» إلى مراجعة مماثلة للمقاربة السياسية تجاه غزّة والفلسطينيين، بل أفضى إلى إعادة تقييم لكيفية مواجهة الفلسطينيين والخصوم الإقليميين، وإلى تبنّي مقاربة أشدّ اعتماداً على الأدوات العسكرية.
يصف تحليل نشره «معهد السياسة والمجتمع» في يوليو 2026 تحوّلاً من الاعتماد على الاحتواء والردع إلى تنفيذ العمليات الاستباقية ومحاولات لمنع الخصوم من إعادة بناء قدراتهم. وهذا تحليل لممارسة آخذة في التغير، لا لعقيدة أمنية اعتمدتها إسرائيل رسمياً.
ويساعد هذا المسار في تفسير لماذا لا يؤدّي استمرار انعدام الأمن بالضرورة إلى إضعاف المقاربة السائدة. فقد تُضعف العمليات العسكرية الخصم، أو تعطّل قدراته، أو تمنع وقوع هجوم وشيك، من دون أن تعالج الظروف السياسية التي تعيد إنتاج المواجهة. وحين يتجدّد انعدام الأمن، يستطيع القادة إعادة النظر في مدى قدرة الإستراتيجية القائمة على تحقيق أهدافهم بعيدة المدى، أو المجادلة بأنّ استمرار التهديد يستدعي نسخة أشدّ من الإستراتيجية نفسها. وفي بيئة سياسية تهيمن عليها الاعتبارات الأمنية، يكون الدفاع عن الخيار الثاني أسهل في كثير من الأحيان. وهكذا قد يتحوّل استمرار التهديد إلى مبرّر للحفاظ على النموذج القائم، حتى عندما يفشل في تحقيق أمن دائم.
وفي هذا السياق، تكشف استطلاعات الرأي مفارقة واضحة، إذ تؤيد غالبية الإسرائيليين استخدام القوّة فيما تشكّك في إدارة الحكومة لها. ففي يونيو 2026، أيّد 69 في المئة من اليهود الإسرائيليين عملاً عسكرياً ضد «حزب الله» في لبنان، وأيّد 61 في المئة منهم عملاً عسكرياً ضدّ إيران حتى لو أدّى ذلك إلى مواجهة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي سبتمبر من العام نفسه، رفض 72 في المئة من اليهود الإسرائيليين أي انسحاب من غزّة لا يُبقي نطاقاً أمنياً إسرائيلياً داخل القطاع. لكن هذا التأييد لا ينسحب على إدارة الحرب نفسها، إذ لم تتجاوز نسبة الراضين عن إدارة الحكومة لها 34 في المئة، في مقابل 61 في المئة أعربوا عن رضاهم عن إدارة الجيش. وبذلك يبدو أنّ الخلاف يدور حول كيفية إدارة الحرب أكثر مما يدور حول منطلقاتها الأساسية.
ويبقى الأمن عاملاً جوهرياً في تحديد خيارات الناخبين الإسرائيليين، حتى عندما يختلفون بشأن نتائج سياسات بعينها. فقد أظهر استطلاع أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» في سبتمبر 2026 أن 39 في المئة من المستطلعين اليهود وضعوا الشؤون الخارجية والأمن ضمن أهم اعتبارين لديهم عند التصويت، وهي نسبة تقارب نسبة من أعطوا الاعتبارات الاقتصادية أهمّية مماثلة. كما قال 68 في المئة من المستطلعين اليهود إنّ أحداث 7 أكتوبر كانت عاملاً جوهرياً في اختيارهم الحزبي. وتظهر هذه الأرقام الأهمية الكبيرة التي لا يزال الناخبون يولونها للمصداقية الأمنية.
تساعد هذه النتائج في تفسير أسباب امتلاك المعارضة حوافز أقوى لمنافسة نتنياهو على الكفاءة في إدارة الملف الأمني بدلاً من تحدّي الأسس التي تقوم عليها السياسة الأمنية الإسرائيلية. فغادي آيزنكوت، أحد أبرز شخصيات المعارضة، هو مهندس العقيدة العسكرية التي تستخدمها الحكومة الحالية في غزّة وفي المنطقة عموماً. ولذلك، يستند جانب كبير من جاذبيته السياسية إلى أنّ إسرائيل تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءةً ومصداقيةً لمؤسّستها الأمنية، لا إلى قطيعة جوهرية مع النموذج المتمحور حول الأمن الذي شكّل السياسة الإسرائيلية. وهكذا، قد تحتدم المنافسة الانتخابية، فيما تبقى المسافة الإستراتيجية بين البدائل الرئيسة ضيّقة نسبياً.
الخاتمة
تضع انتخابات أكتوبر الناخبين الإسرائيليين أمام خيار حاسم، لكن ليس بالضرورة بين رؤى إستراتيجية متنافسة. ويمكن لخصوم نتنياهو أن يقدّموا، بقدر من المصداقية، وعوداً بإدارة أكثر كفاءةً، وإصلاح المؤسّسات، وتحسين العلاقات مع الحلفاء. وهذه فروق مهمّة، لكنها تتعلّق إلى حد كبير بكيفية حكم إسرائيل أكثر مما تتعلّق بالرهانات التي توجّه مقاربتها تجاه الفلسطينيين والأمن الإقليمي.
ومن هنا يتجلّى القيد الجوهري الذي يخيّم على أجواء هذه الانتخابات. فتراجع اليسار، وحسابات تشكيل الائتلافات، وإرث 7 أكتوبر، واستمرار الأولوية للأمن، كلّها عوامل ضيّقت مساحة البدائل الإستراتيجية. وقد تغيّر إسرائيل الحكومة المسؤولة عن التعامل مع وضع انعدام أمنها من دون أن تغيّر الإطار الذي تفسر من خلاله هذا الوضع. لذلك، قد تُفضي الانتخابات إلى تغيير ملموس في القيادة وطريقة الحكم، فيما يبقى الاتجاه الإستراتيجي الأوسع للبلاد على حاله.