أقيم معرض "جيتكس غلوبال 2022" الدولي للمعلومات والاتصالات والتكنولوجيا والبرمجيات في مركز دبي التجاري العالمي في دبي، الإمارات العربية المتحدة، في 10 أكتوبر 2022. (صورة: وليد زين / وكالة الأناضول / الأناضول عبر وكالة فرانس برس)

السيادة الرقمية الخليجية وسط حروب الذكاء الاصطناعي

مع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى عامل رئيسي في إعادة تشكيل النفوذ السياسي وأدوات القوة، تُواجه دول الخليج تحدياً مختلفاً مرتبطاً بكيفية صيانتها لسيادتها التكنولوجية في ظلّ نظام خوارزمي عالمي جديد آخذ في التشكّل، وليس تحدياً مرتبطاً بدخولها في عصر الذكاء الاصطناعي فحسب. 

11 يونيو، 2026
نايف النابت

فضاء يصعب السيطرة عليه 

على امتداد التاريخ الحديث، كانت قوة الدول ونفوذها يقاسان بالقدرات العسكرية، واتساع النفوذ الجغرافي، والتحالفات الدولية، والقدرة المالية. أما اليوم، فقد امتدّ نفوذ الدول عبر الفضاء الرقمي الذي يعيد تشكيل كيفية تلقي المجتمعات للمعلومات، وفهمها للأحداث السياسية، وإدارتها للأزمات. لقد أصبحت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث قادرة على التأثير في الرأي العام بسرعة ونطاق يتجاوزان ما تستطيع وسائل الإعلام التقليدية تحقيقه.  

 

في عام 2026، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو مُنتج بالذكاء الاصطناعي يُظهر تصاعد الدخان من أحد الأبراج السكنية في البحرين، في محاولة لإقناع الرأي العام المحلي والدولي بأن الحرب في الشرق الأوسط تتوسّع. كما جرى تداول مقطع فيديو مزيف يُظهر، على ما يبدو، غرق حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» إثر ضربة صاروخية إيرانية.  

 

تكشف هذه الحوادث كيف بات الذكاء الاصطناعي يؤثر في طبيعة الحروب الحديثة. فالصور ومقاطع الفيديو المفبركة ليست جديدة في عالم العمليات الاستخباراتية لخداع الأعداء، لكن الذكاء الاصطناعي جعل إنتاج محتوى مقنّع وتوزيعه على نطاق واسع أقل كلفة وأكثر سرعة، ما يزيد من احتمال تصديق الجمهور له.  وقد أعلن الجيش الأمريكي بالفعل دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات القيادة العسكرية، معتبراً أنه سيحسّن دقة القرارات العسكرية. وفي العام الماضي، اقتنى حلف شمال الأطلسي أنظمة قتالية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تهدف إلى دعم العمليات العسكرية وتعزيز الوعي الميداني. وبذلك، لم يعد الردع يُقاس بالتفوق المادي أو العسكري فحسب، بل أيضاً بقدرة الدول على مواجهة الدعاية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وتوظيف هذه التكنولوجيا في عملياتها العسكرية.  

 

كذلك، يتيح الذكاء الاصطناعي تنفيذ عمليات رقمية سرية وهجمات إلكترونية مؤتمتة، فيما تصبح أنظمة الدفاع المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ضرورة لحماية البنى التحتية الحيوية. وقد استخدمت بعض الدول هذه التقنيات في أنظمة المراقبة الشاملة، ورصد الأنماط السلوكية، وقمع المعارضة، وحتى اضطهاد الأقليات العرقية.  

 

وبات المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي قادراً على التأثير في فهم الجمهور للأحداث الجارية قبل أن تتمكن المؤسسات من التحقق من الوقائع أو تقديم رواية متماسكة. فقد انتشر أخيراً على منصة «تيك توك» مقطع فيديو مُعزّز بالذكاء الاصطناعي يُظهر، على ما يبدو، قوافل لا تنتهي من الشاحنات الإيرانية المحمّلة بالصواريخ الباليستية، ما غذّى رواية مضلّلة تزعم أن الصين أرسلت إمدادات عسكرية إلى إيران دعماً لها في حربها مع الولايات المتحدة.  وهكذا، تحوّل تشكيل التصوّرات الجماعية عبر المعلومات المضلّلة المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى ساحة مواجهة استراتيجية بحد ذاتها.  

 

بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، تبدو المخاطر الأمنية والاستراتيجية الناجمة عن حملات التضليل الأجنبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مرتفعة بشكل خاص، ولا سيما أن بعض الخصوم الإقليميين نجحوا في توظيف هذه التكنولوجيا بفاعلية في حملاتهم الدعائية. ولم يعد استقرار المنطقة يعتمد حصراً على الردع العسكري والدبلوماسية، بل أيضاً على قدرة الدول على إدارة الفضاء المعلوماتي ومنع الجهات المعادية من نشر روايات زائفة يتلقاها الجمهور باعتبارها حقائق. صحيح أن التضليل الإعلامي سبق ظهور الذكاء الاصطناعي، إلا أن هذه التكنولوجيا جعلت إنتاج صور ومقاطع فيديو واقعية تخدم روايات محددة أسهل بكثير، وبكلفة وجهد بشري أقل مقارنة بالماضي.  

 

ولمواجهة هذه التهديدات، تحتاج دول الخليج إلى تعزيز قدراتها الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي عبر استثمارات مستدامة في البحث والتطوير، وبناء بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي، وتنمية الكفاءات المحلية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات البحث الرائدة. 

 

وعلى الرغم من صعوبة تنظيم الذكاء الاصطناعي بسبب قصور الأطر الحالية لحوكمة البيانات، وتعقيد التكنولوجيا وحجم البيانات المستخدمة، باتت الحاجة ملحّة لوضع معايير تحدد مشروعية هذه التقنيات وأبعادها الأخلاقية، وإنشاء ترتيبات متعددة الأطراف تحدّ من التداعيات السياسية والاجتماعية الناجمة عن استخدامها، أو من كلفة توظيفها كسلاح في حروب المستقبل. فالتعاون الدولي ضمن أطر مؤسسية للحوكمة ضروري لوضع قواعد تمنع إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي من الأنظمة السلطوية، وتضمن المساءلة، وتوفر آليات لفرض الالتزام ومعاقبة المخالفين. كما يمكن للتفاهمات الدولية بشأن تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة أخلاقية أن تشكل مساحة لتقريب المصالح المتعارضة، وتعزيز الحوار والتعاون، وتعظيم المنافع، ومنع الاستخدامات الخبيثة، والحد من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المرتبطة بهذه التكنولوجيا.  

 

 

اختلال موازين النفوذ الخوارزمي 

 

في السابق، كانت عمليات التأثير واسعة النطاق تتطلب موارد مالية وبشرية ضخمة. أما اليوم، فقد أدى الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى خفض هذه الكلفة بشكل جذري. إذ أصبح بالإمكان إنتاج صور ونصوص ومقاطع صوتية وفيديوهات خلال دقائق وبكلفة شبه معدومة، ثم نشرها بالتزامن عبر منصات متعددة لتصل إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتمكن السلطات أو المؤسسات الرسمية من إصدار أي رد.  

 

كانت وسائل الإعلام التقليدية تؤدي دور حارس البوابة، فتتحقق من المعلومات قبل نشرها. لكن مع اعتماد غالبية المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، بات المحتوى ينتشر عالمياً قبل أن تتاح فرصة التحقق من صحته.  

 

وفي حين يمكن إطلاق حملات التضليل المدعومة بالذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة وبتكاليف منخفضة، فإن التصدي لها يبقى عملية مكلفة ومعقدة. إذ تضطر الدول إلى الاعتماد على مؤسسات مستقلة للتحقق من المعلومات وعلى وسائل الإعلام لتدقيق صحة المحتوى المتداول، وهي مهمة تزداد صعوبة مع قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على مزج الوقائع الحقيقية بالمعلومات المفبركة بطريقة يصعب كشفها. 

 

 وبذلك، أصبحت المعلومات المضلّلة القائمة على الذكاء الاصطناعي شكلاً جديداً من أشكال الحروب غير المتكافئة، يتيح لجهات تمتلك قدرات عسكرية أو اقتصادية محدودة إضعاف خصومها عبر حملات معلوماتية منخفضة الكلفة، من شأنها تقويض ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها. ولا تهدف هذه الحملات بالضرورة إلى فرض رواية واحدة مناهضة للحكومة، بل تسعى إلى إغراق المجال العام بسرديات متنافسة ومتناقضة، بما يؤدي إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات وزرع الشك لدى المواطنين تجاه موثوقية المعلومات التي تقدمها حكوماتهم.  

 

ويزيد النظام الرقمي العالمي من تعقيد هذه المشكلة. إذ تحقّق عدد من شركات التكنولوجيا العملاقة أرباحها من جذب الانتباه وتعظيم التفاعل، بما في ذلك التفاعل مع المحتوى الصادم أو المضلل. كما يجد المستخدمون أنفسهم مدفوعين لإنتاج محتوى مولَّد بالذكاء الاصطناعي قابل للانتشار السريع، سعياً وراء الوصول إلى جمهور واسع. وعلى الرغم من التعهدات التي أطلقتها المنصات الرقمية للحد من انتشار المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، لم تُترجم هذه الوعود إلى تغييرات جوهرية في سياسات الإشراف على المحتوى. فقد أعلنت منصة «إكس» خفض عدد الموظفين المسؤولين عن مراقبة المحتوى، وهو ما يعكس توجهاً لدى مالكي المنصات نحو خلق بيئة أكثر تساهلاً مع انتشار المواد المنتجة بالذكاء الاصطناعي.  

 

 

الخليج كساحة متقدمة للحروب الإدراكية 

أصبحت منطقة الخليج والشرق الأوسط عموماً بمثابة مختبر عملي تُختبر فيه أساليب التضليل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وتُطوّر بصورة متواصلة. فمع الحرب الدائرة في إيران، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي، تسهم في تشكيل الطريقة التي ينظر بها المواطنون داخل الخليج وخارجه إلى النزاعات المسلحة 

 

في المقابل، لا تزال آليات الإشراف على المحتوى العربي غير متوازنة على المنصات الرقمية الكبرى. إذ لم تتمكّن الكثير من الشركات التكنولوجية بعد من التعامل بكفاءة مع التعقيدات اللغوية والسياقية للغة العربية ولهجاتها المتعددة، ما يخلق ثغرات تسمح لحملات التضليل المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالإفلات من الرقابة والانتشار بصورة أكثر فاعلية. والمفارقة أن المستويات المرتفعة من الاتصال الرقمي والبنية التحتية المتطورة للاتصالات في دول الخليج، والتي تُعد عادة من عناصر القوة الاستراتيجية، تجعل المنطقة أكثر عرضة لعمليات التأثير هذه، وتزيد من هشاشتها أمام الحروب الإدراكية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. 

 

تعاملت الحكومات الخليجية مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أولوية استراتيجية ضمن خطط النمو الاقتصادي وتنويع القطاعات الإنتاجية. وتسعى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر إلى ترسيخ مواقعها في قلب الطفرة العالمية للذكاء الاصطناعي، من خلال الاستثمار في أنظمة الحوكمة الذكية والبنى التحتية الرقمية ومراكز البيانات اللازمة لدعم النمو الاقتصادي القائم على الذكاء الاصطناعي. غير أن الحرب الحالية في إيران تُظهر أن الابتكار التكنولوجي لا يمكن أن ينفصل عن الاستثمار المتوازي في تعزيز المناعة المعلوماتية وبناء قدر أكبر من الاستقلالية الرقمية الاستراتيجية.  

 

 

السيادة الرقمية بوصفها قدرة على الفعل  

لا يكمن التحدي الرئيسي أمام دول الخليج في كيفية تبني الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية الحفاظ على قدرتها على الفعل واتخاذ القرار في عصر باتت فيه حملات التضليل المدعومة بالذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من البيئة الاستراتيجية. وتعكس الاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي في دول مجلس التعاون التزاماً متزايداً بالحفاظ على السيطرة على مخرجات هذه التكنولوجيا، وحماية المواطنين من حملات التضليل الرقمي. ففي قطر، تلزم المبادئ التوجيهية الخاصة بالذكاء الاصطناعي المطوّرين بتجنّب التحيّز والتمييز، وضمان أن تكون بيانات التدريب ممثلة للمجتمع القطري، والكشف عن آلية عمل الأنظمة الذكية، والحفاظ على المساءلة البشرية، وإتاحة إمكانية الطعن أو التدخل في القرارات ذات الأثر الكبير، فضلاً عن إخضاع الأنظمة المهمة لعمليات تدقيق مستقلة 

 

كما وضعت السعودية والبحرين والإمارات مبادئ أخلاقية وأطر تنظيمية وقوانين خاصة بالذكاء الاصطناعي، بهدف دعم تطوير هذه التكنولوجيا بما ينسجم مع أولويات الدولة ويضمن استخدامها بصورة مسؤولة. ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة. فقد أعلنت شركة «أنثروبيك» أخيراً أن منصة «كلود» باتت تساهم في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة، ما يفتح الباب أمام ظاهرة «التحسين الذاتي التكراري»، حيث يشارك نظام ذكاء اصطناعي في بناء نسخة أكثر تطوراً منه. ويبدو أن وتيرة هذا التطور أسرع مما كان متوقعاً، الأمر الذي يفرض تحديات جديدة على الدول الساعية إلى الحفاظ على سيادتها الرقمية 

 

وفي أوروبا، يمثل «قانون الذكاء الاصطناعي» الذي أقره الاتحاد الأوروبي عام 2024 إحدى أكثر المحاولات طموحاً لحماية السيادة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي. كما تتجه الجهود الأوروبية بصورة متزايدة نحو إدماج آليات شفافة للتحقق من مصدر المحتوى الرقمي، بما يسمح بتحديد ما إذا كان المحتوى قد أُنتج أو عُدّل باستخدام الذكاء الاصطناعي. 

 

أما بالنسبة إلى دول الخليج، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في منع الخصوم من توسيع شبكات التضليل المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بل في قدرتها على بناء أنظمة ومؤسسات قادرة على ترسيخ الشفافية وتعزيز الثقة في العصر الرقمي. وفي هذا السياق، لم يعد الاستثمار في البنية التحتية الرقمية السيادية، والقدرات الحاسوبية الوطنية، والأنظمة التكنولوجية المرنة مجرد خيار تقني أو اقتصادي، بل أصبح جزءاً أساسياً من متطلبات الاستقلالية الاستراتيجية على المدى الطويل.  

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: الذكاء الاصطناعي
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، قطر

المؤلف

زميل غير مقيم
نايف النابت، زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتخصص في حوكمة الذكاء الاصطناعي، ودور الدول الصغيرة، والمعايير الدولية الناشئة، مع تركيز خاص على منطقة الخليج والآثار السياسية المترتبة على التحوّلات التكنولوجية. تُركّز أبحاثه على كيفية تعامل الدول الصغيرة مع البيئات الجيوسياسية المعقدة، وإسهاماتها في إطلاق النقاشات حول الإجراءات التنظيمية وأطر الحوكمة العالمية… Continue reading السيادة الرقمية الخليجية وسط حروب الذكاء الاصطناعي