مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية، 7 أغسطس 2026. (صورة مقدمة من المكتب الصحفي لرئاسة الجمهورية التركية / وكالة فرانس برس)

اتفاقية مكة للدفاع المشترك: طبيعتها، أهدافها، ودلالتها؟

في خضم الاضطرابات التي تشهدها المنطقة لا سيما خلال السنوات القليلة الماضية وفي إطار التحولات الجيوسياسية التي تحدث على نطاق واسع، اتفقت ثلاث قوى إسلامية كبرى على إطار جديد لأمنها المشترك، لتفتح المسار أمام دول أخرى قد تحذو حذوها.

12 أغسطس، 2026
علي باكير

في 7 أغسطس 2026، أعلنت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان عن توقيع اتفاقية ثلاثية للدفاع المشترك في مكة، وقّعها كلّ من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. جاءت الاتفاقية ثمرة مشاورات مكثفة بين الدول الثلاث، وخطوة مهمّة نحو توثيق التعاون الثلاثي في مجالي الأمن والدفاع.

 

 وقد بُني هذا الإطار الثلاثي على اتفاقية الدفاع السعودية-الباكستانية التي أُبرمت في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قطر في سبتمبر 2025، الذي كان الأول من نوعه على دولة خليجية. ويأتي توقيع هذه الاتفاقية أيضاً وسط الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية التي اندلعت شرارتها في فبراير 2026، وعقب إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أيام من اندلاع الحرب عن «تحالف سداسي» يضمّ إسرائيل واليونان والهند وقبرص وبعض الدول المنضوية في اتفاقيات أبراهام.

 

ارتبطت فكرة إنشاء هذا النوع من الاتفاقيات بسياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى حدّ كبير، وبرؤية تركية تتمحور حول تعزيز التعاون لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام والازدهار في المنطقة. كما ينطوي اختيار مكة مكاناً لإعلان الاتفاقية، واقترانها باسم المدينة المقدسة، على رمزية بالغة الدلالة لما تحظى به مكة من مكانة رفيعة لدى المسلمين، ولما تجسّده من قيم الوحدة والتضامن والالتزام المشترك، والاستعداد للوقوف صفاً واحداً. لكن هذه الرمزية لا تقتصر على السعودية وحدها. فتركيا والسعودية وباكستان تُعدّ من أكثر الدول نفوذاً في العالم الإسلامي، وهو ما يمنح الاتفاق صدى سياسياً وشعبياً يتجاوز الدول الثلاث.

 

 

دوافع الاتفاقية

 

ثمّة مجموعة من العوامل التي تُفسّر حرص تركيا على الاضطلاع بدور استباقي في الدفع نحو توقيع هذه الاتفاقية بين القوى الإقليمية الثلاث، ولا تكمن أهمية هذا التحرك في الاتفاق بوصفه غايةً في حد ذاته، بقدر ما تكمن في كونه خطوة إضافية نحو تمكين دول المنطقة من تعزيز قدراتها على تولّي زمام شؤونها، في ظل بيئة استراتيجية دولية تشهد تحولات متسارعة. أولاً، تركز الولايات المتحدة بصورة متزايدة على المنافسة الاستراتيجية مع الصين، مع تقلّص قدرتها على تخصيص موارد واسعة لمختلف مناطق العالم. ويولّد ذلك قدراً متزايداً من الضبابية نحو المستقبل، ويفتح المجال أمام نشوء فراغات أمنية تُفاقم حدّة التنافس وتغذّي عدم الاستقرار والصراعات في مناطق عدة. ويأتي الشرق الأوسط في قلب هذه الحسابات الجيوسياسية.

 

ثانياً، لا تزال المنطقة تعاني إرثاً طويلاً من عدم الاستقرار والصراعات والتدخلات الخارجية. ولا تزال دول كثيرة فيها تعتمد على قوى خارجية لتأمين حمايتها بدرجة كبيرة، ما يحدّ من قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية عبر آلياتها الخاصة. والنتيجة هي بيئة أمنية تظل فيها دول المنطقة عرضةً لقرارات تتخذها قوى خارجية بصورة متكررة، أو لتحركات جهات فاعلة تحظى بدعم من أطراف خارجية.

 

ثالثاً، نشهد اليوم تداعي البنية الأمنية الإقليمية التي استقرّت عليها المنطقة لعقود. فعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، بات يُنظر إلى الولايات المتحدة بشكل متزايد على أنها أقل قابلية للتنبؤ، وأقل مصداقية وموثوقية في توفير الأمن مما كانت عليه في السابق. فضلاً عن ذلك، زاد الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل من تعقيد هذه الصورة إلى حدّ كبير. في المقابل، لم تُظهر القوى الخارجية الأخرى التي قد تُشكّل بديلاً، ولا سيما الصين، الرغبة أو القدرة على الاضطلاع بدور أمني شامل مماثل للدور التقليدي الذي أدّته الولايات المتحدة. ومن هنا تتزايد حاجة القوى الإقليمية إلى تطوير آلياتها الأمنية على مستويات عدّة.

 

رابعاً، تؤدي المنافسة المتصاعدة على الهيمنة بين إسرائيل وإيران إلى نتائج مدمرة لا تحتملها بقية دول المنطقة، وتجرّ دولاً أخرى إلى صراعهما رغماً عنها. لذلك، تبرز مصلحة دول المنطقة في تطوير آليات تحميها من التحوّل إلى ضحايا سلبيين في منافسة استراتيجية أوسع، وتفرض في الوقت نفسه كلفة على الأطراف التي تراهن على زعزعة استقرار المنطقة من أجل تعزيز نفوذها أو المضي في أجنداتها نحو مزيد من الهيمنة.

 

خامساً، لا تستطيع أي دولة إقليمية بمفردها مهما بلغ وزنها الاقتصادي أو العسكري أو السياسي، معالجة مشكلات المنطقة الأمنية وتحدياتها. كما أن الاستقرار والأمن يشكلان شرطين أساسيين لخطط التحوّل الاقتصادي والتحديث والتنمية طويلة الأمد التي تتبناها حكومات عدة في المنطقة، من بينها القوى الثلاث المعنية. ومن دون بيئة أمنية أكثر استقراراً، ستبقى هذه البرامج التنموية عرضة للحلقة المفرغة التي تفرضها الأزمات الإقليمية المتلاحقة.

 

وعليه، بات العمل الإقليمي الجماعي ضرورة ملحّة. وللدول الأكثر قدرة مصلحة واضحة في الاضطلاع بدور أكثر استباقية، والمبادرة إلى بناء آليات جماعية تُسهم في ترسيخ الاستقرار والأمن وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق مزيد من الازدهار. وتتمتع تركيا والسعودية وباكستان بمقومات تؤهلها لتشكيل نواة لهذا المسار، نظراً إلى قوة علاقاتها الثنائية وتكامل قدراتها وامتدادها الجغرافي الواسع والتقاطع في مصالحها الاستراتيجية على نطاق واسع.

 

طبيعة الميثاق وأهدافه

 

تتخذ هذه الاتفاقية طابعاً دفاعياً. فهي لا تهدف إلى الحلول محل الولايات المتحدة أو الترتيبات الأمنية القائمة، كما لم تُطرح بوصفها موجّهة ضد أي دولة أخرى. ويتمثل هدفها المعلن في تعزيز التعاون الاستراتيجي بين أعضائها الثلاثة لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية، والإسهام في ترسيخ السلام والاستقرار والازدهار.

 

وفي الوقت نفسه، تتمتع الاتفاقية بمرونة تسمح باستيعاب اختلاف الأولويات الأمنية بين أعضائها. فلكل دولة بيئتها الاستراتيجية الخاصة: تتركز مخاوف السعودية خصوصاً على التهديدات الناشئة في الخليج وعلى المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية الأوسع؛ فيما تنشغل تركيا بعدم الاستقرار في المشرق وبالأجندة الإسرائيلية للهيمنة في جوارها الأوسع؛ بينما تبقى الهند مصدر القلق الأمني التقليدي الرئيسي بالنسبة إلى باكستان. لا تنتقص هذه التباينات بشأن التهديدات المرجحة من أهمية الاتفاقية بالضرورة، بل تكشف عن اتساع نطاق المصالح الأمنية التي يشملها هذا الإطار.

 

من المهم أيضاً الإشارة إلى أن هذه الاتفاقية ليست تحالفاً طائفياً خلافاً لما يميل بعض المراقبين إلى تصويره. فهذه القراءة لا تُغفل المنطق الاستراتيجي للاتفاقية فحسب، بل تُستخدم أحياناً لتأجيج التوترات الإقليمية أو التقليل من أهميتها. فالدول الثلاث تُعتبر قوى إسلامية كبرى تتمتع بقدرات متكاملة إلى حد كبير، إذ تتميز السعودية بقوتها المالية والطاقوية، وتحتل موقعاً فريداً في العالم الإسلامي ومنطقة الخليج العربي. وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك مؤسسة عسكرية كبيرة وصناعة دفاعية سريعة التوسع، فضلاً عن نفوذ سياسي واسع في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. أما باكستان فهي دولة نووية تتمتع بقدرات عسكرية كبيرة، وترتبط بعلاقات استراتيجية راسخة مع كل من تركيا والسعودية.

 

ومن شأن الموقع الجغرافي لهذه الدول وقدراتها وعلاقاتها السياسية ومصلحتها المشتركة في استقرار المنطقة أن تجعل تعاونها منطقياً من الناحية الاستراتيجية، من دون الحاجة إلى تفسير هذا التعاون بمنطق طائفي.

 

بالإضافة إلى ذلك، لا يمثّل الميثاق «ناتو شرق أوسطياً» أو «ناتو إسلامياً». فهو ليس تحالفاً أيديولوجياً، ولم يُصمَّم لمواجهة تحالف آخر، كما أنه لا يعمل ضمن البيئة الاستراتيجية أو المؤسسية أو العملياتية نفسها التي يعمل فيها حلف شمال الأطلسي. وينبع جانب كبير من الالتباس من البند الذي يعتبر أي هجوم مسلّح على أحد الأعضاء هجوماً على الجميع. ويشبه ذلك مبدأ الدفاع الجماعي لدى حلف الناتو، لكن لا ينبغي المبالغة في هذا التشابه. فالتضامن الجماعي لا يعني بالضرورة أن يؤدي كل هجوم تلقائياً إلى استجابة عسكرية متماثلة، بصرف النظر عن حجمه أو ظروفه أو سياقه السياسي.

 

كما شدّد أعضاء اتفاقية مكة على أن هذا البند ينسجم مع الحق الأصيل في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس، المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. لذلك، ينبغي النظر إلى الاتفاقية، في مرحلتها الأولى، بوصفها إطاراً للتشاور والتنسيق والردع والتعاون في مجال الأمن الجماعي، أكثر منها تحالفاً عسكرياً صارماً مستنسخاً مباشرة من نموذج حلف شمال الأطلسي.

 

 

التداعيات

 

من المرجح أن تُضاف اتفاقية مكة إلى الترتيبات الأمنية القائمة بدلاً من أن تحلّ محلها. ويمكن لها أن تتكامل مع علاقات السعودية بالولايات المتحدة وشركاء آخرين، والأطر القائمة داخل مجلس التعاون الخليجي، وعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، والشراكات الدفاعية الدولية لباكستان، فضلاً عن العلاقات الأمنية الثنائية بين الدول الثلاث.

 

وتكمن قيمتها المضافة في أنها تربط هذه الدول ضمن إطار إقليمي لا تهيمن عليه قوة خارجية واحدة. وفي أوقات الأزمات، قد يسهّل ذلك التشاور السياسي بوتيرة أسرع، ويعزّز التنسيق الإقليمي، ويتيح استجابة تتمتع بقدر أكبر من الشرعية الإقليمية.

 

ومع ذلك، ستؤثر الاتفاقية في الحسابات الاستراتيجية للقوى الخارجية. فقد يؤدي تعزيز التنسيق بين تركيا والسعودية وباكستان إلى تقوية موقع الدول الثلاث التفاوضي في مجالات مثل المشتريات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، والتعاون العسكري، ودبلوماسية الأزمات. وقد تدفع أيضاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى النظر إليها بصورة متزايدة بوصفها دولاً تسهم في توفير الأمن، لا مجرد مستهلكة له.

 

مع ذلك، من المهم عدم المبالغة في التوقعات بشأن ما يمكن أن تُحققه هذه الاتفاقية على المدى القريب. فمثل هذه الأطر تحتاج إلى وقت وجهد لبناء المؤسسات المطلوبة، ورفع مستوى الانخراط، وتعزيز التعاون والتنسيق ومواءمة العمل بما يسمح بتحقيق نتائج ملموسة. وفي غضون ذلك، من المرجح أن يواجه هذا الإطار تحديات من أطراف تتغذّى على عدم الاستقرار والأزمات الإقليمية. ولن يكون اجتياز هذه الاختبارات المبكرة مهمة سهلة في الشرق الأوسط.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: المملكة العربية السعودية، تركيا

المؤلف

زميل أول غير مقيم
علي باكير، زميل أول غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وأستاذ الشؤون الدولية والأمن والدفاع في جامعة قطر.   شغل سابقًا منصب زميل أول غير مقيم في المجلس الأطلسي، وعضو فريق عمل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.   قبل انضمامه إلى جامعة قطر، عمل باكير كمستشار سياسي أول في سفارة دولة قطر في أنقرة-تركيا.… Continue reading اتفاقية مكة للدفاع المشترك: طبيعتها، أهدافها، ودلالتها؟