وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتصافحان في خلال مؤتمر صحفي، في 30 يناير 2023 في القدس. رونالدو شميدت / عبر رويترز

إهمال بايدن الاستراتيجي لفلسطين يأتي بنتائج عكسية

لقد بذلت الإدارة الأمريكية الحالية قصارى جهدها للتغاضي عن الفلسطينيين وقضيّتهم. ولكن من خلال سماحها لإسرائيل بمواصلة الاعتداءات وأعمال العنف، ساءت الظروف إلى حدّ كبير وأدّت الأزمات المتكرّرة إلى جذب الانتباه مجدّداً نحو الولايات المتحدة. كيف سيكون مصير هذه السياسة الفاشلة الآن في ظلّ الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل؟

21 مارس، 2023
معين رباني

منذ بداية ولايتها، كانت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مُتردِّدة في الانخراط في القضية الإسرائيلية الفلسطينية بشكل كبير. وبدلاً من ذلك، ركّزت جهودها المحدودة على إدامة الوضع الراهن بحجّة أنّ الظروف غير مؤاتية لخلق مبادرات من أجل تغييره. وما يمكن وصفه بسياسة “الإهمال الاستراتيجي”، يهدف حقيقة إلى الحفاظ على رأس المال السياسي عبر إبقاء القضية الفلسطينية خارج الأجندة الإقليمية والدولية، بحيث تتمكّن واشنطن من الاهتمام بأولوياتها الأخرى في السياسة الخارجية، مثل برنامج إيران النووي، والتنافس مع الصين، وروسيا والحرب في أوكرانيا منذ العام الماضي.

 

إلّا أنّ هذا النهج غير المبالي قد فشل. مراراً وتكراراً، على مدار العامين الماضيين، فشلت محاولة الإدارة الأمريكية تجاهل الواقع نتيجة سلسلة من التطوّرات التي لا يمكن تجاهلها، ومن ضمنها التوتّرات المُتزايدة والعنف المُتصاعد الذي هدّد بتقويض الأجندة الأمريكية.

 

ويؤكّد العام 2023 مجدّداً على حماقة الإهمال الاستراتيجي وعواقبه المدمّرة. ومع بنيامين نتنياهو في قلب السلطة الإسرائيلية مرّة أخرى يدعمه أعضاء حكومة تشبه إلى حدّ كبير حكومة موسوليني، يقوم القادة الإسرائيليون باستفزاز الفلسطينيين بطريقة منهجيّة، وقد صعّدوا العنف المُمارس في الضفة الغربية إلى مستوى لم نشهده منذ انتفاضة الأقصى بين العامين 2000 و2004. وبعيداً من تهميش فلسطين وإقصائها، لا تُهدِّد هذه السياسة الفلسطينيين فحسب، وإنّما الاستقرار الإقليمي أيضاً الذي تضعه واشنطن على رأس أولوياتها.

 

استراتيجية معيبة

من الناحية العملية، أدّى الإهمال الاستراتيجي واستمرار الوضع الراهن إلى استمرار الدعم الأمريكي لترسيخ الحكم الإسرائيلي الدائم على الفلسطينيين، وإلى إفلاتها من العقاب في سعيها لتحقيق هذا الهدف. في الواقع، رفضت إدارة بايدن إلغاء الإجراءات والمبادرات العديدة التي نفّذتها إدارة ترامب لدعم أجندة الضمّ الإسرائيلية. وتبنّى بايدن كذلك سياسة سلفه المميزة في متابعة التطبيع العربي مع إسرائيل من أجل زيادة تهميش القضية الفلسطينية. وبالدلالة نفسها، تستمرّ واشنطن في التصدّي للمبادرات الفلسطينية للطعن في خطّة الضمّ مثل اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.

 

تكمن مشكلة واشنطن في أنّ الإبقاء على الوضع الراهن، أي سياسية الضمّ الزاحف، ينطوي بطبيعته على تغييرٍ في الوضع ، فهو عبارة عن حملة إسرائيلية نشطة متواصلة لطرد الفلسطينيين، فتثير مقاومة فلسطينية باستمرار، ما ينتج عنها حالة من عدم الاستقرار المُزمن. من هنا، تُعدُّ السياسة القائمة على واقع جامد معيبة، وبالتالي من الوهم إعطاء الأولوية للاستقرار من دون القيام بشيء لوقف الضمّ الزاحف أو إلغائه.

 

وهذا ما ظهر في الواقع وبوضوح لبايدن ووزير خارجيته أنطوني بلينكن في خلال الأشهر الأولى من توليهما منصبيهما، عندما تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية على حيّ الشيخ جرّاح في القدس الشرقية والمسجد الأقصى، وتحوّلت إلى مواجهات في جميع أنحاء إسرائيل والأراضي المُحتلّة، خلّفت آلاف الضحايا. وإزاء اتساع نطاق المظاهرات المؤيّدة للفلسطينيين في جميع أنحاء العالم العربي، وتحذير رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال مارك ميلي من “زعزعة أوسع للاستقرار” إذا استمر العنف الإسرائيلي، كان المطلوب تدخّل أمريكي رفيع المستوى لوضع حدّ لهذه الأعمال، بيد أنّ سياسة الإهمال بقيت سائدة.

 

اللاعقاب يغذّي التطرّف

ردّاً على التصعيد الأخير للحكومة الإسرائيلية الجديدة لأعمال العنف والاستفزازات، أشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس في البيان الذي ألقاه في يناير الماضي إلى أنّ السلطة الفلسطينية ستعلِّق التنسيق مع قوّات الأمن الإسرائيلية. وأمر عباس – المعروف منذ وقتٍ طويل بأنه ملحق غير شرعي وغير فعّال للحكم الإسرائيلي – دبلوماسيه بالترويج لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة، الذي قدّمته الإمارات العربية المتّحدة، ويعيد تأكيد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية. وفي ظلّ عدم رغبة واشنطن في استهجان الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي، بالتوازي مع تردّدها في التحوّل إلى الصوت الوحيد الداعم للضمّ الإسرائيلي فيما تطالب بقية العالم بالتنديد بالضمّ الروسي للأراضي الأوكرانية، أشار مسؤولون ومحلّلون إلى أنّ الفلسطينيين كانوا في موقع يُحسدون عليه للضغط على الأمريكيين.

 

مع ذلك، نجحت الولايات المتّحدة في هندسة سحب مشروع القرار واستبداله ببيانٍ رئاسي مُسكِّن يلزم أي حزب بشرط واحد وهو إلزام “السلطة الفلسطينية بالتخلّي عن الإرهاب ومواجهته”. أمّا الثمن الذي دفعته الإدارة من أجل تجنّب استخدام حقّ النقض المُحرج، كان التزاماً منها بدعوة عباس إلى البيت الأبيض في وقتٍ لاحقٍ من هذا العام.

 

ووفقاً للصحافي الإسرائيلي باراك رافيد، كانت الولايات المتّحدة “قلقة” أيضاً من أن “يؤدّي التصويت في مجلس الأمن إلى مزيد من التصعيد بين الإسرائيليين والفلسطينيين قبيل عيد الفصح وشهر رمضان المبارك، وهي فترة حسّاسة تاريخياً”. ومع ذلك، يأتي التصعيد كنتيجة دقيقة ومتوقّعة لجهود بلينكن من أجل حماية إسرائيل من أية مساءلة. ففي 22 فبراير الماضي، وبعد أقلّ من 48 ساعة على دعوة مجلس الأمن الخجولة “جميع الأطراف إلى الالتزام بالهدوء وضبط النفس” و”تهدئة الوضع على الأرض”، قُتل 11 فلسطينياً في هجوم إسرائيلي مكثّف في ساعات الصباح الاولى على نابلس.

 

ردّت واشنطن في 26 فبراير الماضي بعقد محادثات إسرائيلية فلسطينية رفيعة المستوى في ميناء العقبة الأردني مع الأردن ومصر، وصدر عن هذه البلدان أول بيان مُشترك منذ سنوات، وقد تعهّدت إسرائيل فيه بالامتناع مؤقّتاً عن أي مبادرات استيطانية إضافية. ولكنّه التزام فارغ إذ حُدِّد موعد لمشاورات إسرائيلية بشأن مبادرات استيطانية جديدة بعيد انتهاء اتفاقية العقبة. وكذلك أوضح نتنياهو ومسؤولون كبار آخرون أنّ “التزامهم بالعمل على الإنهاء الفوري للإجراءات الأحادية الجانب” لن يؤثِّر في تنفيذ القرارات الحالية بشأن التوسّع الاستيطاني.

 

وبينما شكر الطرفان واشنطن على “دورها الحيوي في الجهود المبذولة لمنع تدهور الأوضاع وإيجاد آفاق للسلام”، تمّ التأكيد في اليوم نفسه على انفصال إجراءات العقبة عن الواقع في غرب نهر الأردن، وعدم ارتباط السلطة الفلسطينية بهذا الواقع. ففي بلدة حوارة، قتل مسلّحٌ فلسطيني مستوطنَيْن إسرائيليَين ردّاً على غارة سابقة على مدينة نابلس المجاورة. وتبع ذلك اعتداءات شنّها المستوطنين في حوارة مساءً، وهو ما وصفه قائد الجيش الإسرائيلي في الضفّة الغربية، اللواء يهودا فوكس، بالإضافة إلى العديد من المعلّقين الإسرائيليين الرئيسيين، بأنه “مذبحة“. وللتأكيد على هذه النقطة، طالب وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، إسرائيل بالتصرّف “بطريقة توحي بأنّ صاحب المنزل قد جنّ جنونه”، وبعد عدّة أيام من الاعتداءات الإسرائيلية أعلن عن “وجوب محو حوارة” على يد الحكومة.

 

الادعاءات بأنّ الجيش الإسرائيلي فشل في منع الاعتداءات في حوارة لأنه فوجئ بالمستوطنين الذين أعلن قادتهم عن نواياهم صراحة على وسائل التواصل الاجتماعي هي مزاعم مضحكة في أحسن الأحوال. في الواقع، لطالما جرى تمكين المستوطنين المسلّحين وحمايتهم من الجيش كمسألة تتعلّق بالسياسات، وهم يعملون بشكل فعّال كميليشيا مُساعدة في خدمة الدولة الإسرائيلية. المستوطنون والداعمون لهم ممثلون جيّداً في الجيش الإسرائيلي، ولا يحتلّ عدد من قادتهم الأكثر تعصّباً الأراضي الفلسطينية فحسب، بل يشغلون أيضاً مناصب عليا في الدولة.

 

وبالفعل، كان أداء الجيش بعد عدّة أيام فعّالاً بطريقة نموذجية، عندما منع مجموعة من النشطاء من دخول حوارة للتعبير عن تضامنهم مع سكّانها الفلسطينيين، وتعامل بخشونة مع رئيس البرلمان السابق أفراهام بورغ. وأكثر من ذلك، سمح الجنود في 6 مارس لمجموعة من المستوطنين بالهجوم على البلدة مجدّداً، وهذه المرّة رقصوا معهم في الشوارع احتفالاً بعيد البوريم اليهودي. إنّ مقتل 6 فلسطينيين آخرين على يد الجيش الإسرائيلي في جنين في اليوم التالي، وتأييد واشنطن للهجوم باعتباره “حقّاً شرعياً” لإسرائيل، يتوافق تماماً مع انسياب الأحداث.

 

إهمال الهاوية

على الرغم من أنّ إسرائيل هي المستفيد الأول والشعب الفلسطيني هو الضحية الرئيسية لسياسة الإهمال الاستراتيجي لواشنطن، إلّا أنّ هذه السياسة مُصمَّمة قبل كلّ شيء لخدمة المصالح الأمريكية. وكما أوضحت الأحداث الأخيرة بشكل مُتزايد، تستند هذه السياسة إلى فرضية خاطئة مفادها أنّ إسرائيل قويّة وعقلانية بما يكفي، وأنّ الفلسطينيين عاجزون بما يكفي، ممّا يخلق استقراراً طويل الأمد بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، وبالتالي يبقي القضية الفلسطينية خارج جدول الأعمال الإقليمي والدولي. من الصعب التنبؤ بكيفية تطوّر العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية في الأسابيع والأشهر المقبلة، وهي عرضة لمتغيّرات عديدة. لكن من الواضح أن سياسة واشنطن محكوم عليها بالفشل وتتّجه نحو الهاوية بسرعة مُتزايدة.

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفيها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: الاحتجاجات والثورات، السياسة الأمريكية الخارجية
البلد: فلسطين، فلسطين-إسرائيل

المؤلف

زميل غير مقيم
 معين رباني هو زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. وهو أيضاً باحث ومحلّل ومعلّق متخصّص في الشؤون الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، بالإضافة إلى قضايا الشرق الأوسط المعاصر.   ومن بين المناصب التي شغلها ربّاني، كان المسؤول الرئيسي للشؤون السياسية في مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، ورئيس قسم الشرق الأوسط في مؤسسة… Continue reading إهمال بايدن الاستراتيجي لفلسطين يأتي بنتائج عكسية