الرئيس الفلسطيني محمود عباس يستقبله نائب أمير منطقة مكة المكرمة الأمير بدر بن سلطان لدى وصوله لحضور قمة جامعة الدول العربية في جدة، المملكة العربية السعودية، 18 مايو 2023. وكالة الأنباء السعودية / عبر رويترز

هل سينعكس التقارب السعوديّ الإيرانيّ على الفلسطينيين؟

تأثّر الفلسطينيون، شأنهم شأن الكثيرين في الدول المحيطة، بالتنافس والصّراعات الإقليمية التي شهدها العقد الماضي. فكيف سينعكس عليهم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران مؤخّراً؟

25 مايو، 2023
عمر حسن عبد الرحمن

وسط روح التقارب الدبلوماسي والتطبيع في الشرق الأوسط – الذي شهد مؤخّراً إصلاح العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، فضلاً عن الترحيب بالرئيس السوري بشار الأسد في قمة جامعة الدول العربية هذا الشهر – خطت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس خطوة نحو الأمام لإصلاح علاقاتها الإقليميّة.

 

في منتصف شهر أبريل، توجّه وفدٌ من كبار المسؤولين في حماس برئاسة إسماعيل هنية وخالد مشعل إلى السعودية تحت ستار الحج. ومع ذلك، ظهرت بوضوح الأهمية السياسيّة لهذه الزيارة، إذ إنّها الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد من تفكك العلاقات بين حماس والرياض.

 

وصف عددٌ من المحللين الزيارة على أنّها نتاج الاتفاق الدبلوماسي المفاجئ بين إيران والمملكة العربية السعودية، والذي توسّطت بكين بتحقيقه في شهر مارس. ومع ذلك، قد يكون الأمر مبالغاً فيه، إذ سبقته سلسلة من الخطوات المماثلة في السنوات الأخيرة، مثل مقابلة مشعل التلفزيونية على قناة العربية السعودية في العام 2021 وإطلاق الحكومة السعودية سراح السجناء السياسيين التابعين لحماس.

 

ومع ذلك، توفّر الأجواء الجديدة التي ولّدها الاتفاق السعودي الإيراني، من دون أدنى شكّ، بيئة أكثر ملاءمة للمصالحة بين حماس والسعودية. علاوة على ذلك، تثير الزيارة أسئلة مهمة حول انعكاسات التقارب السعودي الإيراني على الفلسطينيين على نطاق أوسع، وتحديداً بسبب بذل الولايات المتحدة وإسرائيل جهوداً كبيرة لإشراك الرياض في اتفاقات أبراهام – مشروع التطبيع الذي أطلقته إدارة ترامب في العام 2020 واستكمله الرئيس جو بايدن منذ ذلك الحين.

 

صحيحٌ أنّ التقارب الأخير لا ينعكس مباشرة على وضع الفلسطينيين إزاء إسرائيل، إلّا أنّه قد يخفّف قليلاً من الضغط الذي تصاعد في السنوات الأخيرة من خلال إنهاء فترة الاستقطاب الإقليمي وعكس زخم اتفاقات أبراهام.

 

التعامل مع منطقة معقّدة

 

لطالما اعتمد الفلسطينيون بشكل كبير على البيئة الإقليمية والدعم الخارجي لقضيتهم السياسية، في ظلّ افتقارهم إلى دولة خاصة بهم. على هذا النحو، إضطرت حركة التحرير الفلسطينية، طوال عقود، إلى التّعامل بحذر مع سياسات الشرق الأوسط المعقّدة وتجنّب استعداء مصادر الدعم والعداء المحتملة. غير أنّ البيئة الإقليمية تكون محفوفة بالمخاطر، في بعض الأحيان، ممّا يجعل ذلك مستحيلاً.

 

شكّل غزو صدام حسين للكويت في العام 1990 لحظة من هذا القبيل. إذ وجد الرئيس ياسر عرفات نفسه في موقف لاتخاذ قرار لا يُحسد عليه، عالقاً بين داعمَين أساسيّين لمنظمة التحرير الفلسطينية واللذين استضافا جاليات فلسطينية كبيرة. حاول في نهاية المطاف تحقيق نوع من التوازن من خلال معارضة الغزو العسكري الأمريكيّ للعراق لصالح جهد دبلوماسي إقليمي – وهو موقف مبهم اعتبره حلفاء منظمة التحرير الفلسطينية في الدول الخليجية بمثابة خيانة، نظراً لأنّ الكويت كانت ضحية العدوان العراقي. دفعت الجاليات الفلسطينية في الكويت، والسياسة الفلسطينية بشكل عام، الثمن غالياً بسبب ذلك، حيث أجبِر مئات الآلاف على مغادرة البلاد وشهدت منظمة التحرير الفلسطينية أسوأ تهميش دبلوماسي في تاريخها.

 

شكّلت ثورات الربيع العربي في العام 2011 والمنافسة الإقليمية التي تلتها بين معسكرين إيديولوجيين متنافسين مثالاً آخر على الضغط الذي تواجهه الجهات الفاعلة السياسية غير المعنيّة للاختيار بين طرفين. وينطبق هذا بشكل خاص على العداء المرير بين التحالف السعودي الإماراتي وإيران، والذي قسّم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (فضلاً عن مناطق أخرى مثل القرن الأفريقي) ضمن حرب باردة أدّت إلى تفاقم الصراعات في عددٍ من البلدان مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن. ومع دعم طهران للنظام السوري ولعددٍ من الجهات الفاعلة من غير الدول، ومع توجّه التكتّل السعودي الإماراتي نحو تحالف أوثق مع إسرائيل، أصبح التوازن بالنسبة المجموعات الفلسطينية، مثل حماس، أمراً يتعذّر تحقيقه، وتضرّرت علاقاتها الإقليمية. (توتّرت العلاقات بين حماس وطهران في البداية بعد أن اختارت حماس عدم تأييد نظام الأسد المدعوم من إيران ضد المعارضة السورية).

 

يحظى قرار المملكة العربية السعودية باستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران بأهميّة في هذا الصدد لسببين. أوّلاً، يحدّ هذا القرار من الاستقطاب العنيف والمنافسة في المنطقة. وفي حين أنّه من المحتمل أن يُسمع صداه بشكلٍ كبير في العراق وسوريا واليمن ولبنان مثلاً، إلّا أنّه يزيل الضغط عن الفلسطينيين أيضاً.

 

ويعود ذلك بالفائدة على القادة السياسيين الفلسطينيين الذين أجبروا على اتخاذ مواقف صعبة هدّدت مصادر دعمهم المادي، وعلى الجاليات الفلسطينية التي تعيش في الدول العربية والتي غالباً ما تتحمّل عواقب تلك القرارات – كما حدث في الكويت بعد العام 1990 وفي سوريا بعد العام 2011.

 

كما يساهم التخفيف من حدّة التوترات في تحرير القوى الإقليمية من اضطرارها إلى الانحياز لأيّ طرف من الفصائل الفلسطينية المتنافسة. لذلك لم يكن من المفاجئ أن تستضيف المملكة العربية السعودية رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في الوقت نفسه الذي تواجد فيه مسؤولو حماس في البلاد، حيث حرصت الرياض على إظهار التوازن في علاقاتها. علاوة على ذلك، يشكّل الاتفاق السعودي الإيراني الذي توسّطت بكين بتحقيقه علامة واضحة على تصرّف الرياض وحلفائها بشكل أكثر استقلالية عن شراكتهم الطويلة مع واشنطن. ويمكن أن تعود هذه الفترة الحالية من تعددية الاقطاب وتأكيد القوة المتوسطة بالفائدة على الفلسطينيين؛ فمن الواضح أنّ الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط لم تخدم المصالح الفلسطينية، ويمكن أن يوفّر التغيير في النظام الإقليمي فرصاً جديدة.

 

صفعة لاتفاقات أبراهام

 

أمّا السبب الثاني الذي يؤكّد على أهميّة التقارب السعودي الإيراني بالنّسبة للفلسطينيين، فهو ارتباطه بعملية التطبيع العربي مع إسرائيل التي تجري في الوقت نفسه. نظراً إلى أنّ الفلسطييين تكبّدوا الضررّ التبعيّ من هذه العملية – أو على الأرجح شكّلوا هدفاً لها، أقلّه من وجهة نظر إسرائيل – فإنّ انحراف عمليات التطبيع المتلاحقة عن مسارها يُعتبر نتيجة إيجابية بالنسبة لهم. ويكتسي القرار السعودي (وقرار الإمارات العربية المتحدة بإعادة العلاقات مع إيران في العام 2022) أهميّة خاصة لأنّه يتحدّى الأساس المنطقي لاتفاقات أبراهام والسردية المحيطة بها، التي تمحورت حول حشد جبهة إقليمية لمواجهة إيران. وقد وفّر ذلك، إلى جانب واجب حماية البنية الأمنية الأمريكية في منطقة الخليج، الدافع الأساسيّ لإبرام هذه الاتفاقات.

 

في الواقع، تتمثّل واحدة من نقاط الضعف الأساسية في اتفاقات أبراهام في افتقارها إلى إنجاز أساسيّ. فعلى الرغم من صياغتها على أنّها اتفاقات سلام، إلّا أنّها تصل في النهاية إلى إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الدبلوماسية بين دول غير متحاربة. علاوة على ذلك، أي اتفاق يقوم على بناء التحالفات لغرض تعزيز الأمن، لا بدّ من أن ينافس البدائل التي تهدف إلى تحقيق الغرض نفسه، في نهاية المطاف. وبالتالي، قد يحقّق التوصل إلى اتفاق مع إيران كخصم أساسي نتيجة أفضل من تصعيد التوترات بسبب المواقف الصداميّة، الأمر الذي يضع الدول الخليجيّة في مرمى إيران ووكلائها بقليل من الضمانات الصارمة بالحصول على المساعدة من الولايات المتحدة أو إسرائيل.

 

وإن دلّ التقارب مع إيران على شيء، فهو يدلّ على أنّ الدول العربية، بما فيها الإمارات العربية المتحدة، قد تعرّضت لقيود التطبيع مع إسرائيل وعدم القدرة المتزايدة على الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك أمني. وترسّخ هذا الادراك بعد أن شهدت الدولتان الخليجيتان سلسلة من الهجمات التي رعتها إيران على بنيتهما التحتية ومصالحهما التجارية بين العامين 2019 و 2022، من دون أيّ ردّ يذكر من جانب واشنطن.

 

كان ذلك من دون أدنى شكّ بمثابة جرس إنذار للدول الخليجيّة، التي بدأت في البحث عن نهج أقلّ تصادماً مع إيران وغيرها من المنافسين الإقليميين. بمساعدة العراق وسلطنة عمان، بدأت محادثات المصالحة بين المملكة العربية السعودية وإيران في العام 2020. وفي يناير 2021، رفع التحالف السعودي الإماراتي حصاره عن قطر. وبعد أشهر قليلة، بدأت الدول الخليجية بالمبادرات الدبلوماسية مع تركيا. وبحلول صيف العام 2022، تبادلت كلّ من الإمارات وإيران السّفراء، وحذت المملكة العربية السعودية حذوهما في ربيع العام 2023.

 

في الوقت نفسه، تعثّرت اتفاقات أبراهام. لم تُبرم أي اتفاقيات جديدة بعد مغادرة ترامب السلطة في يناير 2021. وقد تردّد السودان في إعلانه الانضمام للعملية؛ وعدّلت دول مثل عمان، التي بدت كمرشح محتمل، قوانينها لتحظّر أي تعامل مع الإسرائيليين. حتى الإمارات، التي قادت التطبيع مع إسرائيل من الجانب العربي، بدت مواقفها أكثر تضارباً في الآونة الأخيرة. وكانت الإمارات قد استخدمت عضويتها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة 2022-2023 لدعم المواقف الفلسطينية وانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية. في حين أنّه من غير المرجح أن تنقض الإمارات علاقاتها الرسمية مع إسرائيل، إلّا أنّ حماسها لهذه العملية قد يكون قد بدأ يتضاءل.

 

نُشرت نسخة أطول من هذه المقالة في مجلة 972+ وهذه نسخة معدّلة منها. 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفيها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: الحرب الأهلية، الحوكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العلاقات الإقليمية، منافسة القوى العظمى
البلد: إيران، الإمارات العربية المتحدة، السودان، العراق، المملكة العربية السعودية، عُمان، فلسطين، فلسطين-إسرائيل، قطر

المؤلف

عمر حسن عبد الرحمن هو زميل في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، حيث يركّز على فلسطين وجيوسياسيات الشرق الأوسط  والسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة. وهو محرّر أفكار، المدونة الالكترونية الصادرة عن المجلس لمعالجة التطورات الإقليمية وأهم القضايا التي تهمّ المنطقة.   كان سابقاً زميلاً غير مقيم في معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس في هيوستن.… Continue reading هل سينعكس التقارب السعوديّ الإيرانيّ على الفلسطينيين؟