هدنة اليمن: فرصة للسلام قد لا تعوّض
أفكار

زميل أوّل ومدير البحوث

14 سبتمبر، 2022

 

تعز، اليمن، أبريل 2021

 

شهد اليمنيون في خلال الأشهر الخمسة الماضية هدوءاً مؤقّتاً – مرحّبٌ به – من الحرب الأهليّة المُدمّرة المُستمرّة في بلادهم منذ سبع سنوات، إذ رعت الأمم المتّحدة هدنة بين الحكومة اليمنيّة الانتقاليّة المدعومة من ائتلاف عسكري تقوده السعوديّة بشراكة خجولة مع الحركة الانفصاليّة في جنوب اليمن، وبين حركة الحوثيين المدعومة من إيران والمُتحالفة مع عناصر من الحزب الحاكم السابق في اليمن. مُدِّد وقف إطلاق النار مرّتين منذ ذلك الحين، آخرهما في 2 أغسطس الماضي، ما منح السكّان المحاصرين وقتاً مُستقطعاً من الموت، وقلّل عدد الوفيات إلى أدنى مستوياتها منذ بدء الصراع، وسمح للطرفين بإعادة تجميع صفوفهما. وقد ترافق ذلك مع استبدال الحكومة الانتقاليّة زعيمها – الرئيس المؤقّت منذ سبع سنوات – عبد ربه منصور هادي بمجلس القيادة الرئاسي ذات قاعدة أوسع، وتجديد الحوثيون، الحركة الشيعيّة الزيديّة المُتمرّدة في شمال اليمن، قوّاتهم بعد محاولات مُكلفة، إنّما فاشلة، للاستيلاء على مدينة مأرب شرق العاصمة صنعاء والتقدّم في محافظة شبوة الغنيّة بالنفط.

 

وقد خلقت الهدنة كذلك فرصةً لتحريك المفاوضات المُتوقّفة من أجل إنهاء الحرب المُستمرّة منذ سنوات، والتي لم يتمكّن أي من الطرفين من حسمها لصالحه. تسيطر الحكومة الانتقاليّة وحلفاؤها على 70 بالمئة من مساحة اليمن، فيما يسيطر الحوثيون على العاصمة والأجزاء الشماليّة من البلاد التي يعيش فيها 70 بالمئة من اليمنيين. بالنسبة إلى الطرفين، لن يحقّق استمرار الاقتتال سوى مكاسب تدريجيّة وبكلفة باهظة: المزيد من الخسائر في الأرواح، وتآكل سبل العيش، وتدمير البنية التحتيّة، وإضعاف المؤسّسات المحلّيّة، وترسيخ المصالح الأجنبيّة. في الواقع، يتطلّب تحقيق سلام دائم تنازلات لا يريد أي من الطرفين المُتحاربَين تقديمها، ولو كانت أفضل من البدائل المُتاحة، علماً أنّ الهدنة الحالية هي بمثابة فرصة لا تفوّت لاستكشاف المعايير المقبولة من الجميع للتوصّل إلى تسوية.

 

كارثة إنسانيّة

 

أُدرِجت الحرب الأهليّة في اليمن بين الكوارث الإنسانيّة الأكثر تدميراً في القرن الحالي. يُقدّر برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي عدد الوفيات بين العامين 2014 و2021 بنحو 377 ألف حالة، سُجِّلت نسبة 70 في المئة منها بين الأطفال، وقد نتجت عنها عوامل مباشرة وغير مباشرة متّصلة بالصراع مثل تدنّي قدرة الوصول إلى الغذاء والمياه والخدمات الصحيّة. وبحسب برنامج الغذاء العالمي، وصل اليمن إلى مستويات “غير مسبوقة” من الجوع، بحيث أنّ 24 مليون شخص، أي 80 في المئة من السكّان، بحاجة إلى مساعدات إنسانيّة. . يُضاف إلى ذلك تآكل رأس المال البشري الذي تحتاجه البلاد لإعادة البناء نتيجة وجود أكثر من مليوني طفل في سنّ الدراسة خارج المدرسة.

 

يُعدُّ اليمن من أفقر دول الشرق الأوسط حتى منذ ما قبل اندلاع الصراعات الدمويّة فيه، حين لم يكن متوسّط ​​دخل الفرد يتجاوز 1500 دولار، فيما وصل معدّل الفقر إلى نحو 50 بالمئة. واجهت البلاد تحدّيات تنمويّة كبيرة، من ضمنها شحّ المياه وانعدام الأمن الغذائي وبنية تحتيّة غير متطوّرة. وقد ساهمت التفاوتات المناطقيّة وضُعف المؤسّسات في تحويل اليمن إلى أرض خصبة لظهور جهات مُسلّحة غير نظاميّة، مثل المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة والدولة الإسلاميّة، وقد أتت الحرب لتفاقم هذه المشكلات حدّةً.

 

الجميع (تقريباً) خسر

 

لا يبدو أنّ أياً من أطراف الصراع قريبٌ من النصر. ففي حين نجح الحوثيون في الدفاع عن العاصمة والمناطق الشماليّة التي يسيطرون عليها، وهو إنجاز لافت نظراً إلى القوّات المُحتشدّة ضدّهم، إلّا أنّها مناطق سكّانها فقراء بمعظمهم ومؤسّساتها العامة تضمحلّ. وقد فرض ائتلاف الجيوش المحلّيّة والعربيّة المُسلّح من القوى الغربيّة حصاراً خانقاً على الحوثيين، بحيث عزلهم عن العالم وحدَّ من تدفّق الإمدادات الحيويّة إلى مناطقهم. في الواقع، يفتقر التيّار الحوثي إلى شرعيّة دوليّة على الرغم من سيطرته على صنعاء، وفشل في تقديم مصالحه على الساحة العالميّة، عدا أنّه يتألّف من مجموعات ومصالح مُختلفة قد تنقسم في نهاية المطاف.

 

إلى ذلك، نجحت الحكومة الانتقاليّة في الحفاظ على سيطرتها في الجنوب على الرغم من الجهود الحوثيّة المستمرّة لقلب المعادلات، والاشتباكات مع الحركة الانفصاليّة التي تسيطر على عدن، معقل الجنوب، والمدعومة من الإمارات العربيّة المتّحدة. مع ذلك، تفتقر الحكومة الإنتقاليّة إلى الشرعيّة الشعبيّة على الرغم من الاعتراف الدولي بها. كان من المُفترض أنّ تنتهي ولايتها في العام 2014 مع انتهاء سنتي المرحلة الانتقاليّة التي تلت استقالة الرئيس علي عبد الله صالح وتشكيل مؤتمر الحوار الوطني، لكنّها استمرّت في الحكم نتيجة الدعم العسكري الذي تلقّته من الكيانات الأجنبيّة. في الواقع، أدار هادي البلاد من الرياض إلى حين استقالته في أبريل الماضي. وفي حين أنّ مجلس القيادة الرئاسي قد يخلق تماسكاً أكبر بين التحالف الجنوبي ويقدّم فرصةً جديدة لدفع عملية السلام، فإنّ التحالف نفسه يضمّ مجموعات ذات مصالح مُتباينة.

 

حقّقت السعودية، من بين الجهات الدوليّة الفاعلة، هدفها في منع الحوثيين من السيطرة على كامل اليمن، ولكنّها لم تُحرِز أي تقدّم على الأرض على الرغم من قدراتها العسكريّة المتفوّقة ونفقاتها الكبيرة. فضلاً عن ذلك، واجهت الرياض ردود فعل دوليّة عنيفة بسبب ضرباتها الجوّيّة المُكثّفة على اليمن وانتهاكها لحقوق الإنسان، وهو ما انعكس أيضاً على الولايات المتّحدة بسبب دعمها لها. في الواقع، يعود التدخّل الأمريكي إلى مخاوفها من النفوذ الإيراني في شبه الجزيرة العربيّة ووجود تنظيمَيّ القاعدة والدولة الإسلاميّة في البلاد. لكن الخطوات الأمريكية، للمفارقة، أدّت إلى تعزيز هذا الوجود لا دحره. قد تكون إيران والإمارات الدولتين الوحيدتين اللتين عزّزتا مصالحهما، إذ يدين الحوثيين بالفضل للأولى، فيما اكتسبت الثانية موطئ قدم استراتيجي في جنوب اليمن على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبّدتها.

 

ما العمل؟

 

لم يتحقّق أي تقدّم في عمليّة السلام حتّى الآن، على الرغم من جهود الوسطاء المُتضافرة، لا سيّما أنّ انخراط مجموعات محلّيّة وجهات دوليّة بأجندات مُتنافسة أدّى إلى تعقيد الحلّ. مع ذلك، دفعت سبعُ سنوات من الجمود والخسائر الأطرافَ المُتحاربة على الموافقة على الهدنة المُستمرّة لليوم، ولو تخلّلتها بعض الخروقات المُسجّلة نتيجة استمرار الحوثيين بمحاصرة مدينة تعز، وعدم فتح قوّات التحالف جميع الطرق المُتّفق عليها المؤدّية إلى شمال البلاد. في الواقع، منع الهدوء المؤقّت المزيد من التدهور في الظروف الإنسانيّة، ووفّر لأطراف الصراع مساحة للتفكير. ينتهي التمديد الأخير لإتفاق الهدنة في الثاني من أكتوبر المقبل، ما يعني أنّ القرارات التي قد تُتخذ في خلال هذه الفترة ستُحدّد مسار الصراع. بشكل عام، هناك ثلاثة مسارات لمستقبل اليمن.

 

أوّلاً، قد يتجدّد القتال إذا وجد أحد الطرفين أو كلاهما مصلحة فيه، بما يجعل الوضع كارثياً مع ازدياد المعاناة الإنسانيّة وضعف البنية التحتيّة واشتداد ضراوة المعارك. بالتوازي، قد لا تُنتج هذه الحسابات سوى بعض المكاسب تدريجياً، والأرجح أنّ تأتي بنتائج عكسيّة. على سبيل المثال، يراهن الحوثيون على تخلّي السعوديين عن أهدافهم من هذه الحرب، وهو ما ينقضه الواقع في السعوديّة، التي تظهر فيها تحوّلات اقتصاديّة واجتماعيّة تُعزّز رغبة شعبها ومؤسّساتها في مواجهة التحدّيات، عدا أنّ ارتفاع أسعار النفط عالمياً مكّنها من حشد موارد إضافيّة تقيها أعباء النفقات العسكريّة، بالإضافة إلى قلقها من وجود إيراني بالوكالة على حدودها والذي قد يدفعها إلى مواصلة القتال. مع ذلك، لطالما كان التأثير الإيراني في القرار الحوثي مُبالغاً فيه، إلّا أنّ إدامة الصراع قد تنعكس بإنتاج علاقات أوثق بين الحوثيين وإيران.

 

ثانياً، يمكن للهدنة أنّ تستمرّ من دون التوصّل إلى حلّ نهائي، وبالتالي تقسيم البلاد. وبالفعل، هناك حوافز قويّة تدفع بهذا الاتجاه. لا شكّ في أنّ الحوثيين راضون عن سيطرتهم على الجزء الشمالي من البلاد، وهي منطقة أوسع من قاعدتهم التقليديّة في صعدة. وفي الوقت ذاته، قد يسعى الإنفصاليون في الجنوب إلى إبرام صفقة مع الحوثيين لتقسيم اليمن بينهم، وبالتالي إخراج الحكومة الانتقاليّة، وهو ما قد يُنتج ظروفاً شبيهة بالحرب الباردة، خصوصاً (كما هو مرجّح) مع مأسسة العقوبات والحصار المفروضين من السعوديّة والولايات المتّحدة. في الحصيلة، سوف يزيد مُعدّل الفقر وحدّته بين السكّان، بما يدفع الحوثيين حتماً إلى الاعتماد أكثر على إيران، وبناء علاقات مع أطراف أخرى من خارج نطاق النفوذ الغربي.

 

ثالثاً، يمكن للأطراف المُتقاتلة أنّ تعمل للتوصّل إلى سلام دائم. توفّر الهدنة فرصة لرؤية فوائد التسوية، حتّى بالمقارنة مع السيناريوهات الأولى الفُضلى لدى هذه الأطراف. على سبيل المثال، حتّى لو تمكن الحوثيون من السيطرة على اليمن بأكمله، سوف يتمّ إقصاءهم دولياً، ما يصعّب عملية إعادة البناء، ويدفعهم إلى مواجهة مقاومة سنيّة في المناطق الجنوبية والشرقية، إسوة بمأرب التي استعصت عليهم. النتيجة الأكثر ديمومة بالنسبة لهم هي المحافظة على نفوذهم في جزء من الشمال الغربي للبلاد حيث يتمتّعون بدعم محلّي. في المقابل، سيكون على التحالف القبول بدور جوهريّ للحوثيين في دولة موحّدة، وتأمين دور أكبر للحركة الانفصاليّة في الجنوب في ظلّ نظام فيدرالي مُعدّل، على حساب حكومة مركزيّة أضعف وضمانات بتقليص النفوذ الأجنبي، لا سيّما أنّ البديل عن تسوية مماثلة لن يكون سوى استئناف الصراع بالكامل مع ما قد ينتج عنه من كوارث إنسانيّة سيخرج منها الجميع خاسراً، أو تقسيم البلاد وتحويلها إلى ساحة للصراعات الأجنبيّة بالوكالة وملاذاً للقوى المُسلحة غير النظاميّة.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.