بينما تخسر السلطة الفلسطينيّة سيطرتها على الضفّة الغربيّة،
تسارع إسرائيل لإنقاذها

19 سبتمبر، 2022

فلسطينيون يتظاهرون للمطالبة برحيل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في غزة، في 24 فبراير 2019. تصوير عبد الرحيم الخطيب

 

تكاد تكون الغارات العسكريّة الإسرائيليّة شبه ليليّة في مدينتي جنين ونابلس في شمال الضفّة الغربيّة. قتل الجنود الإسرائيليون، هذا العام، أكثر من 80 فلسطينياً في الضفّة الغربيّة – وهو العدد الأكبر المُسجّل منذ العام 2015 – واعتقلوا المئات في ما يُعدُّ بمثابة حملة بعيدة المدى لسحق مجموعات المقاومة الفلسطينيّة التي زادت قوّة وحزماً في تلك المناطق. وعلى الرغم من أنّ هذه الحملة تهدف ظاهرياً إلى كبح القدرة العملياتيّة للمجموعات المُسلّحة عبر استهداف مقاتليها في الداخل، في المقابل يبرز دافع آخر لا ينبغي تجاهله وهو الحفاظ على هيمنة السلطة الفلسطينيّة من خلال إضعاف منافسيها.

 

في الأشهر الأخيرة الماضية، احتشد عدد من الفصائل الفلسطينيّة ضمن جبهة مُعارضة موحّدة ضدّ رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عباس ومساعيه لتغيير عمليّات صنع القرار داخل منظّمة التحرير الفلسطينيّة، لا سيّما بعد أنّ عيّن يده اليمنى، حسين الشيخ، في منصبٍ يخوِّله لاحقاً خلافته في رئاسة المنظّمة. يأتي هذان الإجراءان في أعقاب خطوات أخرى أحاديّة الجانب ومثيرة للانقسام اتّخذها عباس ودائرته الصغرى لاحتكار السلطة، ومن ضمنها قرار إلغاء الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة التي طال انتظارها.

 

لا تستهدف الاعتداءات الإسرائيليّة على المدن ومُخيّمات اللاجئين في شمال الضفّة الغربيّة أعضاءً من حماس والجهاد الإسلامي فحسب، بل أيضاً مقاومين من فتح، أي من حزب عباس، إنّما غير موالين له، بالإضافة إلى كثيرين آخرين غير مُنتسبين لأحزاب ولكن يعارضون السلطة الفلسطينيّة. مع ذلك، تشكّل التوغّلات العسكريّة الإسرائيليّة سيفاً ذي حدّين للسلطة الفلسطينيّة، خصوصاً أنّ العقاب الجماعي المفروض والجنازات شبه اليوميّة في جنين ونابلس تضرّ بصورة السلطة الفلسطينيّة أكثر بسبب تنسيقها الأمني المستمرّ مع إسرائيل، وتزيد حدّة الاستياء في صفوف أجهزتها الأمنيّة. وبالفعل، شارك عضوٌ في الجهاز الأمني التابع للسلطة الفلسطينيّة خلال الأسبوع الماضي في مقتل ضابط عسكري إسرائيلي عند حاجز الجلمة بالقرب من جنين.

 

مع تداعي شعبيّة السلطة الفلسطينيّة وسيطرتها في أجزاء من الضفّة الغربيّة، يدقّ القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون ناقوس الخطر سرّاً، ويسارعون إلى تعزيز قدرة السلطة الفلسطينيّة – وربّما رغبتها – على تضييق الخناق. نقلت صحيفة هآرتس الأسبوع الماضي عن رئيس أركان الجيش المُنتهية ولايته، أفيف كوخافي، قلقه إزاء “غياب سيطرة جهاز الأمن الفلسطيني في أجزاء مُعيّنة [من الضفّة الغربيّة]”، وتداعيات ذلك على الأمن الإسرائيلي. وقال مصدر حكومي آخر للصحيفة: “نحاول مساعدتهم بكلّ الأدوات المتوفّرة لدينا”، مضيفاً أنّ إسرائيل تُخطّط لزيادة المساعدات الماليّة المباشرة الممنوحة إلى السلطة الفلسطينيّة عبر قنوات مُختلفة. أيضاً، ذكرت صحيفة إسرائيل هيوم في يوليو الماضي أنّ وزارتي الدفاع والماليّة تديران “صندوقاً سرّياً من خارج الميزانية” لتحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينيّة، وقد كُشِف عنه للمرّة الأولى في وثائق قضائيّة.

 

قد يبدو القلق الإسرائيلي من ضعف السلطة الفلسطينيّة غير منطقي بالنظر إلى تشويه سمعتها في الخطاب العام الإسرائيلي، لكنّه دليل على الدور الأساسيّ الذي تؤدّيه السلطة الفلسطينيّة في بنية السيطرة الإسرائيليّة ككلّ، من خلال التعاون في المسائل الأمنيّة اليوميّة وإدارة التجمّعات السكّانيّة الفلسطينيّة بالنيابة عن سلطة الاحتلال. في الواقع، ينتج ضعف السلطة الفلسطينيّة عن هذه السياسة الإسرائيليّة المُتناقضة، وكذلك تآكل شرعيّتها بسبب إلتزامها المُطلق بمساعي إسرائيل القديمة في صقل قيادة فلسطينيّة راضخة، بالإضافة إلى إخفاقاتها في الحكم. إلى ذلك، يدلّ تفاعل إسرائيل مع تراجع السلطة الفلسطينيّة أيضاً على كيفيّة تدخّلها المحتمَل في السياسة الفلسطينيّة في خلال الفترة الانتقاليّة الحرجة، والأرجح المُتفجّرة، التي سوف تلي حقبة عباس.

 

أزمة الشرعيّة

 

يأتي تداعي شرعيّة السلطة الفلسطينيّة بين قاعدتها الشعبية في صميم الأزمة التي تمرّ بها. تأسّست السلطة الفلسطينيّة في العام 1994 كجزء من إتفاقيّة أوسلو بهدف تولّي مسؤوليّات الحكم من سلطات الاحتلال الإسرائيلي في خلال ولاية تمتدّ إلى خمس سنوات، بالتوازي مع استمرار المفاوضات بين منظّمة التحرير وإسرائيل حول الوضع النهائي للحكم الذاتي الفلسطيني. وقد دخلت منظّمة التحرير في هذا العمليّة على أساس أنّ السلطة الفلسطينيّة ستتحوّل إلى دولة فلسطين المُستقلّة في النهاية. وبما أنّ هذا الهدف قد أصبح بعيد المنال، فقدت السلطة الفلسطينيّة سبب وجودها، وترسّخت تدريجياً كعضو ضمن الجهاز الدائم للسيطرة الإسرائيليّة. مع ذلك، لم يُظهِر عباس أي إشارة على تغيير استراتيجيّة منظّمة التحرير أو هدفها بإقامة دولة، ما خلق شرخاً آخذاً في الاتساع مع الشعب الفلسطيني الذي لم يعد يرى جدوى من تنفيذ خريطة الطريق هذه.

 

في الوقت نفسه، أصبحت المؤسّسات السياسيّة الفلسطينيّة الرئيسيّة استبداديّة وفاسدة وقمعيّة على نحو متزايد تحت قيادة عباس، ولم تجرَ انتخابات للسلطة الفلسطينيّة منذ العام 2005-2006. في الواقع، أدّى الانقسام بين فتح وحماس في العام 2007 إلى شلّ العمليّة التشريعيّة، وتفرّد عباس بالحكم من دون أي رقابة برلمانيّة أو قضائيّة، بحيث لم يكن يُطلب من المجلس الوطني لمنظّمة التحرير سوى المُصادقة على قراراته غير الديمقراطيّة. حتى داخل حركة فتح – الفصيل المُهيمن ضمن السلطة الفلسطينيّة – هناك انفصال كبير بين القيادة العليا المُتصلبة وبين أعضاء الحركة المستائين من نهجها والقادة الساخطين نتيجة استبعادهم من دائرة عباس الضيّقة.

 

ويُبيّن استطلاع للرأي أجري مؤخّراً أنّ حوالي 60 في المئة من الفلسطينيين في الأراضي المُحتلّة يعتقدون بأنّ السلطة الفلسطينيّة أصبحت عبئاً على الشعب الفلسطيني، ويفضّل نصفهم تقريباً حلّها. ويعبّر أكثر من 75 في المئة من الفلسطينيين عن رغبتهم باستقالة عباس، فيما قال 1 في المئة فقط من سكّان الضفّة الغربيّة إنّهم سيصوِّتون لخليفته المُختار، حسين الشيخ، في حال أُجرِيت الانتخابات. لكن مع تنامي السخط الشعبي، زاد اعتماد السلطة الفلسطينيّة على أجهزتها الأمنيّة القمعيّة للبقاء في السلطة.

 

تضارب السياسة الإسرائيليّة

 

لقد سعت إسرائيل على مدى عقود إلى إنشاء كيان حكم مطاوع ومُتعاون بين الفلسطينيين، يسمح لها بالاحتفاظ بأقصى سيطرة مُمكنة على الأراضي، وتوسيع مشروعها الاستعماري باستمرار، مع التنصّل من أي مسؤوليّة تجاه السكّان الفلسطينيين. وقد حاولت إسرائيل في السنوات الأولى لاحتلالها خلق “قادة” محلّيين مُستعدّين للتعاون معها مقابل حصولهم على امتيازات ضمن نظامها العسكري الوحشي. وفي العام 1976، عمدت إسرائيل إلى منح هؤلاء القادة مزيداً من المصداقية من خلال الإنتخابات البلديّة، لكنّهم هُزموا من مرشحين يحملون أجندة وطنيّة ومُرتبطين بمنظّمة التحرير الفلسطينيّة. لكن بعد عامين، رعت إسرائيل إنشاء روابط القرى، وهي شبكة من الشخصيّات “المُعتدلة” المُناهضة لمنظّمة التحرير من المناطق الريفيّة، وزوّدتهم بالتمويل والسلاح، بهدف تولّيهم التفاوض مع إسرائيل على “الحكم الذاتي” بإسم فلسطينيي الضفّة الغربيّة وفق ما تنصّ عليه إتفاقيّة كامب ديفيد (التي عارضتها منظّمة التحرير الفلسطينيّة). ومع تعثّر هذا المشروع لافتقاره إلى المصداقية، أنشأت إسرائيل الإدارة المدنيّة في أوائل الثمانينيّات، لكن مع نهاية العقد ثار الفلسطينيون على هذا النظام في ما عُرِف بالانتفاضة الأولى.

 

من وجهة النظر الإسرائيليّة، كان الهدف من إنشاء السلطة الفلسطينيّة في التسعينيّات خدمة التوجيه الأساسي نفسه، أي منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً، مع السماح لإسرائيل بالاحتفاظ بسيطرتها على الأراضي المُحتلّة، وبالتوازي إعفاء نفسها من أي مسؤوليّة تجاه الفلسطينيين. بالتالي، لطالما كانت أهداف الإسرائيليين والفلسطينيين حيال المؤسّسة ومسارها مُتباينة، وبما أنّ الفلسطينيين لم يقتنعوا أبداً برؤية إسرائيل للحكم الذاتي، واحتفظت السلطة الفلسطينيّة ببذور مشروع سياديّ، فقد أتت السياسة الإسرائيليّة تجاه السلطة الفلسطينيّة مُنفصمة إلى حدّ ما، فهي تقوّض السلطة الفلسطينيّة وتعتمد عليها في الوقت نفسه. من هنا، يمكن لوزارة الدفاع الإسرائيليّة أنّ تدير صندوقاً لتوزيع المال والرشوة على السلطة الفلسطينيّة، فيما تُمسِك حكومتها بمئات ملايين الدولارات من عائدات الضرائب التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينيّة لاستخدامها كأداة في الضغط السياسي والابتزاز.

 

وقد نجحت هذه السياسة في إضعاف السلطة الفلسطينيّة والتفريط باستقلاليّتها السياسيّة والماليّة، في مقابل توغّل السيطرة الإسرائيليّة وتجذّرها في الأراضي الفلسطينيّة. وبالتالي، كلّما زادت فترة انفصال السلطة الفلسطينيّة عن تكليفها الأصليّ، كلّما تحوّلت نحو الهدف المثالي بالنسبة إلى إسرائيل، أي إلى مؤسّسة حاكمة تابعة من دون أجندة وطنيّة أوسع.

 

ونتيجة لذلك، فإنّ السلطة الفلسطينيّة تفشل اليوم للسبب نفسه الذي فشلت جرّاءه روابط القرى، وهو فقدان شرعيّتها في أعين شعبها. وفي حين قد ترغب إسرائيل في إبقاء السلطة الفلسطينيّة خدمةً لمصالحها الخاصّة، إلًا أنّ جهودها التي تقوِّض المهمّة الوطنيّة للسلطة الفلسطينيّة تلغي الأمر الوحيد الذي أعطى هذه السلطة شرعيّتها بالأساس.

 

حدود التدخّل

 

تُعتبر دروس التاريخ مفيدة للعهد الذي سوف يلي عهد عباس في السياسة الفلسطينيّة. أدّى تقويض الرئيس للعمليّة الديمقراطيّة على مدى العقد الماضي إلى القضاء على المسار القانوني لانتقال القيادة داخل السلطة الفلسطينيّة، وهذا ما يمهّد الطريق لاندلاع صراع فوضوي، وربّما عنيف، على السلطة بين الذين يتطلّعون إلى خلافة عباس من داخل السلطة الفلسطينيّة، والذين يسعون إلى استبداله من الخارج. لا شكّ في أنّ إسرائيل ستحاول تحديد النتائج النهائيّة عبر استغلال الانقسامات ودعم من تعتقد أنّه يخدم مصالحها. وبالنظر إلى سنوات التشرذم الجغرافي والسياسي، فقد يؤدّي ذلك إلى بلقنة الضفّة الغربيّة، حيث تتنافس الميليشيات المُختلفة للسيطرة على المجالات الضئيلة. وعلى الرغم من كون إسرائيل اللاعب الأقوى على الأرض، و هي قادرة على استخدام قوّتها القسريّة لتحديد التطوّرات وتشكيلها، لكن هناك حدود لما يمكن أن تحققه. في النهاية، لن ينجح أي تدخّل في إضفاء الشرعيّة على السلطة الفلسطينيّة، وسوف يرفض الفلسطينيون كذلك كلّ من لا يخدم مصالحهم.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.