تُظهر هذه الصورة، التي التقطتها ونشرتها وزارة الخارجية التركية في 17 أبريل/نيسان 2026، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الثاني من اليمين)، ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود (يمين)، ونظيره المصري بدر عبد العاطي (يسار)، ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار (الثاني من اليسار) في صورة جماعية خلال الدورة الخامسة لمنتدى أنطاليا للدبلوماسية (ADF2026) في أنطاليا.

هل نحنُ على أعتاب تكتّل استراتيجي جديد في الشرق الأوسط؟ 

تعمل خمس دول بوتيرة هادئة على بناء شراكة أمنية قد تُعيد رسم الخارطة الاستراتيجية للشرق الأوسط. لكن هل ستتطور هذه الجهود إلى تحالف متماسك، أم ستبقى مجرد مبادرة ظرفية تحرّكها التهديدات الراهنة؟ هذا السؤال لا يزال مفتوحاً. 

28 أبريل، 2026
إبراهيم كاراتاش

على مدى الأشهر التي سبقت اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية، شرعت دول كبرى ذات أغلبية سنّية في تمهيد الطريق أمام شراكة أمنية قد تُعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقةوفي هذا السياق، عقد وزراء خارجية كل من تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية ومصر سلسلة من الاجتماعات لتنسيق مواقفهم إزاء بيئة أمنية تزداد اضطراباً وخطورة، وكان أحدثها في منتدى أنطاليا الدبلوماسي. 

 

وعلى الرغم من أن هذه المبادرة لا ترقى إلى مستوى تحالف عسكري رسمي بالمعنى التقليدي، يشكّل التعاون العسكري أحد أعمدتها الأساسية، باعتبار أن الهواجس الأمنية هي الدافع المحرّك الرئيسي لهذا التقارب. ولم يعد السؤال ما إذا كانت هذه الدول تتجه نحو الاصطفاف، بل إلى أي مدى يمكن أن يمضي هذا التقارب، وما هي العوائق التي قد تحدّ من مساره. 

 

 

مواجهة التهديدات المشتركة 

 

لا شكّ أن الشرق الأوسط يمرّ بواحدة من أكثر مراحله اضطراباً، وذلك في ظل السياسات التصعيدية التي تنتهجها كلٌّ من إيران وإسرائيل، وهما قوتان عسكريتان بارزتان تسعيان إلى فرض مقاربات إقليمية أحادية. فمنذ 7 أكتوبر 2023، شنّت إسرائيل هجمات على ما لا يقل عن ست دول، واحتلّت أراضٍ في لبنان وسوريا، بالتوازي مع تدميرها مناطق شاسعة من قطاع غزة واستمرار احتلالها غير القانوني وتوسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية. كما أبدت اهتماماً بتعزيز نفوذها في الصومال عبر مساعيها لتكون أول دولة تعترف بإقليم «أرض الصومال» الانفصاليوبغطاءٍ من واشنطن، أدّى العدوان الإسرائيلي على إيران إلى نقل الحرب، على نحو غير مسبوق، إلى دول الخليج، مخلّفاً تداعيات خطيرة على الاقتصادين الإقليمي والعالميكذلك، لمّح مسؤولون إسرائيليون إلى احتمال توسيع نطاق الضربات لتشمل دولاً أخرى، من بينها تركيا، ما ينذر بمزيد من عدم الاستقرار والعنف في المنطقة. 

 

في المقابل، ومنذ ثورة عام 1979، انتهجت إيران سياسة التدخّل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، بدوافع أيديولوجية وبراغماتية في آنٍ معاً، معتمدةً على شبكات من الحلفاء المحليين، ولا سيما المجموعات الشيعية، لتعزيز نفوذها وتوسيع عمقها الاستراتيجي. وقد نظرت غالبية دول الشرق الأوسط، في فترات مختلفة، إلى إيران بوصفها تهديداً مباشراً أو عاملاً مزعزعاً للاستقرار الداخلي 

 

وعلى الرغم من أنها توصّلت في السنوات الأخيرة إلى ترتيبات تهدئة مع عدد من الدول التي كانت على خلاف معها سابقاً، ومن بينها السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلاّ أن الحرب الجارية قوّضت هذه التفاهمات، مع لجوء طهران إلى استهداف جيرانها ضمن استراتيجيتها الانتقامية. ويزيد احتمال سعي إيران لامتلاك سلاح نووي من منسوب القلق الإقليمي، ويضعها، إلى جانب إسرائيل، في خانة التهديدات الاستراتيجية المشتركة.

 

في مواجهة العدوان المباشر وغير المباشر من كلٍّ من إسرائيل وإيران، سعت قوى إقليمية أخرى إلى إعادة ترتيب مقارباتها الأمنية. تاريخياً، اعتمدت العديد من هذه الدول على المظلّة الأمنية الأمريكية، إلا أن النزاعات الأخيرة، ومنها الضربات الإيرانية على دول الخليج، أظهرت محدودية قدرة واشنطن أو رغبتها في ردع هذه التهديدات سواء بسبب حساباتها الخاصة أو بفعل أولوية التزامها بأمن إسرائيل. وقد أثار ذلك خيبة أمل لدى عدد من الدول المستضيفة للقوات الأمريكية، وأسهم في تسريع البحث عن بدائل أمنية تنبع من داخل الإقليم نفسه. 

 

 

المقوّمات الاستراتيجية 

 

تبرز أهمّ ملامح الاصطفاف الجاري في تقارب دول كبرى ذات أغلبية سنّية، هي: تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية ومصر، مع انضمام قطر مؤخراً إلى هذا الإطار. ويقدّم كل طرف من هذه الدول عناصر قوة استراتيجية مميزة، إلى جانب نقاط ضعف لا يمكن تجاهلها. 

 

فباكستان تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، بما في ذلك السلاح النووي، وقوات مسلحة عالية الكفاءة، لكنها تعاني في المقابل من محدودية الموارد المالية اللازمة لاستدامة موازنتها. كما تواجه تحديات أمنية مع جارتيها إيران والهند، لا سيما أن الأخيرة تحظى بدعم إسرائيلي. 

 

أما السعودية، فتتمتع بثقل مالي كبير، لكنها تبقى عرضة لتهديدات إيرانية مباشرة، وأخرى إسرائيلية غير مباشرة. في المقابل، تمتلك مصر أكبر جيش في العالم العربي، مع قدرات قتالية معتبرة، إلا أنها تدرك أن الولايات المتحدة تميل باستمرار إلى دعم إسرائيل في النزاعات الثنائية والإقليمية. وعلى الرغم من معاهدة السلام الممتدة بين البلدين، ينظر صانعو القرار في القاهرة إلى إسرائيل بوصفها جاراً غير موثوق، وأن سلوكها المستقبلي قد لا يتوافق مع المصالح المصرية. ومن شأن التقارب مع تركيا وباكستان أن يمنح مصر هامشاً أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية، عبر تنويع مصادر تسليحها وتقليص اعتمادها على طرف واحد. 

 

أما تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، فتمتلك الجيش الأكثر تطوراً ضمن هذه المجموعة، إلى جانب قاعدة صناعية عسكرية متنامية. وعلى الرغم من أنها لا تواجه تهديداً مباشراً من إيران، إذ لم تقع بينهما حرب منذ عام 1639، إلاّ أنّ أنقرة تأخذ بجدية التصريحات الإسرائيلية التي تلمّح إلى احتمال استهدافها مستقبلاً.  وبينما يميل الرأي العام التركي إلى التقليل من القدرات العسكرية الإسرائيلية والتعبير عن رغبة في معاقبتها على ما يُنظر إليه كجرائم حرب، يتبنى صانعو القرار في تركيا مقاربة أكثر واقعية، انطلاقاً من إدراكهم أن أي مواجهة عسكرية تتطلب تفوقاً في التسليح، وقدرات استخباراتية متقدمة، وموارد مالية كبيرة. لذلك، بات السعي إلى بناء تحالف مع دول متقاربة في الرؤى، أو على الأقل تشترك في خصوم متشابهين، خياراً استراتيجياً ملحّاً. 

 

 

تحالف أم شراكة؟ 

 

يرى خبراء أن مجالات التنسيق الأولية بين هذه الدول قد تشمل مكافحة الإرهاب، والأمن البحري، والتعاون في الصناعات الدفاعية، إلى جانب تنسيق المواقف حيال بؤر الأزمات مثل غزة والسودان وليبيا. وعلى الرغم من أن هذه الأنشطة لا ترقى إلى مستوى تحالف عسكري متكامل، فإنها تحمل قيمة استراتيجية واضحة، وقد تفتح الباب أمام تعاون أعمق في مجالات أخرى. فتعزيز العلاقات من شأنه أن يسهّل التعاون العسكري، وتبادل الخبرات والتدريب، ونقل التكنولوجيا الدفاعية، فضلاً عن توفير الدعم اللوجستي في حال اندلاع نزاعات. وحتى أشكال الدعم غير المباشر، من دون الانخراط في القتال على خطوط المواجهة، تمثّل بحد ذاتها مكسباً استراتيجياً مهماً.  

 

وقد تشكّل القدرات النووية التي تمتلكها باكستان إحدى أبرز نقاط القوة في هذا التكتل، إذ تتيح نوعاً من التوازن في مواجهة إسرائيل، وربما إيران أيضاً. كما يوفّر الإنتاج المشترك للأسلحة المتقدمة، أو الوصول إليها بعيداً عن قيود العقوبات، ميزة إضافية، خصوصاً في أوقات الحرب. وفي حال أثبت هذا الإطار نجاحه، فمن المرجح أن يستقطب دولاً أخرى في المنطقة للانضمام إليه.  

 

مع ذلك، يبقى من المُبكر وصف هذا التشكّل بأنه تحالف رسمي، إذ لا تزال درجة التماسك بين أطرافه غير محسومة. فبينما ترتبط تركيا وباكستان وقطر بعلاقات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية متقدمة، وقد وقّعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع مشترك في سبتمبر، لا تزال مواقف الدول الخمس غير متطابقة تماماً. ويُذكر أن دعم تركيا وقطر للحركات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين خلال الربيع العربي أثار توترات مع كل من السعودية ومصر. وعلى الرغم من تحسّن العلاقات لاحقاً، فإن بناء مستويات أعمق من الثقة والتكامل سيحتاج إلى وقت.  

 

يبرز عامل آخر قد يحدّ من تماسك هذا التقارب، يتمثّل في مدى اعتماد هذه الدول على الولايات المتحدة واستعدادها لمخالفة سياساتها. فبالرغم من أن الدول الخمس جميعها حليفة لواشنطن وتحافظ على تعاون عسكري معها، تبدو كل من السعودية ومصر أقل ميلاً إلى تحدي الولايات المتحدة أو الدخول في مواجهة غير مباشرة معها، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقتها الخاصة مع إسرائيل. وطالما استمر هذا الاعتماد، سيبقى تجنّب إغضاب واشنطن خياراً استراتيجياً حاكماً.  

 

في المقابل، تتمتع تركيا وباكستان، وهما حليفتان للولايات المتحدة على الرغم من خضوع أجزاء من صناعاتهما الدفاعية لعقوبات أمريكية، بهامش أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية، كما أن كلفة أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران تبدو أقل بالنسبة لهما. وتمنح هذه المعطيات المحور الثلاثي الذي يضم تركيا وباكستان وقطر، مع استعداد الدوحة لتأدية أدوار تتجاوز حجمها الجغرافي، سمات أقرب إلى تحالف عسكري يتماشى مع الأمر الواقع 

 

من ناحية أخرى، يُعتبر التكامل بين الصناعات الدفاعية والقوات المسلحة التركية والباكستانية قائم بالفعل، كما أن نشر قوات باكستانية في قطر يعزّز موقعها داخل هذا الاصطفاف غير الرسمي. وفي حين تواصل قطر استضافة قوات القيادة المركزية الأمريكية، فإن التجارب الأخيرة أظهرت محدودية الضمانات الأمنية الأمريكية، سواء عبر استهداف إسرائيل لمسؤولين في حماس على الأراضي القطرية عام 2025، أو الضربات الإيرانية خلال الحرب الجارية.  

 

في المحصلة، تدفع التهديدات المشتركة هذه الدول إلى تجاوز خلافاتها وتعميق تعاونها بشكل براغماتي في مجالات متعددة، مع بقاء الأمن في صدارة الأولويات. ويعكس هذا التقارب سعياً لتعظيم المصالح الأمنية، ويقدّم إطاراً عملياً لتعزيز الصمود الجماعي في شرق أوسط يتجه نحو مزيد من التفكك. غير أن السؤال الحاسم يظل مرتبطاً بمدى انخراط السعودية ومصر في هذا المسار، وهو أمر سيتوقف إلى حد كبير على حجم المكاسب الملموسة التي يمكن أن تحققها من هذه الشراكة. 

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: المملكة العربية السعودية، تركيا، مصر

المؤلف

أستاذ مشارك في العلاقات الدولية
إبراهيم كاراتاش هو أستاذ مشارك في العلاقات الدولية، يقيم في إسطنبول تركيا.