تَجاوزت تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران الخسائر المادية والاقتصادية التي أصابت الخليج العربي، بل هزّت أيضاً الأُسس التي قامت عليها منظومة الأمن الإقليمي، ودفعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى مراجعة مقارباتها الدفاعية والصناعية.
فمنذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب في 28 فبراير، شرعت إيران في استهداف أراضي جيرانها بصورة منهجية، عبر هجمات غير مسبوقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في محاولة لفرض نوع من التوازن التصعيدي مع خصومها. وخلال ذلك، لم تعجز المنظومة الأمنية الأمريكية عن ردع هذه الهجمات فحسب، بل بدت، في بعض جوانبها، وكأنها أسهمت في استجلابها. وفي المقابل، اختارت دول الخليج إلى حدّ بعيد اعتماد مقاربة حذرة إزاء التصعيد الإيراني، مع الاتكال بصورة أساسية على قدراتها الدفاعية الذاتية.
اليوم، تجد دول الخليج نفسها أمام ضغوط متزايدة لإعادة ترتيب أولوياتها، في وقت تُحاول فيه إعادة صياغة سياساتها الأمنية والدفاعية. وفي ضوء الدروس القاسية التي أفرزتها الحرب، سيتوقف مستقبل البنية الدفاعية-الصناعية في المنطقة، وكذلك المسارات الوطنية لكل دولة، على الكيفية التي ستُجيب بها عن أسئلة جوهرية تتعلق بالتوازن الأمني المطلوب، ومصادر التهديد، والوسائل الأكثر فاعلية لضمان الأمن.
ما حدود الأمن المطلوب؟
على المستوى المفاهيمي، تجري اليوم مراجعة معنى الأمن نفسه، وكذلك القيمة التي تُمنح له في السياسات الخليجية. ففي السابق، قامت المقاربة الأمنية لدول الخليج، في ظل المظلّة الأمريكية، على السعي إلى تحقيق أعلى درجات الحماية الممكنة، حتى لو تطلّب ذلك تقليص هامش تقبّل المخاطر إلى أدنى حد. وكان الاعتقاد السائد أن الردع الذي توفّره الشراكات الأمنية المكلفة مع واشنطن كفيل بحماية دول الخليج من التهديدات، وبالتالي الحدّ من هشاشتها أمام الصدمات الخارجية.
غير أن هذه الرؤية تعرّضت لاهتزاز عميق مع الحرب الأخيرة، ما يفرض اليوم إعادة التفكير في كيفية الموازنة بين الأمن والمخاطر، ويدفع دول الخليج إلى مواجهة خيارات صعبة. فمن جهة، فإن السعي إلى بناء توازن ردعي جديد قائم على مفهوم الأمن المطلق سيستلزم، على الأرجح، زيادة هائلة في الإنفاق العسكري، وربما تقديم تنازلات على حساب أولويات التنمية والرفاه، بما قد يفاقم الضغوط على العقد الاجتماعي الداخلي.
ومن جهة أخرى، فإن تبنّي مقاربة أمنية أكثر تقبّلاً للمخاطر قد يُبقي المنطقة في حالة دائمة من الهشاشة وعدم اليقين، وهو ما قد يهدّد النموذج التنموي الذي قام طوال العقود الماضية على توفير الاستقرار والأمن بوصفهما شرطين أساسيين للنمو الاقتصادي.
في النهاية، يبقى الأمن واحداً من مجالات السياسة العامة، لا غاية قائمة بذاتها. كما أن له انعكاسات مباشرة على توزيع الموارد والأولويات داخل الدولة. لذلك، ستختلف مقاربة كل دولة خليجية للإنفاق على القطاع الدفاعي-الصناعي تبعاً للأهمية التي تمنحها للأمن بالمقارنة مع أهداف التنمية والرفاه الأخرى.
الأمن في مواجهة مَن؟
يرتبط بذلك سؤال آخر لا يقلّ أهمية، ويتعلّق بكيفية تعريف مصادر التهديد. ففي نهاية المطاف، لا يمكن لأي تخطيط دفاعي أو صناعي أن يتجاوز السؤال الأساسي: «الأمن في مواجهة مَن؟». على مدى سنوات طويلة، شكّلت إيران التهديد الرئيسي الذي بُنيت على أساسه السياسات الدفاعية والأمنية الخليجية، وعلى ضوئه اتُّخذت قرارات التسلّح والتصنيع العسكري.
غير أن الحرب الحالية أظهرت ملامح تهديد بنيوي آخر بدأ يفرض نفسه تدريجياً، يتمثّل في الطموحات الإقليمية الإسرائيلية. وفي الوقت الراهن، يبقى الهدف الأساسي لدول الخليج هو إعادة ترسيخ الردع في مواجهة إيران، استناداً إلى الدروس التي أفرزها الصراع الأخير. وهذا سيفرض توسيع برامج التسلّح لتشمل قدرات تقليدية وغير تقليدية، بدءًا من أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، مروراً ببرامج الطائرات المسيّرة والمنظومات الصاروخية، وربما وصولاً إلى التفكير، ولو نظرياً، في تطوير قدرات نووية. لكن، في المقابل، بات الدور الإسرائيلي المزعزع للاستقرار في المنطقة يفرض نفسه بصورة متزايدة على الحسابات الأمنية الخليجية. وهنا تبرز معضلة معقّدة، إذ بدأت بعض دول مجلس التعاون الخليجي تنظر إلى إسرائيل بوصفها جزءاً من معادلة التهديد، فيما تواصل دول أخرى السعي إلى توسيع تعاونها الأمني معها.
كما أن حجم حضور التهديد الإسرائيلي داخل التفكير الأمني الخليجي ستكون له انعكاسات مباشرة على التخطيط الدفاعي-الصناعي، لأنه يرتبط بأسئلة أساسية تتعلّق بحجم الإنفاق الدفاعي المطلوب، ونوعية المنصّات العسكرية التي ينبغي تطويرها، وطبيعة الشراكات التي يجب بناؤها. وقد يترتّب على إدراج إسرائيل ضمن مصادر التهديد كلفة سياسية واستراتيجية أيضاً، تتمثّل في التخلي عن فرص تعاون محتملة معها، على الرغم مما تمتلكه من تقنيات متقدمة وتفوّق نوعي في بعض الأنظمة العسكرية، فضلاً عن احتمال خسارة الامتيازات المرتبطة بالنفاذ المميز إلى المنظومة العسكرية-الصناعية الأمريكية.
وفي جميع الأحوال، فإن تحدّي الردع المزدوج، أي إعادة تثبيت الردع في مواجهة طهران، واحتواء إسرائيل في الوقت نفسه، سيجعل مهمة ضمان أمن الخليج أكثر تعقيداً وكلفة.
كيف يتحقّق الأمن؟
على مستوى السياسات الأمنية، تجد دول الخليج نفسها أمام خيارات استراتيجية كبرى تتعلق بطبيعة شراكاتها الدفاعية، وما يترتب عليها من انعكاسات مباشرة على التخطيط الدفاعي-الصناعي. فمع التراجع الواضح في موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية من جهة، والطابع المزعزع للاستقرار الذي بات يطبع السياسات الأمريكية في المنطقة من جهة أخرى، بدأت تتبلور محاولات لإعادة تعريف العلاقات الدفاعية الخليجية.
وتتراوح الخيارات المطروحة بين تنويع الشراكات عبر الانفتاح على قوى تمتلك قدرات دفاعية صناعية كبيرة، وتعزيز التكامل الدفاعي داخل مجلس التعاون الخليجي، أو الاستمرار في تعميق الشراكة مع واشنطن. غير أنه حتى في هذا الخيار الأخير، يبدو أن الدافع نحو بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالاً سيكون أقوى مما كان عليه في السابق، ولو بالحد الأدنى نتيجة تراجع الثقة بالولايات المتحدة.
على الرغم من أن تنويع الشراكات الأمنية قد يبدو خياراً جذاباً من الناحية النظرية، فإن تطبيقه عملياً لا يوفّر، بمفرده، حلاً كافياً للمعضلة الأمنية الخليجية. فالجيوش الخليجية باتت مرتبطة بصورة عميقة بالمنظومة الدفاعية-الصناعية الأمريكية، وهي المنظومة التي تتيح لها الوصول إلى منصّات عسكرية متطورة وترسانة تسليحية متقدمة أثبتت فعاليتها في مواجهة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة. لكن هذا الارتباط، الذي ترسّخ على مدى عقود، جعل دول الخليج شديدة الارتهان للشراكة مع الولايات المتحدة، وضيّق في المقابل هامش تنويع الخيارات بعيداً من واشنطن أو من المنظومة الدفاعية المرتبطة بحلفائها.
ولذلك، ما لم تكن هذه الدول مستعدة لتحمّل الكلفة الاستراتيجية الكبيرة المترتبة على فكّ هذا الارتباط، فإن التحوّل نحو الصين أو البحث عن مورّدين بديلين يظلّ احتمالاً محدوداً للغاية. وحتى داخل المنظومة المتحالفة مع الولايات المتحدة، قد لا يكون الوصول إلى بعض المنصّات العسكرية المتقدمة التي تعتمد عليها الجيوش الخليجية، والتي ستواصل السعي للحصول عليها، أمراً سهلاً دائماً. من هنا، وبينما تسعى دول الخليج إلى إعادة التفاوض على شروط شراكتها مع الولايات المتحدة، يُرجّح أن تدفع باتجاه توسيع التعاون في القطاع الدفاعي-الصناعي، سواء عبر نقل التكنولوجيا أو ترتيبات الإنتاج المشترك، بالتوازي مع تسريع جهود التصنيع المحلي وتوطين الصناعات الدفاعية.
مَن يوفّر الأمن؟
أعاد الصراع مع إيران إحياء سؤال قديم ومتجدد في الخليج: مَن يتولّى ضمان الأمن الإقليمي؟ بالنسبة إلى دول الخليج، يبدو أن توطين الصناعات الدفاعية وتوسيع القاعدة الصناعية العسكرية المحلية يشكّلان الخيار الأكثر استدامة في المرحلة المقبلة. وقد أصبحت الاستثمارات في الإنتاج العسكري المحلي بالفعل جزءاً أساسياً من الاستراتيجيات الاقتصادية الأوسع.
لكن، من دون إعادة إحياء الجهود الرامية إلى جعل التخطيط الدفاعي-الصناعي وبرامج التسلّح أكثر جماعية على مستوى مجلس التعاون الخليجي، ستظل مخاطر الازدواجية وضعف الكفاءة وارتفاع الكلفة قائمة.
تقليدياً، قامت العقيدة الدفاعية لكل دولة خليجية على فرضية الحماية الأمريكية، المدعومة باستمرار شراء أنظمة تسليح أمريكية متطورة. غير أن هذا الاعتماد لم يتحوّل يوماً إلى بنية دفاعية إقليمية موحّدة أو متكاملة، قادرة على تنفيذ عمل عسكري جماعي مستقل. ومع اندلاع الصراع الحالي، عادت الدعوات مجدداً إلى إعطاء الأولوية للحلول الجماعية بدلاً من المقاربات الأحادية، وهو ما ينسجم أيضاً مع اتجاهات برزت خلال السنوات الأخيرة نحو تعزيز التنسيق الخليجي في المبادرات الدفاعية المشتركة، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن الخليج يتجه، في المدى المنظور، نحو نظام أمني «ما بعد أمريكي». مع ذلك، فإن الوصول إلى مقاربة جماعية للسياسات الدفاعية، حتى ضمن مظلّة أمنية أمريكية أوسع، يبقى أمراً غير مضمون. بل إن المؤشرات التي ظهرت خلال هذا الصراع لا تبدو مشجعة، إذ تعكس استمرار التنافسات السياسية والتباينات الاستراتيجية التي أعاقت التعاون السياسي والأمني بين دول مجلس التعاون الخليجي على مدى عقود. وفي ظل غياب استراتيجية دفاعية إقليمية متكاملة فعلياً، قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو تعزيز التنسيق لتفادي المقاربات الأحادية المتنافسة، إلى جانب تطوير شراكات مرنة بين الدول الخليجية المتقاربة في الرؤى، بما يشمل برامج التسلّح المشترك والتعاون الصناعي العسكري. وقد تسمح هذه الترتيبات لدول الخليج بالاستفادة من وفورات الحجم وخفض الكلفة، بالتوازي مع توسيع قواعدها الدفاعية-الصناعية، وتنويع شراكات شراء السلاح، مع السعي تدريجياً إلى انتزاع هامش أكبر من الاستقلالية في علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.