تنبع أهمية انعقاد النسخة الثالثة من منتدى هيلي في أبو ظبي 2026، تحت شعار “الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار”، من التوقيت الاستثنائي الذي ينعقد فيه، حيث لا تزال المنطقة عالقة في واحدة من أكثر لحظاتها الاستراتيجية غموضًا منذ عقود، وتعيش تحوّلات استراتيجية متسارعة.
فالحرب الإسرائيلية-الأمريكية-الإيرانية لم تُحسم سياسيًا أو عسكريًا، ومؤشرات السلام العربي-الإسرائيلي لم تظهر بعد في ظلّ التصعيد الإسرائيلي في المنطقة، ومضيق هرمز تحوّل إلى مركز للصراع على مستقبل النظام الأمني في الخليج، وانتقل من كونه مجرد ممر للملاحة إلى معضلة للتنافس الجيوسياسي.
وفيما يلتقي عشرات المسؤولين والمفكرين من مختلف أنحاء العالم في هذا المنتدى، الذي يُنظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالشراكة مع أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية يومي 7 و8 سبتمبر، لمناقشة الخيارات المتاحة أمام دول الخليج في التعامل مع بيئة استراتيجية معقدة، يسعى أكثر من 55 متحدثًا من أكثر من 35 دولة ونحو ألف مشارك إلى استشراف مستقبل المنطقة عبر جلسات نقاشية تتجاوز الـ20 جلسة، بحضور الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ونخبة من الخبراء في مراكز الدراسات الخليجية والدولية.
وسط هذه الحوارات الاستراتيجية، تجد دول الخليج نفسها اليوم أمام اختبار أمني قد يعيد تعريف كل ما بنته، وهي التي أمضت عقودًا في بناء نموذج اقتصادي مزدهر يرتكز على الاستقرار والانفتاح والربط بين الشرق والغرب. فالمسألة تجاوزت آليات حماية الحدود والمنشآت العسكرية، وباتت تشمل اليوم حماية نموذج التنمية نفسه من بيئة إقليمية أصبحت فيها الحرب والمسيّرات والصواريخ والممرات البحرية والعقوبات وسلاسل الإمداد عناصر مترابطة ضمن معادلة واحدة.
إنها لحظة مفصلية لا يواجه فيها الخليج مجرد تداعيات حرب استنزاف طويلة، بل يقف أمام سؤال يرتبط بشكل المنظومة الخليجية التي ستُفرزها هذه الحرب، وبطبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل عندما تتوقف العمليات العسكرية بين طهران وواشنطن.
فالحروب الكبرى لا تعيد فقط توزيع موازين القوى، بل تكشف أيضًا هشاشة الافتراضات القديمة، وتفرض على الدول مراجعة تصوراتها للأمن والاقتصاد والتحالفات، وإعادة تحديد موقعها ودورها في النظام الإقليمي والدولي الذي سيأتي بعدها، وهذا ما ناقشه المشاركون في منتدى “هيلي” هذا العام.
معادلة الاستنزاف
لعقود طويلة، طرح الخليج سؤالًا مركزيًا، وهو: كيف نحافظ على الاستقرار الذي يسمح بتدفق النفط، والغاز، والاستثمارات، والتجارة؟ اليوم تغيّر هذا السؤال. فالحفاظ على الاستقرار لم يعد هو المطلب الوحيد، بل بناء المرونة، والحفاظ على المكتسبات، والمضي قدمًا في مسيرة التنمية هو الغاية. وهذه ليست مسألة زمنية عابرة؛ إنها انتقال كامل في عملية التفكير الاستراتيجي.
فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن فترات التهدئة لا تعني انتهاء الصراع، وأن التفاهمات المؤقتة بين طهران وواشنطن يمكن أن تنهار سريعًا أمام خلافات أعمق تتصل بالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، وفتح مضيق هرمز، ومستقبل الردع الإقليمي. وفي هذا السياق، كشف التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، بما في ذلك تبادل الضربات والخلاف حول شروط العودة إلى التفاهمات السابقة، أن الأزمة ما زالت مفتوحة على أكثر من سيناريو.
يُمثّل هذا الاستنزاف خطرًا أكبر على دول الخليج من حرب قصيرة الأمد أو تسوية واضحة المعالم. فالحرب المفتوحة لها قواعدها، والسلام له مؤسساته، أما المنطقة الرمادية الممتدة بينهما فتخلق استنزافًا اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا مستمرًا، حيث تصبح الأسواق أكثر قلقًا، والاستثمارات أكثر حذرًا، وشركات التأمين أكثر تحفظًا، وسلاسل الإمداد أكثر كلفة، بينما تضطر الحكومات في المنطقة إلى الإنفاق على الدفاع والتنويع الاقتصادي والبنية التحتية البديلة في وقت واحد.
هرمز.. أكثر من مجرد مضيق
كذلك كشفت الأزمة أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي يمر عبره النفط والغاز، بل أحد أهم عناصر القوة والضعف في المنظومة الخليجية. قبل الأزمة، كان يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، بينما أظهرت المواجهات الأخيرة أن الألغام والمسيّرات والصواريخ والقوارب الصغيرة قادرة على تحويل بضعة كيلومترات من المياه إلى مشكلة للاقتصاد الدولي بأكمله. وهو ما شكّل أحد المحاور الرئيسية في مباحثات منتدى “هيلي” 2026، التي أيقن من خلالها الخبراء أنّ الدرس لا ينبغي أن يكون فقط في كيفية إعادة فتح المضيق، بل في تقليل قدرة أي طرف على تحويل الممرات الملاحية إلى رهينة استراتيجية.
وهذا يعني تسريع خطوط الأنابيب البديلة، وتطوير الموانئ على البحر الأحمر وبحر العرب، وتوسيع قدرات التخزين، وبناء شبكات طاقة أكثر مرونة، والاستثمار في منظومات حماية الملاحة؛ لأنّ تنويع الاقتصاد لا يكفي إذا بقيت شرايين تصديره متركزة في نقطة اختناق واحدة.
على الرغم من أهمية أمن الممرات الملاحية الحيوية، وسلامة الإمدادات والتجارة والطاقة، والتنويع الاقتصادي، فإنّ القضية الأكثر إلحاحًا لدول الخليج تبقى دفاعية. فقد أنفقت المنطقة خلال العقود الماضية مئات المليارات من الدولارات على أحدث الطائرات، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والتكنولوجيا العسكرية.
ومع ذلك، تؤكد طبيعة الحروب الجديدة أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة أمنية متكاملة. فالمسيّرة منخفضة التكلفة قد تستنزف صاروخ اعتراض باهظ الثمن. والهجوم السيبراني قد يصيب بنية تحتية دون إطلاق رصاصة واحدة. واللغم البحري منخفض التقنية قد يعطل ممرًا تمر عبره تجارة ضخمة.
ولهذا، فإن الانتقال الاستراتيجي لا يزال يواجه تحديًا كبيرًا وحقيقيًا، بدءًا من شراء المنظومات الدفاعية وصولًا إلى بناء منظومة دفاع خليجية مترابطة تشمل الإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي المشترك، والأمن السيبراني، والأمن البحري، والاستخبارات، وحماية البنية التحتية الحيوية، وقدرة دول المنطقة على تقييم مستوى التهديد المشترك، وتبادل المعلومة نفسها، واتخاذ القرار في التوقيت نفسه.
وبالطبع، لم تكن العلاقة مع الولايات المتحدة غائبة عن نقاشات المنتدى، حيث وضعت الحرب هذه الإشكالية في قلب النقاش الخليجي. فالولايات المتحدة ما زالت صاحبة الحضور العسكري الأكبر، والشريك الدفاعي الأهم لعدد من دول المنطقة، وتمتلك قدرات لا يمكن استبدالها سريعًا. وليس من البراغماتية الواقعية تصوّر أمن الخليج بمعزل عن واشنطن. وبالتالي، من المرجح أن يتغير في السنوات المقبلة شكل العلاقة الأمنية الخليجية-الأمريكية، وأن تظهر مؤشرات على تراجع الاعتماد المفرط على الضامن الأمني الأمريكي، وأن تحقق هذه العلاقة مزيدًا من التوازن، من خلال الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية القوية مع واشنطن، بالتوازي مع تعزيز قدرة الخليج على الدفاع الذاتي وصنع القرار الأمني بشكل أكبر.
شراكات مقابل الكلفة
على الرغم من أن أوروبا تُعتبر أحد أكبر الشركاء الاقتصاديين للخليج، فإنها ما زالت أقل حضورًا في معادلة الأمن الإقليمي من ثقلها الاقتصادي والسياسي. ولذلك، حملت مشاركة الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج في منتدى هيلي دلالة مهمة ضمن أجندة تتناول دور القوى والشركاء في النظام الجديد.
فأوروبا نفسها تدرك اليوم أن أمن الخليج ليس قضية بعيدة عنها، حيث سينعكس أي تعطيل طويل الأمد للطاقة أو التجارة في المنطقة سريعًا على الاقتصاد الأوروبي، وسيرفع معدلات التضخم، وسيرخي بظلاله على الصناعة وسلاسل الإمداد. ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال العلاقة الخليجية-الأوروبية من الحوار السياسي العام إلى تعاون أكثر جدية في الأمن البحري، والدفاع، والأمن السيبراني، والطاقة، والتكنولوجيا.
أما الصين، فهي الطرف الذي تكشف الأزمة حجم التناقض في موقعه. ففي حين تُعدّ بكين شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا لدول الخليج، وأحد أكبر مستوردي الطاقة من المنطقة، ولديها مصلحة مباشرة في استقرار هرمز، فإن السياسة الخارجية الصينية تتجنّب تحمّل الالتزامات الأمنية التي تحملتها الولايات المتحدة تاريخيًا.
وهذا يضع دول الخليج أمام حقيقة مهمة: يمكن للصين أن تكون شريكًا اقتصاديًا استراتيجيًا، لكنها ليست حتى الآن بديلًا أمنيًا عن الولايات المتحدة. ومع ذلك، لا تُقلل هذه الاستراتيجية من أهمية دورها. على العكس من ذلك، قد تكون المرحلة المقبلة فرصة لدفع بكين نحو مساهمة أكبر في الاستقرار الإقليمي، ليس بالضرورة عبر وجود عسكري واسع، بل من خلال الدبلوماسية، والاستثمارات في الممرات البديلة، وأمن الطاقة، وضمان حرية التجارة والملاحة.
فمن يريد الاستفادة من استقرار الخليج اقتصاديًا سيواجه سؤالًا أصعب تدريجيًا: ما الذي سيقدمه من أجل الحفاظ على هذا الاستقرار؟ من هذا المنطلق، ينبغي أن تؤكد الهوية الاستراتيجية الجديدة لدول الخليج استقلاليتها عن أي محور، وهذا ليس حيادًا بالمعنى التقليدي، بل التموضع في موقع القوى الوسطى التي تمتلك من الموارد والعلاقات والقدرة على الوساطة ما يسمح لها بهامش أكبر لصياغة الخيارات. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحوّل تعدد الشراكات إلى غموض استراتيجي، وأن يبقى الحدّ فاصلًا بين تنويع العلاقات وغياب الرؤية.
الاستعداد للنتائج
لا شكّ في أنّ انعقاد منتدى هيلي 2026 في هذا التوقيت حوّل السيناريوهات التي كانت تُطرح في الماضي على أنها مستقبلية إلى واقع يومي نعيشه اليوم: ماذا لو أُغلق هرمز لمدة أطول مما هو متوقع؟ ماذا لو تعرضت البنية التحتية الخليجية لهجمات متزامنة؟ ماذا لو تراجعت المظلة الأمريكية؟ ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي والمسيّرات جوهر الحرب؟ وكيف تتعامل المنطقة مع واشنطن وبكين وأوروبا في وقت واحد؟
المطلوب اليوم ليس مجرد إدارة الأزمة الإيرانية، بل التفكير في نتائجها. سواء انتهت المواجهة باتفاق، أو هدنة، أو بقيت في حالة «لا حرب ولا سلام»، فإن الخليج الذي سيخرج من هذه المرحلة يجب ألا يكون الخليج نفسه الذي دخلها.
فقد انتهى زمن بناء الاقتصاد بمعزل عن الأمن، وشراء الأمن بمعزل عن بناء القوة، والاعتماد على الحلفاء دون امتلاك القدرة الذاتية. والفرضية التي يضعها منتدى هيلي أمام الخليج ليست كيف يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، بل كيف يبني نظامًا جديدًا يجعل الحرب المقبلة أقل احتمالًا، وتكلفتها أقل قدرة على شلّ مستقبل المنطقة.