ما كان احتمالًا استراتيجيًا قبل أسابيع تحوّل اليوم إلى واقع ميداني خطير، إذ يُنذر التقدّم الخاطف للحوثيين على الساحل الغربي لليمن وسعيهم إلى السيطرة على “المخا” و “ذوباب” والوصول إلى جزيرة “ميون” في قلب باب المندب، بانتقال نوعي في طبيعة الصراع لا يمكن تأطيره ضمن جولة جديدة في حرب يمنية قد تكون طويلة الأمد.
تعني السيطرة على ممرات الملاحة امتلاك القدرة على التأثير في أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم. والأخطر أنّ هذا التقدّم جرى بتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني بحسب تقارير ميدانية، ما يُشير إلى ديناميكيات جديدة قد تفتح جبهة إضافية في الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية. فإيران لا تنظر إلى مضيق هرمز وباب المندب باعتبارهما جبهتين منفصلتين، بل طرفي جبهة بحرية واحدة تضغط فيها على الاقتصاد العالمي من الشرق والغرب معًا.
وهو ما يقودنا إلى ضرورة تنبّه الولايات المتحدة لمعالجة الخطأ الاستراتيجي في تعاملها المستمر مع البحر الأحمر والخليج بوصفهما مسرحين منفصلين لكلّ منهما حساباته العسكرية وموارده البحرية وأولوياته الأمنية، كما ذكرنا سابقاً في مقال بعنوان “إغلاق مضيق هرمز ليس سوى البداية” نشره مركز ناشونال إنترست.
ساحتان للحرب ومعادلة استراتيجية واحدة
أصبحت آلية تعامل الولايات المتحدة ومعها عدد من القوى الغربية مع أزمة البحر الأحمر بوصفها ملفًا متعلقًا بالحوثيين واليمن وحرية الملاحة على مدار سنوات مكلفة كثيراً، وإن كان مريحاً من الناحية البراغماتية في وقت سابق وسط انشغال واشنطن بتداعيات إغلاق مضيق هرمز والمواجهة المباشرة مع إيران.
في المقابل، تتخذ طهران والأطراف المسلحة التي تدور في فلكها آلية أخرى تقوم على معادلة صفر مسافة استراتيجية بين مضيق هرمز وباب المندب. فطهران ترى في مضيق هرمز بوابة بحرية رئيسية للتحكم بصادرات الطاقة الخليجية، فيما يُعتبر باب المندب بالنسبة إليها المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.
وقد تبلورت أهمية هذين المضيقين من الناحية الاقتصادية على مستوى العالم، إذ يمرّ عبرهما نحو 30 في المئة من النفط المنقول بحراً وذلك قبل اندلاع المواجهة الأمريكية -الإيرانية في فبراير 2026. فقد سبق أن أشارت تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية مرور نحو 20.9 مليون برميل يوميًا عبر هرمز، ونحو 4.2 ملايين برميل عبر باب المندب، من أصل قرابة 79.8 مليون برميل يوميًا من تجارة النفط البحرية العالمية في النصف الأول من عام 2025.
اليوم، تغيّرت الأرقام والمؤشرات بصورة دراماتيكية. فقد انخفضت التدفقات عبر هرمز إلى نحو 4.9 ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، بينما ارتفعت إلى نحو 8.1 ملايين برميل يوميًا عبر باب المندب، مع تحوّل البحر الأحمر جزئيًا إلى مسار بديل عن هرمز.
من هذا المنطلق، تسعى طهران إلى التحكّم بهذه المعادلة: فكلما ازدادت صعوبة فتح مضيق هرمز، ازدادت قيمة باب المندب الاستراتيجية. وكلما ارتفعت هذه القيمة ارتفع ثقل الحوثيين في الاستراتيجية الإيرانية والإقليمية. وبالتالي يُعدّ الاستمرار في قراءة الحوثيين على الخريطة اليمنية وحدها خطأ استراتيجياً يستوجب التوقف عنده.
فالنفوذ في صنعاء سيمنح الحوثيين سلطة داخلية، والسيطرة على “الحديدة” سيمنحهم منفذًا بحريًا، لكن السيطرة على “المخا” و “ذوباب” و”ميون” ستنقل نفوذهم إلى مستوى مختلف تمامًا، ويضعهم كلاعب استراتيجي فاعل ومؤثر قادر على قلب المعادلة من خلال سعيه لامتلاك أسلحة متقدّمة وترسيخ قدرته على التهديد لأحد أهم الممرات المائية الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
ومع ذلك، لا تُشير الوقائع الميدانية إلى امتلاك هذه الجماعة القدرة الكاملة على إغلاق مضيق باب المندب بالكامل أو التحكم بكلّ سفينة تعبره، لكنها تُعطي مؤشرات جديدة على أن الجماعة أصبحت أكثر قدرة على مراقبة الحركة البحرية، واستهداف السفن، وزرع الألغام، واستخدام الصواريخ والمسيّرات، وفرض تكاليف أمنية وتأمينية واقتصادية عالية على الملاحة من خلال رفع أقساط التأمين، وتراجع حركة السفن، وتغيير المسارات البحرية، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
من السيطرة العسكرية إلى ورقة للتفاوض
لا يُعدّ التوسع الجغرافي هدفاً مباشراً للحوثيين في هذه المرحلة، فهم يحاولون تثبيت الواقع الميداني الجديد وترسيخ سيطرتهم بما يخوّلهم الدخول في أي مفاوضات لاحقة حول اليمن أو البحر الأحمر أو السعودية من موقع مختلف تمامًا، مع اتساع دائرة المفاوضات في أي تسوية مقبلة من مطار صنعاء، أو ميناء الحديدة، أو الرواتب، أو القيود الاقتصادية، لتشمل أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهكذا تصبح معادلة الحوثيين واضحة تستند إلى السيطرة العسكرية التي تنتج نفوذاً جيوسياسياً يتحوّل إلى قوة تفاوضية يمكن استبدالها بمكاسب سياسية واقتصادية.
إنها معادلة سبق لإيران نفسها أن اختبرتها في هرمز ومنحتها امتياز التفاوض على بوابة الخليج الشرقية، وبالتالي فإنّ وجود حليف مسلح قوي عند باب المندب سيمنحها قدرة غير مباشرة للضغط أيضاً من خلال البوابة الغربية للطاقة والتجارة الخليجية. وهنا يمكن فهم التوجيه الإيراني للحوثيين بصورة مختلفة، فالهدف لا يكمن في السيطرة رسميًا على باب المندب ورفع العلم الإيراني فوق “ميون”، ولا في نشر القوات البحرية الإيرانية قبالة جيبوتي، بل يكفي وجود قوة حليفة تمتلك صواريخ ومسيّرات وقدرات بحرية قادرة على تهديد حركة الملاحة عند الحاجة.
تنتهج طهران هذه السمات الاستراتيجية منذ عقود، إذ لطالما استهدفت تعظيم النفوذ مع تقليل الكلفة المباشرة، وهنا تبرز احتمالية نشوء طوق ضغط بحري يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ويضع جانبًا كبيرًا من تدفقات الطاقة الخليجية تحت وطأة ضغط استراتيجي متزامن على اثنين من أهم الممرات البحرية في المنطقة.
إعادة بناء الجبهة اليمنية كمدخل لأمن باب المندب
هذا التحول الميداني السريع في دور إيران والحوثيين لا يُقدّم وحده تفسيرًا كافيًا للمشهد الذي يتضح أكثر عند قراءة الواقع السياسي والأمني للاعبين المؤثرين على الساحة اليمنية وفي مقدّمتهم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات طارق صالح، وحزب الإصلاح، والقوى القبلية والمحلية، التي تتحرك في أحيان كثيرة وفق أولويات وأجندات ومصالح متعارضة، ولا تعمل ضمن منظومة سياسية وعسكرية موحدة.
هذا الانقسام المؤسساتي العميق والمستمر وتعدد مراكز القوى المسلحة اليمنية يمنح الحوثيين قدرة إضافية، ويُعيد صياغة التساؤلات حول سُبل معالجة الأزمة. فهل تقدّمت هذه الجماعة لأنها أصبحت أقوى، أم لأنّ الجبهة المناهضة لها أصبحت أضعف وأكثر تفككًا؟ الإجابة، على الأرجح، هي الاثنان معًا.
لا شكّ أن المرحلة المقبلة لا تحتمل الاكتفاء بحماية السفن في عرض البحر، فحماية الملاحة مع ترك الساحل والجزر تحت سيطرة الحوثيين تشير إلى استمرار الأزمة وربما تفاقمها. لذا، لا بُدّ من تحرّك الجهود الدبلوماسية باتجاه تبنّي استراتيجية متكاملة تبدأ بإعادة بناء جبهة يمنية أكثر تماسكًا، ودعم مؤسسات الدولة والجيش اليمني المعترف به دوليًا، واستعادة وحدة القرار العسكري، ومنع تحول الساحل والجزر إلى قواعد دائمة للصواريخ والمسيّرات والقدرات البحرية الحوثية.
ويجب أن يترافق ذلك مع خطوات اقتصادية وأمنية تستهدف قطع شبكات نقل السلاح والتكنولوجيا والمكونات العسكرية الإيرانية، وتعزيز المراقبة البحرية والاستخباراتية، وحماية الممرات التجارية، وربط أي تقدم عسكري بمسار سياسي يمنع انهيار المكاسب بمجرد توقف العمليات.
قد تُجدي العمليات العسكرية الحكومية والغارات الجوية وضربات المدفعية ضدّ الحوثيين مؤقتاً، لكنها لن تُحقق غايتها دون مشروع سياسي متكامل يحول دون إبقاء السلاح في أيدي الأطراف الفاعلة غير الحكومية الموالية لطهران، والذي يمنحها القدرة على تغيير المعادلات الإقليمية والدولية.
وعلى صناع القرار والقوى المؤثرة في مسار الحرب الحالية أن تُكثف دعم الجيش اليمني وتُسهم في تعزيز سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا ليس من منطلق التدخل في الشؤون الداخلية لليمن، وإنما بما ينسجم مع حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية كمبدأ جوهري في القانون الدولي وكجزء لا يتجزأ من الأمن العالمي، والعمل على منع تحوّل البحر الأحمر وباب المندب إلى مساحة ابتزاز جديدة ودائمة لممرات التجارة الدولية والطاقة العالمية.