يظهر شعار منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) على شاشة هاتف محمول، بينما يظهر علم دولة الإمارات العربية المتحدة على شاشة حاسوب. الصورة نسخة معدلة من صورة التقطها مارسين غولبا / نور فوتو / نور فوتو عبر وكالة الصحافة الفرنسية.

خروج الإمارات من أوبك يرفع وتيرة الانقسام في الموقف الخليجي

يتجاوز قرار انسحاب الإمارات من منظمة أوبك اعتبارات سوق النفط، ويعكس إعادة تموضع استراتيجي على نطاق أوسع، كما يكشف عن تصاعد حدّة التنافس مع السعودية ومدى تماسك مجلس التعاون الخليجي تحت وطأة الضغوط التي تمر فيها المنطقة.

5 مايو، 2026
فريدريك شنايدر

في 28 أبريل، أعلنت الإمارات العربية المتحدة إنهاء عضويتها في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بعد 59 عاماً. وجاء هذا الإعلان في توقيت لافت، إذ تزامن مع ترؤس ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قمة لمجلس التعاون الخليجي، كان يُفترض أن تمهّد لمزيد من التقارب بين دول شبه الجزيرة العربية. وعلى الرغم من وقع خبر الانسحاب، لم تُبدِ الأسواق ردّ فعل يُذكر، إذ ظلّت أسعار النفط محكومة بتداعيات الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية والإغلاق الجزئي لمضيق هرمز. غير أن هذا الفتور في الاستجابة يخفي ما يكشفه القرار فعلياً من: ملامح التموضع الجيوسياسي الجديد للإمارات، ومدى تطور التنافس السعودي-الإماراتي، وتوجه منطقة الخليج، على الرغم من تعرضها لضغوط خارجية هائلة، نحو مزيد من التباعد بدلاً من التماسك. على نحو مفارق.

 

 

الدوافع الاقتصادية

 

السبب الأكثر وضوحاً وراء هذا الانسحاب هو اقتصادي، إذ يُحرر هذا القرار الإمارات العربية المتحدة من نظام الحصص الذي تفرضه منظّمة أوبك. فقد أمضت شركة أبوظبي الوطنية للنفط (أدنوك) عقداً كاملاً في توسيع قدرتها الإنتاجية، لتبلغ نحو 4 ملايين برميل يومياً في عام 2023، مع خطط لرفعها إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027. وقبل اندلاع الحرب الحالية، اقترب إنتاج الإمارات من 3.4 ملايين برميل يومياً، أي أنه كان يلامس سقف حصتها تقريباً، على الرغم من امتلاكها طاقة إنتاجية مستدامة تتراوح بين 4.5 و5 ملايين برميل يومياً. وبالأسعار الحالية، تؤدّي قيود الحصص إلى خسارة إيرادات سنوية محتملة تتراوح بين 50 مليار و70 مليار دولار. وخلال السنوات الماضية، استخدمت أبوظبي التلويح بالانسحاب كورقة تفاوضية لانتزاع زيادات في حصتها، بما في ذلك تعطيل اتفاق «أوبك+» عام 2021 وإطالة أمد المفاوضات لأسابيع قبل التوصل إلى تسوية. ومن هذا المنظور، يبدو قرار الخروج تتويجاً لمسار طويل، ويشكّل في الوقت نفسه نهاية لتلك الاستراتيجية.

 

بالإضافة إلى ذلك، أدّى الصراع مع إيران إلى تعزيز الحوافز لزيادة الإنتاج إلى أقصى حدّ ممكن. إذ تسبّبت الاضطرابات في مضيق هرمز في تقليص عائدات التصدير، وعلى الرغم من أن خط أنابيب حبشان–الفجيرة يتيح تجاوز المضيق بطاقة تتراوح بين 1.5 مليون و1.8 مليون برميل يومياً، إلا أنّ جزءاً ملا يُستهان به من الإنتاج يظل عرضة للتعطّل. ويُضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الدفاع الجوي، فضلاً عن الخسائر المادية والتجارية. وبذلك، تحوّل ما كان في السابق نقاشاً سياسياً طويل الأمد إلى ضرورة اقتصادية ملحّة لا تحتمل التأجيل.

 

ويستند القرار الإماراتي أيضاً إلى قراءة بنيوية بعيدة المدى لأسواق الطاقة العالمية. إذ خلص صانعو السياسات إلى أن الطلب العالمي على النفط يتجه نحو مسار انحداري نهائي. ولا يعني ذلك تراجعاً حاداً وفورياً في الكميات المباعة، بقدر ما يشير إلى ضغوط مستمرة على الأسعار مع تسارع التحوّل في قطاع الطاقة، وتعاظم دوافع الدول الأخرى لتنويع مصادرها بعيداً من الهيدروكربونات الخليجية عالية المخاطر في ظل الحرب الجارية. ومن هذا المنطلق، يبدو الخيار العقلاني من وجهة نظر أبوظبي هو تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد النفطية في أقرب وقت ممكن، قبل أن تتحوّل الاحتياطيات والبنية التحتية إلى أصول عالقة.

 

 

المؤشرات السياسية

 

يشير البعد الجيوسياسي لهذا القرار نحو واشنطن في المقام الأول. فقد دأب الرئيس دونالد ترامب على تصوير منظّمة أوبك كجهة معادية للمستهلكين الأمريكيين وللاقتصاد العالمي، متهماً إياها «باستغلال بقية العالم». وعليه، يعدّ خروج الإمارات، بغضّ النظر عن دوافعه الداخلية، مكسباً سياسياً للولايات المتحدة. وفي المقابل، يبدو أن أبوظبي تسعى إلى تحصيل ضمانات مالية واستراتيجية، من بينها خط مبادلة بالدولار مقترح من وزارة الخزانة الأمريكية، يشكّل بمثابة بوليصة تأمين في ظل الغموض الذي يكتنف مسار الصراع في الخليج.

 

وعلى نطاق أوسع، يعكس هذا الانسحاب إعادة تموضع باتجاه تقارب أوثق مع واشنطن، في لحظة تعيد فيها دول الخليج تقييم مدى موثوقية المظلّة الأمنية الأمريكية، بعدما شعرت بأنها تُركت من دون دعم كافٍ من حليفها الأمني خلال حرب مدمّرة سعت جاهدة لتجنّبها. ويمكن قراءة الخروج من أوبك، إلى جانب الاستمرار اتفاقيات أبراهام، كجزء من استراتيجية إماراتية تهدف إلى انتزاع ضمانات أقوى عبر تعميق الارتباط بالمحور الأمريكي–الإسرائيلي.

 

داخلياً، يعكس القرار أيضاً توازنات القوة داخل الدولة. إذ يتركّز الإنتاج النفطي في الإمارات بشكل شبه كامل في أبوظبي، فيما ينصّ الدستور على أن السيطرة على الموارد الطبيعية تعود لكل إمارة على حدة، لا للاتحاد ككل. وفي ظل نظام الحصص في أوبك، كانت القدرة الإنتاجية لأبوظبي تحديداً هي التي تُقيَّد. ومن هنا، فإن رفع هذه القيود لا يخلو من بُعد سياسي داخلي: فهو يوسّع الحيّز المالي للإمارة مقارنة بغيرها، ويعزّز مركز الاتحاد على حساب أطرافه. وتبقى دبي الأكثر تأثراً بهذا التحوّل، بحكم اعتماد نموذجها الاقتصادي على الخدمات والسياحة والتمويل بدلاً من النفط، ما يعني أن ازدياد ثراء أبوظبي يعيد رسم التوازنات داخل الاتحاد.

 

غير أن البعد الأكثر حساسية يتعلق بالعلاقة مع السعودية. حيث تعدّ المملكة القوة المهيمنة داخل أوبك: أكبر منتج، وصاحبة أكبر طاقة إنتاجية فائضة، والفاعل الأكثر تأثيراً في قرارات الإنتاج التي لطالما أثارت استياء أبوظبي، لا سيما منذ توسيع إطار «أوبك+» ليشمل روسيا عام 2016.

 

ولم يقتصر التباين بين البلدين على ملف النفط، بل امتد إلى مجالات اقتصادية واستراتيجية أخرى، من بينها الضغوط التنظيمية التي مارستها الرياض لدفع الشركات متعددة الجنسيات إلى نقل مقارها الإقليمية من دبي إلى الرياض، فضلاً عن اختلاف مقاربتهما للنزاعات في السودان واليمن.وعليه، لا يرتبط الانسحاب من أوبك بعائدات النفط أو الاصطفاف مع الولايات المتحدة أو إعادة توزيع القوة داخلياً فقط، وإنما يشكّل أيضاً أداة في سياق التنافس الإقليمي مع السعودية. فهو من جهة يضعف إحدى المنظمات التي تُمارس الرياض من خلالها نفوذاً عالمياً، ومن جهة أخرى يضغط على ماليتها العامة عبر خفض أسعار النفط نتيجة زيادة الإنتاج الإماراتي.

 

ويكمن العامل الحاسم هنا في الفارق الكبير في سعر التعادل المالي للنفط بين البلدين، إذ تحتاج السعودية إلى أسعار أعلى بكثير من تلك التي تحتاجها الإمارات لتحقيق التوازن في ميزانيتها. وفي المحصلة، لا تقتصر تداعيات ارتفاع العائدات النفطية الإماراتية على البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى تعزيز قدرتها على الإنفاق الدفاعي، وهو ما قد ينعكس في مواجهة إيران، وأيضاً في ساحات النفوذ غير المباشر حيث يتجلّى التنافس السعودي–الإماراتي بأوضح صوره.

 

 

الآفاق المستقبلية

 

ستبقى منظّمة أوبك قائمة على الرغم من خروج الإمارات، لكن طبيعتها مرشّحة للتغيّر. فقد يشجّع هذا التحوّل أعضاء آخرين على انتهاج المسار نفسه. وتُطرح كازاخستان بوصفها المرشح الأبرز، نظراً لتجاوزها المتكرر لحصتها الإنتاجية، فيما تُعد نيجيريا التي غيّر تشغيل مصفاة دانغوتي حوافزها باتجاه التكرير المحلي، وفنزويلا مع تعافي إنتاجها وتزايد تأثرها بالسياسات الأمريكية، من بين الدول الأكثر قابلية لاتخاذ خطوة مماثلة. ومع ذلك، تبقى الإمارات حالة استثنائية من حيث عمقها المالي، وحجم طاقتها الإنتاجية الفائضة، ومستوى خبرتها الدبلوماسية، ما يجعل عدداً محدوداً من الأعضاء قادراً على تحمّل كلفة الانسحاب. وحتى في حال أفضى ذلك إلى أوبك أصغر حجمًا وأكثر تماسكاً داخلياً، فقد تكون النتيجة تعزيز قبضة السعودية داخل المنظمة وترسيخ نفوذها.

 

أما على مستوى مجلس التعاون الخليجي، فتبدو التداعيات أقل اقتصادية وأكثر جيوسياسية. إذ يرتبط أمن دول المجلس وازدهارها بوجود خليج متماسك ومستقر ومتقارب سياسياً. ويشكّل خروج الإمارات من أوبك تعبيراً علنياً عن تعمّق التوتر بين أبوظبي والرياض، وهما دولتان يُفترض أنهما شريكتان في مشروع إقليمي واحد. كذلك، يطرح تحوّل هذا التنافس إلى صراع يتجلّى عبر سياسات أوبك، والنزاعات غير المباشرة، والمنافسة الاقتصادية ذات الطابع الصفري، والتباين في مقاربة الأزمة الإيرانية، إشكالية مباشرة أمام الدول التي تقتضي مصالحها الاستراتيجية احتواء هذا التنافس لا تأجيجه.

 

فضلاً عن ذلك، تتصاعد المخاوف من أن يكون الخروج من أوبك مجرد مقدمة لاضطرابات أوسع على مستوى البنى المؤسسية، قد تمتد إلى منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية، وربما إلى مجلس التعاون الخليجي نفسه. وفي ظل محدودية الخيارات المتاحة أمام الدول المجاورة، يبدو أن المسار الأكثر واقعية يتمثل في تنويع علاقاتها وتحقيق قدر من التوازن بينها، مع الاستمرار في دعم الأطر المؤسسية القائمة. في المحصلة، يعيد القرار الإماراتي تأكيد درس سبق أن أظهرته أزمات سابقة، وهو أن التهديدات الخارجية المشتركة لا تفضي بالضرورة إلى تماسك داخلي، بل قد تسهم، على العكس، في تسريع وتيرة التباينات الكامنة وتعميقها.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: الإمارات العربية المتحدة

المؤلف

زميل أوّل غير مقيم
فريدريك شنايدر هو زميل أوّل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. ويعمل أيضاً مستشار سياسات مستقل، وقد تعاون مع عددٍ من المؤسّسات الدولية المرموقة، من بينها مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية، ومنتدى الخليج الدولي، ومعهد دول الخليج العربية في واشنطن، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وغيرها من المؤسّسات.   وتشمل اهتمامات شنايدر البحثيّة السياسات الاقتصادية… Continue reading خروج الإمارات من أوبك يرفع وتيرة الانقسام في الموقف الخليجي