مع توصل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى اتفاق حيال مذكرة التفاهم التي تتضمن وقف العمليات العسكرية التي اندلعت منذ نحو أربعة أشهر، ورفع الحصار البحري الأمريكي، وتمهيد الطريق لنافذة جديدة من المفاوضات حول البرنامج النووي على مدار 60 يوم، طالبت طهران بالإفراج عن مليارات الدولارات من أٌصولها المُجمّدة كشرط أساسي ضمن هذا الاتفاق. ومع ذلك، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضوح أنّ مذكرة التفاهم النهائية لا تمنح إيران أموالاً نقدية فورية.
شكّل هذا التصريح محطّ جدل مستمر وغير محسوم، يُضاف إلى مقترح وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، يقضي بتخصيص 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمّدة للمساهمة في إعادة إعمار الأضرار الواسعة التي لحقت بدول الخليج نتيجة آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران طوال فترة الحرب.
وسواء كانت مطالب التعويض المطروحة من هذا الطرف أو ذاك قابلة للتحقق قانونياً أو سياسياً، فإنها تثير أسئلة رئيسية تتجاوز مصير أي اتفاق محتمل في المدى القريب. فمن منظور القانون الدولي، تبدو الأسس القانونية التي يمكن الاستناد إليها للمطالبة بتعويض دول الخليج أقوى مما يوحي به الجدل السياسي الدائر. غير أن المشكلة تكمن في أن الأداة القانونية المحلية التي تسعى واشنطن إلى استخدامها لا توفر الأساس اللازم لتنفيذ هذا التوجّه. فالإطار التشريعي الأمريكي الذي تعتمد عليه الإدارة لا يمنحها الصلاحيات المطلوبة لإعادة توجيه الأصول الإيرانية على النحو المقترح. أما سياسياً، فالمشهد لا يقل تعقيداً. فمن المستبعد أن تنظر إيران بعين الرضا إلى أي مشاركة خليجية في مصادرة أصولها أو إعادة تخصيصها، فيما لم تعلن دول الخليج نفسها تأييداً علنياً لمقترح قد يحوّلها إلى هدف مباشر لطهران.
وفي المحصلة، تبدو المقاربة الأمريكية، في غياب آلية مؤسسية واضحة ومتعددة الأطراف، أقرب إلى مناورة سياسية منها إلى خطة قابلة للتنفيذ. فهي قد لا تقنع طهران بجدّيتها، وقد لا تصمد أمام التدقيق القضائي في الولايات المتحدة، كما أنها تقدّم لدول الخليج وعوداً يصعب الوفاء بها، على الرغم من أنها الطرف الذي يتحمل عملياً الكلفة الأكبر للحرب.
مبررات تعويض دول الخليج ليست معقّدة
خلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب، أطلقت إيران أكثر من 6400 صاروخ وطائرة مسيّرة باتجاه دول عربية. وتعرّض مطار الكويت لسلسلة من الضربات أسفرت عن مقتل شخص وإصابة العشرات. كما أصابت هجمات إيرانية محطة «براكة» للطاقة النووية في أبوظبي، ما دفع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى التحذير من «إخلال خطير بالسلامة النووية». كذلك تعرّض مجمّع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر لضربة مباشرة تسببت بأضرار تُقدّر بمليارات الدولارات وأدّت إلى فقدان نحو 17% من طاقته الإنتاجية.
لم تقتصر التداعيات على الأضرار المادية التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت الاستراتيجية، بل طاولت أيضاً الركائز التي استندت إليها اقتصادات الخليج لعقود، وفي مقدمتها الاستقرار والأمن. ومن هذا المنطلق، تبدو الحجة القائلة بوجوب تعويض إيران عن الأضرار التي تسببت بها حجة مباشرة وبديهية.
عندما غزت روسيا أوكرانيا، أمضى خبراء القانون الأمريكيون سنوات في دراسة ما يتيحه القانون الدولي والتشريعات الأمريكية فعلياً في ما يتعلق بمصادرة الأصول الروسية واستخدامها. وقد أفضى ذلك الجدل إلى بلورة إطار قانوني واضح يساعد اليوم على فهم الحدود التي تقف عندها وعود إدارة ترامب لدول مجلس التعاون الخليجي.
تتمثل الخلاصة الأولى في أن «قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية»، وهو الأداة الرئيسية التي استخدمتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لفرض العقوبات وتجميد الأصول الأجنبية، لا يمنح الحكومة الأمريكية سلطة مصادرة تلك الأصول. إذ يجيز القانون التجميد، لكنه لا يجيز المصادرة. وعندما أقرّ الكونغرس هذا التشريع عام 1977، تعمّد استبعاد صلاحية المصادرة منه، وأبقاها ضمن «قانون التعامل مع العدو» الصادر إبان الحرب العالمية الأولى، والذي لا يُطبّق إلا في حالات الحرب المعلنة رسمياً. في عام 2001، أضاف «قانون باتريوت» استثناءً محدوداً يتعلق بالهجمات المباشرة على الولايات المتحدة، قبل أن يقرّ الكونغرس عام 2024 «قانون ريبو» الذي استحدث استثناءً خاصاً بالأصول الروسية. غير أن أي استثناء مماثل لا ينطبق على الأصول الإيرانية. ولذلك، فإن حديث وزير الخزانة سكوت بيسنت عن استخدام «جميع الصلاحيات المتاحة» يخفي حقيقة أكثر بساطة: صلاحيات السلطات التنفيذية الأمريكية في هذا المجال محدودة على نحو كبير.
لا تتوقف العقبات عند حدود التشريعات الأمريكية. فـ«قانون حصانات الدول الأجنبية» يمنح أصول المصارف المركزية الأجنبية حماية واسعة، كما أن مبدأ الحصانة السيادية في القانون الدولي يوفر بدوره حماية قوية للأصول الإيرانية، بالقدر نفسه تقريباً الذي وفره للأصول الروسية. وتُعدّ الحماية الممنوحة للاحتياطات النقدية الأجنبية من أكثر قواعد الحصانة رسوخاً في القانون الدولي العرفي، فيما لم تحسم المحكمة العليا الأمريكية بصورة قاطعة ما إذا كانت الدول الأجنبية تُحرم من ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة عندما تكون ممتلكاتها موضع نزاع.
وقد أظهرت إيران بالفعل أنها لن تسمح بتمرير أي خطوة من هذا النوع من دون مواجهة قانونية. فقد رفعت دعاوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي استناداً إلى «اتفاق الجزائر»، ومن المرجح أن يستند محاموها إلى القيود القانونية المفروضة على قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية للطعن في أي محاولة لنقل الأصول أو إعادة تخصيصها.
ثمة أيضاً معضلة تنفيذية بنيوية غالباً ما يغفلها النقاش الدائر في واشنطن. فالقسم الأكبر من الأصول الإيرانية المجمّدة لا يوجد داخل الولايات المتحدة أو في مؤسساتها المالية، بل في الصين والعراق، أي خارج الولاية القضائية الأمريكية المباشرة. وهذا يعني أن تحويل تعهدات بيسنت إلى تعويضات فعلية لدول الخليج يتطلب تعاوناً من بكين وبغداد، وهما دولتان تربطهما علاقات معقدة بطهران ولم تُظهرا أي استعداد للمشاركة في مثل هذا المسار. وبوسع وزارة الخزانة الأمريكية أن تفرض عقوبات، وأن تصدر قرارات، وأن تبعث برسائل سياسية. لكنها لا تستطيع، من جانب واحد، نقل أموال لا تملك سلطة قانونية أو عملية للتصرف بها.
لماذا تبدو الحجة الخليجية أقوى؟
قد تكون الأسس القانونية الدولية التي يمكن الاستناد إليها لاستخدام الأصول الإيرانية لتعويض دول الخليج أقوى من تلك التي استندت إليها المطالبات المتعلقة بالأصول الروسية عقب الحرب في أوكرانيا، ويعود ذلك أساساً إلى عامل الشرعية متعددة الأطراف. فقد استخدمت روسيا حق النقض في مجلس الأمن لمنع صدور أي تفويض أممي يتيح اتخاذ إجراءات بحق أصولها. أما إيران فلا تتمتع بمثل هذه الحماية. فعندما صوّت مجلس الأمن في مارس 2026 على مشروع قرار يدين الهجمات الإيرانية، اختارت كل من الصين وروسيا الامتناع عن التصويت بدلاً من استخدام حق النقض، ما أتاح تمرير القرار بأغلبية 13 صوتاً ومن دون أي معارضة.
يستند هذا الطرح إلى مبدأ «التدابير المضادة» في القانون الدولي، الذي يجيز للدول اتخاذ إجراءات قد تكون محظورة في الظروف العادية إذا كان الهدف منها دفع دولة منتهِكة للقانون الدولي إلى العودة للامتثال لالتزاماتها. غير أن هذا المبدأ يفرض قيداً أساسياً يتمثل في قابلية هذه التدابير للتراجع؛ أي أن تكون مؤقتة وقابلة للإلغاء لاحقاً.
من هذا المنظور، ينسجم استمرار تجميد الأصول الإيرانية مع هذا الشرط، إذ يمكن رفع التجميد في أي وقت. أما المصادرة النهائية للأصول وتحويلها إلى أطراف ثالثة فلا تستوفي هذا المعيار، وهو تحديداً الحد الذي تتجاوزه الخطة الأمريكية. كذلك، تُعدّ «التدابير المضادة الجماعية»، أي انضمام دول أخرى إلى الدولة المتضررة في ممارسة الضغوط على الطرف المنتهِك، أكثر قابلية للدفاع عنها قانونياً من الإجراءات الأحادية، لا سيما أن دول الخليج هي نفسها الأطراف التي تعرضت للضرر. ومع ذلك، فإن امتلاك أساس قانوني أقوى لا يعني بالضرورة امتلاك أساس قانوني كافٍ، إذ تبقى مشكلة القابلية للتراجع ثغرة جوهرية في المقترح الأمريكي بصيغته الحالية.
معضلة فرساي
تستند النظرة السائدة إلى التعويضات الحربية، والمتأثرة إلى حدّ كبير بكتاب الاقتصادي جون ماينارد كينز «الآثار الاقتصادية للسلام»، إلى قناعة مفادها أن التعويضات العقابية نادراً ما تؤدي إلى النتائج المرجوة منها. ففي كتابه الصادر عام 1919، حذّر كينز من أن التعويضات العقابية التي فرضتها معاهدة فرساي على ألمانيا ستقوّض اقتصادها وتزعزع استقرارها. وقد بدت هذه المخاوف لاحقاً أقرب إلى النبوءة، إذ أسهمت الظروف التي أفرزتها المعاهدة في صعود الرايخ الثالث وتهيئة الطريق أمام اندلاع الحرب العالمية الثانية. غير أن ما فشل في فرساي لم يكن مبدأ التعويضات بحد ذاته، بل نموذج التعويضات العقابية المفتوحة زمنياً، والتي فُرضت من دون وجود آلية مؤسسية واضحة للفصل في النزاعات أو تحديد شروط إنهائها.
في هذا السياق، تمثل «محكمة المطالبات الأمريكية–الإيرانية»، التي أُنشئت بموجب اتفاق الجزائر عام 1981، نموذجاً معاكساً كثيراً ما تتجاهله المقاربة الأمريكية الحالية. فقد نجحت تلك الآلية لأنها قامت على إطار مؤسسي واضح، واتفاق ثنائي بين الأطراف المعنية، وآليات محددة للتنفيذ والتسوية، فضلاً عن كونها قابلة للمراجعة والإنهاء ضمن شروط متفق عليها. ومن هذا المنطلق، قد يكون إنشاء آلية مماثلة لمعالجة الأضرار التي لحقت بدول الخليج، تُموَّل من الأصول الإيرانية المجمّدة وتُربط بتسوية سياسية شاملة، أكثر قابلية للدفاع عنها قانونياً وأكثر اتساقاً من الناحية الاستراتيجية من المقاربة التي يطرحها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت حالياً.
بدورها، التزمت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان الصمت حيال المقترح الذي طرحه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت. فبالنسبة إلى هذه الدول، لا يخلو الظهور بمظهر الشريك في مصادرة أصول سيادية إيرانية من مخاطر سياسية وأمنية كبيرة، خصوصاً أنها تسعى في الوقت نفسه إلى إدارة علاقات دقيقة ومعقدة مع طهران. كما أن إيران أوضحت أنها تنظر إلى أي دولة خليجية تعتبرها متواطئة مع الحملة الأمريكية–الإسرائيلية بوصفها طرفاً في النزاع، وبالتالي هدفاً مشروعاً للرد. ومن هذه الزاوية، فإن المبادرة التي يُفترض أن تصب في مصلحة دول الخليج قد تجعلها أكثر عرضة للمخاطر.
جاء إعلان بيسنت في وقت كانت فيه طهران تطالب بالإفراج عن هذه الأصول نفسها كجزء من أي تسوية شاملة محتملة مع واشنطن. لذلك، يبدو المقترح أقرب إلى رسالة ضغط تفاوضية منه إلى سياسة قانونية قابلة للتنفيذ. ففحواه الضمني واضح: كلما أطالت إيران أمد المفاوضات، ازدادت احتمالات استخدام أموالها في تمويل كلفة إعادة إعمار الأضرار التي لحقت بجيرانها الخليجيين. ولا يخلو هذا المنطق من حسابات سياسية مفهومة. غير أن فعالية رسائل الضغط تبقى رهناً بمدى اقتناع الطرف المقابل بإمكانية تنفيذها. وفي هذه الحالة، تملك طهران أسباباً وجيهة للتشكيك في قدرة واشنطن على المضي في هذا المسار، لا سيما أن الجزء الأكبر من الأصول الإيرانية المجمّدة موجود في الصين والعراق، أي خارج نطاق سيطرتها المباشرة.
في المحصلة، ستظلّ الخطة الأمريكية، ما لم تستند إلى إطار تشريعي جديد أو تتحول إلى آلية مؤسسية منظّمة، تُشبه تلك التي أُنشئت بموجب اتفاق الجزائر، أقرب إلى إشارة سياسية لا تبدو طهران مستعدة للتعامل معها بجدية كاملة، وإلى إطار قانوني قد لا يصمد أمام الاختبار القضائي في الولايات المتحدة، فضلاً عن كونها وعداً يصعب الوفاء به للدول الإقليمية التي تتحمل الكلفة الفعلية للحرب.