الحبانية، العراق. 27 مارس 2026. (تصوير أحمد الربيعي/ وكالة الصحافة الفرنسية)

حرب إيران قد تتسع وتقاعس بغداد يُهدد أمن العراق

قد تتزايد مخاطر اندلاع حرب إقليمية مدمّرة بالتزامن مع تقاعس حكومة علي الزيدي الجديدة عن التعامل مع ارتباط الميليشيات الخارجة عن القانون في العمليات العسكرية

17 أغسطس، 2026
محي الأنصاري

يُشكّل التصعيد العسكري المتواصل بين واشنطن وطهران مقدّمة لمواجهة مفتوحة قد تطول في ظلّ اشتداد وطأة التداعيات الإقليمية ممّا يستدعي من دول المنطقة رفع مستوى جاهزيتها لحماية مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية. لكن بغداد، الأكثر عرضة اليوم بين عواصم المنطقة لهذه التطورات، لا تزال محكومة بنظام سياسي غارق في خلافات هامشية ومعالجات سطحية تعجز عن التعامل مع جذور الأزمات الجسيمة متعدّدة الأوجه التي تلوح في الأفق.

 

يعود ضعف استجابة بغداد إلى عوامل عدّة من بينها تداعيات الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية على الموارد المالية للحكومة، وتُعدُّّ هشاشة بنية الدولة العراقية وتشتّت السلطة على مستوى اتخاذ القرار من أبرزها، ما يكشف عن حجم المخاطر التي قد تترتّب على اندلاع أي مواجهة إقليمية شاملة، لا سيّما وأنّ بعض المجموعات العراقية المسلّحة قادرة على التحرّك خارج الأطر التي رسمتها المؤسّسات الأمنية الرسمية، ولا تكترث كثيراً بخطاب «الحياد»، بل تتعامل معه كشعار يمكن تجاوزه من دون تبعات.

 

كذلك رفضت الميليشيات المسلّحة الخارجة عن القانون دعوات تسليم سلاحها بالكامل في الآونة الأخيرة، وقد أطلق بعضها إشارات مبهمة في محاولة لاستغلال موعد «الانسحاب الكامل» للقوات الأجنبية المتفق عليه، المرتقب في سبتمبر. ويبدو أن بغداد تسير نحو مواجهة تزداد صعوبة مع منظومة ميليشياوية تتسم بجرأة متزايدة وتتمتع بنفوذ يمتد إلى المجالات العسكرية، والسياسية، والبرلمانية، والاقتصادية. ومع ذلك، لا توجد خطة لاحتواء أي انحراف عن المسار المرسوم، سواء تمثّل ذلك في اندلاع مواجهة مفتوحة، أو في رفض الميليشيات نزع سلاحها، أو في اتخاذ الإدارة الأمريكية قراراً بعدم سحب قواتها في الموعد المُحدد، مبرّرة ذلك بالحاجة إلى حماية مصالح الشركات والوفاء بالاتفاقيات، ومنها الاتفاقيات التي وقعتها خلال زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي الأخيرة إلى واشنطن.

 

ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى أنّ «القدرة الداخلية على الصمود» في العراق تُعاني ضعفاً بنيوياً، ولا سيما في أعقاب ما عُرف بـ«هجوم الفجر»، وهي حملة واسعة لمكافحة الفساد أطلقها الزيدي وأدّت إلى توقيف عشرات الأشخاص، من بينهم نواب حاليون وسابقون. وأحدثت الحملة انقسامات عميقة داخل المنظومة السياسية الحاكمة، إذ اعتقدت بعض القوى أنها المستهدفة وحدها، فيما خشيت قوى أخرى أن تكون التالية. وأفضى ذلك إلى أزمة ثقة بين الكتل السياسية العراقية، قد تتحوّل إلى ارتباك مؤسّسي وعجز عن إدارة مؤسّسات الدولة أو الإمساك بالقرارات الحسّاسة.

 

وفي ظل هذه التطوّرات، انزلقت بغداد إلى أزمة اقتصادية عميقة ومقلقة. فقد أدّى إغلاق مضيق هرمز والتراجع الحاد في صادرات النفط العراقية، التي تشكّل عائداتها نحو 90 في المئة من موازنة الدولة، إلى شلّ قدرة الحكومة على إيجاد حلول سريعة لاحتواء غضب شعبي قابل للانفجار في أي لحظة، ولا سيما إذا طالت الأزمة رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين، فضلاً عن أعداد كبيرة من العراقيين المعتمدين على الرعاية الاجتماعية.

 

على الصعيد الخارجي، ارتفعت حدّة التوتر في علاقات العراق مع المجتمع الدولي ودول الجوار لا سيما مع دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما انعكس في ردود الفعل السعودية، والأمريكية مؤخراً. تتزامن هذه التوتّرات مع اتهامات متكرّرة بانطلاق هجمات استهدفت السعودية والمصالح الأمريكية في دول الجوار من الأراضي العراقية.

 

ترسم هذه الأزمات مجتمعة مشهداً بالغ الخطورة: ففي حال انزلقت المنطقة إلى حرب أخرى، قد تجد بغداد نفسها شبه معزولة من الخارج وفاقدة لأوراق القوة في الداخل.

 

في الوقت نفسهُ، تكثّف الولايات المتحدة حشدها العسكري في الشرق الأوسط، فيما تتركّز عشرات الضربات حول مدينة الأهواز الإيرانية، القريبة من الحدود العراقية ومن دول الخليج. كما رفعت إسرائيل مستوى جاهزيتها العسكرية، بما قد يمهّد لعودتها إلى المشاركة المباشرة في الحرب.

 

وثمّة تطوّر آخر لم يحظَ بالقدر نفسه من الاهتمام، على الرغم من مخاطره الإقليمية، ويتمثّل في الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية الإسرائيلية عقب حلّ الكنيست. فقد دخلت إسرائيل مرحلة حاسمة تمتدّ 90 يوماً حتى موعد الاقتراع. ومع تصاعد الضغوط الداخلية المتعدّدة على بنيامين نتنياهو بشأن مستقبله السياسي، قد يلجأ إلى خطوات تصعيدية كبيرة في محاولة للخروج من مأزقه الداخلي.

 

ومن شأن عودة إسرائيل إلى القتال أن تزيد الصراع تعقيداً، وقد تدفع إيران إلى تحريك المجموعات المرتبطة بها في أنحاء المنطقة، ولا سيما في العراق، الذي يُعدّ من أكثر الدول عرضة لتداعيات أي تصعيد إضافي. ويتفاقم هذا الخطر مع وجود مصالح أمريكية على الأراضي العراقية، واستمرار الميليشيات الخارجة عن القانون في امتلاك صواريخ وطائرات مسيّرة يمكن استخدامها ضد أهداف أمريكية أو دول الخليج.

 

خلال المرحلة الأولى من الحرب الإسرائيلية-الأمريكية، التي امتدت 40 يوماً، أخفقت بغداد في منع الميليشيات الخارجة عن القانون من الانخراط في التصعيد، ما يثير احتمال أن تكرّر السيناريو نفسه في أي مواجهة مقبلة. وقد يجد الزيدي، الذي أجرى محادثات مطوّلة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقدّم تعهدات عدّة بكبح الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، نفسه أمام مأزق خطير، إذ قد تتهاوى كلّ ضماناته لواشنطن فور إطلاق أول طائرة مسيّرة من الأراضي العراقية. وقد يخلص ترامب، الذي يسعى إلى تحقيق نتائج سريعة، إلى أن الحكومة العراقية تراوغ وتشتري الوقت، من دون فرض سيطرة فعلية أو اتخاذ خطوات ملموسة على الأرض.

 

وقد تزجّ هذه التطوّرات، التي تبدو بغداد أنها غير مستعدّة لها على الإطلاق، البلاد في أزمة سيادة لا تقلّ خطورة عن تلك التي واجهتها في السابق. فقد تجد الولايات المتحدة وإسرائيل في حال إطلاق طائرات مسيّرة أو صواريخ من الأراضي العراقية، ذريعة لشنّ ضربات داخل المدن العراقية، كما حدث سابقاً عندما استُهدفت مقار الميليشيات المسلّحة ومستودعات أسلحتها وقادتها. وقد تواجه الحكومة العراقية أيضاً ضغوطاً دبلوماسية واقتصادية، وربما عقوبات أمريكية تطاول أفراداً ومؤسّسات يُعتقد أنها تدعم أنشطة الميليشيات.

 

لم يعد الخطر مجرد افتراض. فالهجمات التي استهدفت منطقة العبدلي في الكويت، ولا سيّما في ظل اتهامات بأن مجموعات عراقية تقف خلفها، إلى جانب هجمات أخرى أعلنت السعودية والأردن إنها انطلقت من الأراضي العراقية، تضع بغداد على مسار صدام مباشر مع جيرانها الخليجيين. كما أن ميل بغداد إلى الاكتفاء بتشكيل لجان تحقيق رداً على هذه الشكاوى يكشف عجز المؤسّسات الرسمية عن فرض السيطرة على الأرض، ويرسل إشارة لا لبس فيها إلى أن قرار الحرب والسلم بات خارج سلطة مؤسّسات الدولة، ولا سيّما إذا بلغ التصعيد حدّاً تعتبر معه إيران أن جميع الخيارات باتت مطروحة.

 

تتجاوز المشكلة السلطات الرسمية، وتمتد أيضاً إلى القوى السياسية، ولا سيما فيما يتعلق بـ «الإطار التنسيقي» الذي يضمّ أبرز الأحزاب الشيعية والذي أظهر حتى الآن عجزه عن كبح الميليشيات الخارجة عن القانون الرافضة لتسليم سلاحها. وقد تتحوّل علاقته المتوترة أصلاً مع الحكومة، بالتزامن مع حملة مكافحة الفساد التي انطلقت مؤخراً إلى عبء إضافي إذا خلصت واشنطن إلى أن الضمانات العراقية لا تواكبها خطوات ملموسة على الأرض.

 

من هذا المنطلق، يشكّل اعتماد الحكومة العراقية على ضربات محدودة ومتبادلة ضدّ هذه المجموعات رهانات قد تفضي سريعاً إلى نتائج كارثية. ومن المهم أن تُدرك بغداد أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل الاكتفاء بتقديم الضمانات الشفهية للأطراف الخارجية ومراقبة التطوّرات بحذر، بل تتطلّب انتقالاً فورياً إلى التخطيط الاستراتيجي والتحرّك العاجل، من دون الوقوع مجدداً في الحسابات الخاطئة التي جعلت العراق يلاحق الأحداث بدلاً من استباقها وحماية مصالحه الوطنية.

 

ويقتضي سيناريو «المواجهة المفتوحة» أن تنشئ بغداد مركزاً رفيع المستوى لإدارة الأزمات فوراً ، وأن ترفع مستوى جاهزيتها لحماية البنى التحتية الحيوية، بما فيها المطارات والمنشآت النفطية والبعثات الدبلوماسية. كما يتعيّن عليها تشديد المراقبة على الحدود وفي المواقع المشتبه باستخدامها لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإجراء تحقيق شفّاف في حادثة العبدلي بالتنسيق مع الكويت، وتفعيل قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن وطهران وعواصم الخليج لإعادة التأكيد على عدم جواز استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لشنّ هجمات، فضلاً عن حشد موقف سياسي داخلي موحّد لمواجهة القوى التي تنفرد بجرّ البلاد إلى الحرب.

 

ستُشكّل الساعات والأيام المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة الجديدة على الدفاع عن سيادة العراق، ومنع تحوّله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، والإبقاء على قرار الحرب والسلم بيد الدولة. كما تفرض التطوّرات المتسارعة على الأرض أن تتجاوز الحكومة مجرّد مراقبة الأحداث، وأن تضع خطط طوارئ وأن تبني القدرة اللازمة على الصمود أمام العواصف المقبلة.

 

لقد علّمنا التاريخ المضطرب للمنطقة، والتجربة العراقية نفسها، أن الأزمات الإقليمية لا تتيح حياداً بلا كلفة. فالدولة التي تعجز عن منع استخدام أجوائها وأراضيها، وتفشل في تعزيز «منعتها الداخلية»، ويُنظر إليها على أنها عاجزة عن ممارسة سلطة فعلية، ستدفع حتماً جزءاً من كلفة الصراع وتُصبح إحدى ضحاياه.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: إيران، العراق

المؤلف

صحفي عراقي، مؤسس ورئيس مركز الرشيد للتنمية
صحفي عراقي، مؤسس ورئيس مركز الرشيد للتنمية الذي يُعنى بالبحوث ذات الصلة بحقوق الإنسان والسياسات العامة