لعلّ أحد أخطر التطورات التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم يتجاوز مسألة تفاقم النزاعات إلى التقويض المتعمد للمساحة الدبلوماسية اللازمة لوضع حدّ لها. فالحروب، مهما طال أمدها، تستلزم انعقاد المفاوضات، وحتى الحكومات التي تتمسك بمواقفها المتشددة تسعى للاستعانة بالوسطاء من أجل نقل رسائلها إلى الخصم، والتي يتعذر عليها تبادلها بشكل مباشر معه. ومع ذلك، يظهر نمطٌ متهور ومتناقض، إذ تطالب أطراف النزاع بالوساطة في الوقت الذي تستمر فيه بممارسة الضغوط والتهديدات وشنّ الهجمات على الدول الوسيطة.
يتجسّد هذا النمط في الوساطة القطرية والعُمانية بوضوح، إذ تتجاوز هاتان الدولتان الانقسامات الجيوسياسية، وتحافظان على العلاقات التي تخوّلهما التواصل مع الأطراف المتنازعة وعدم الانحياز لأي منها. وعلى الرغم من ذلك، تعرّضت قطر لهجمات من إسرائيل ومن إيران، كما تعرّضت عُمان لهجمات إيرانية رغم دورها في تسهيل التواصل مع طهران. كذلك، كرّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تهديده باستهداف سلطنة عُمان لو تدخلت فيما وصفها بجهود الولايات المتحدة المتعلقة بمضيق هرمز.
ولا شكّ أنّ مسؤولية تقويض المساحة الدبلوماسية تقع كاملة على عاتق الأطراف المهاجمة، فالدولة التي تنتهك مراراً أمن الطرف الوسيط وسيادته لا يمكنها التعويل على قدرة هذا الوسيط أو رغبته في إنقاذ الجهود الدبلوماسية، لا سيّما عندما يبلغ التصعيد مرحلة لا يمكن للأطراف الوسيطة تحمّل تداعياتها.
لقد شكّل الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في 9 سبتمبر 2025 مثالاً واضحاً على الاعتداء المادي الذي استهدف مبدأ الوساطة. فقد استهدفت القوات الإسرائيلية قادة من حركة حماس في الدوحة في اللحظة التي كانوا فيها يدرسون مقترحاً لوقف إطلاق النار مدعوماً من الولايات المتحدة، ما أسفر عن مقتل ستة أشخاص، بينهم أحد أفراد قوات الأمن القطرية. ولم يكن ذلك أثراً جانبياً للحرب بين إسرائيل وحماس، بل قراراً متعمداً بنسف طاولة المفاوضات نفسها. وقد جاءت استضافة قطر للوجود السياسي لحماس في الدوحة بسبب استخدام الولايات المتحدة وإسرائيل وأطراف أخرى لقنوات قطر في التواصل من أجل نقل المقترحات، والتفاوض بشأن إطلاق سراح الرهائن، والسعي إلى وقف إطلاق النار. ومع ذلك، استهدفت إسرائيل، على أراضي الوسيط نفسه، أفراداً كان يُنتظر من قطر إيصالهم إلى طاولة المفاوضات. وبالتالي، لا يمكن لأي ذريعة تتعلق بالضرورة العسكرية أن تُبرر هذا الاعتداء، فعندما يُهاجم أحد أطراف النزاع وفوداً تفاوضية داخل عاصمة وسيط معترف به، فإنّ هذا الفعل يحوّل الوساطة من قناة يُفترض أن تتمتع بالحماية إلى أداة للاستهداف، وعلى الطرف المهاجم أن يتحمّل مسؤولية التداعيات الدبلوماسية الناجمة عن ذلك. وإذا عجزت الوفود عن ضمان حد أدنى من السلامة، فإن العمل الدبلوماسي بحد ذاته يصبح محفوفاً بالمخاطر.
في السياق نفسه، يقدّم السلوك الإيراني نموذجاً مختلفاً للعمل العدواني ذاته، لكنه لم يتوقف عند هجوم واحد. ففي 23 يونيو 2025، أطلقت إيران صواريخها باتجاه قطر رداً على ضربات أمريكية استهدفت أراضيها. واعترضت الدفاعات الجوية القطرية تلك الهجمات، وأدانت الدوحة ما اعتبرته، وما يُشكّل بالفعل، انتهاكاً صارخاً لسيادتها ومجالها الجوي. وبذلك، يكون الهجوم قد استهدف دولة مجاورة عارضت التصعيد، وحافظت على قنواتها مع طهران تحديداً، في مسعى منها لمنع تفاقم الصراع وتوسعه في الخليج.
وخلال الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية لعام 2026، تحوّل هذا الانتهاك إلى حملة مستمرة، ومع تجدد العمليات العسكرية الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، شنّت طهران هجمات متكررة على قطر استمرت لعدّة أشهر. وفي أواخر فبراير عام 2026، أطلقت إيران عشرات الصواريخ باتجاه الأراضي القطرية، بما في ذلك مناطق قريبة من مطار حمد الدولي، ما أدى إلى إصابة مدنيين. وفي مطلع مارس من العام نفسه، استهدفت طائرات مسيّرة وأخرى عسكرية منطقتي رأس لفان ومسيعيد الصناعيتين، وتمكّن طيارون قطريون من إسقاط قاذفتين إيرانيتين انتهكتا المجال الجوي القطري. فضلاً عن ذلك، أسفر هجوم إيراني لاحق على منطقة «رأس لفان» عن تعطيل جزء كبير من صادرات قطر من الغاز الطبيعي، وتوالت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال فصلي الربيع والصيف، مما أدى إلى مقتل مواطن قطري في شهر يونيو.
وهكذا، وجدت الدوحة نفسها، بعد سنوات من الدعوة إلى خفض التصعيد مع طهران، مضطرة في النهاية إلى اعتبار أفراد عسكريين إيرانيين «أشخاصاً غير مرغوب فيهم». ولم تكن الهجمات الإيرانية بذريعة الردع، بل عقاباً ممنهجاً لدولة مجاورة تمثّلت خطيئتها الكبرى في رفضها التخلي عن مبدأ الدبلوماسية، وكان ذلك بمثابة رسالة إلى كل عواصم المنطقة مفادها أنّ الحوار مع طهران لا يوفر أي حماية من الصواريخ الإيرانية.
لم تكتفِ طهران بهذا الحدّ، بل أضافت الإكراه السياسي إلى الإكراه العسكري. ففي أغسطس 2026، زعم مسؤولون إيرانيون أن قطر تحتجز سراً ثلاثة طيارين من طاقم الطائرة التي أُسقطت في شهر مارس. وقد نفت قطر هذا الادعاء نفياً قاطعاً، موضحةً أن فرق البحث والإنقاذ التابعة لها انتشلت رفات أحد الطيارين، وتواصلت مع طهران بشأن تسليمها، كما دعت إيران، منذ أبريل، إلى الاطلاع على عملية البحث، لكنها لم تتلقَّ أي ردّ من طهران.
يُمثّل مصير الطيارين مسألة إنسانية مشروعة تستوجب الشفافية. لكن تحويلها إلى اتهام علني للوسيط بإدارة عملية احتجاز سرية ليس سوى حملة تشويه ينبغي توصيفها على هذا النحو. إذ يحوّل هذا الاتهام قطر من دولة وسيطة إلى دولة متهمة، ويمثل شكلاً من أشكال الإكراه عبر توجيه الاتهامات إلى دولة يُتوقع منها أن تستمر في مساعي الوساطة عبر القنوات الدبلوماسية، مع مواصلة الاستفادة منها.
وفي هذا الإطار، تُظهر تجربة سلطنة عُمان أن المشكلة اتخذت طابعاً إقليمياً. إذ تُعد مسقط واحدة من العواصم القليلة أيضاً القادرة على التواصل بمصداقية مع كل من إيران والحكومات الغربية، وقد أصدرت السلطنة في 23 يونيو 2026 بياناً مشتركاً مع إيران أكدت فيه مجدداً التنسيق الدبلوماسي وضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز.
لكن بعد ثلاثة أسابيع فقط، استدعت عُمان السفير الإيراني وقدمت احتجاجاً رسمياً على هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت محافظتي مسندم والوسطى، واصفةً إياها بأنها انتهاكات غير مسؤولة للسيادة العُمانية ومبادئ حسن الجوار. وهكذا، وقّعت إيران بيانات مشتركة مع دولة وسيطة ثم استهدفت أراضيها في الشهر ذاته. وبالتالي، لا يمكن لأي منظومة وساطة أن تصمد طويلاً أمام معادلة من هذا النوع.
تعكس هذه الانتهاكات قصوراً في فهم ركائز الوساطة والآليات التي تجعلها ممكنة، فالوسطاء يستمدون دورهم الفاعل من شبكة علاقاتهم واتصالاتهم، لا من عزلتهم. فقدرة قطر على القيام بدور الوسيط تنبع من تواصلها مع واشنطن وطهران والأطراف الفلسطينية، ومع إسرائيل أيضاً عند الضرورة. وبالمثل، تتمتع سلطنة عُمان بمصداقية لدى طهران إلى جانب علاقاتها الراسخة مع الولايات المتحدة وشركائها الخليجيين.
تُشكّل هذه العلاقات التي قد تبدو متناقضة البنية التحتية للوساطة. وبالتالي، فإن معاقبة قطر بسبب استضافتها قوات أمريكية، أو قصف الدوحة بسبب استضافتها مفاوضين من حركة حماس، أو تشويه سمعة وسيط لمجرد رفضه تبني رواية أحد الأطراف، يؤدي إلى تدمير الشبكة التي يجري من خلالها احتواء الأزمات، ويُقلص الخيارات المتاحة للطرف المهاجم نفسه في المستقبل.
وما تحتاج إليه المنطقة بصورة عاجلة هو إرساء قاعدة واضحة لحماية الوسطاء، تقترن بعواقب ملموسة عند انتهاكها. وهذا لا يعني جعل الوسطاء بمنأى عن المساءلة السياسية أو النقد، بل يستلزم أخذ ثلاثة التزامات في الاعتبار. أولاً، يجب تحييد أراضي الدولة التي تضطلع بدور الوسيط ومجالها الجوي وطاقمها عن الأعمال العدائية، وألا تستخدم الأطراف المتحاربة الدولة الوسيطة بديلاً لاستهداف الخصم الرئيسي.
ثانياً، ينبغي أن تتمتع الوفود التفاوضية التي تستضيفها الدولة الوسيطة بحماية مادية موثوقة، لا يضمنها البلد المضيف وحده، بل تضمنها كذلك القوى المستفيدة من المحادثات؛ وهي ضمانة للولايات المتحدة، على وجه الخصوص، مصلحة مباشرة في توفيرها. ثالثاً، ينبغي إبقاء الخلافات مع الوسيط ضمن القنوات الدبلوماسية، بحيث تترتب تبعات واضحة على أي هجمات أو حملات تشويه يشنها أحد الأطراف المتحاربة ضد الدولة الوسيطة، بدءاً من الإدانة الرسمية، وقد تصل إلى تعليق استفادة الطرف الذي انتهك مبدأ الوساطة من القنوات ذاتها التي يسيء استخدامها.
في غياب هذه الالتزامات والعواقب الملموسة، ستدرك الدول الأصغر حجماً أن أداء دور الوسيط سيمثل عبئاً عليها، مما سيدفعها إلى تقليص انخراطها في جهود الوساطة، ويؤدي إلى انحسار قنوات الاتصال غير الرسمية وتآكل المساحات المحايدة في وقت ترتفع فيه وتيرة الاستقطاب السياسي والعسكري.
إن المبدأ بسيط في صميمه؛ فالدبلوماسية لا تستمر بفضل قدرة الوسطاء على تحمل الهجمات المتكررة، بل لأنها تقوم على إدراك الأطراف المتحاربة أن ثمة قنوات لا بد أن تظل بمنأى عن الصراع إذا ما أُريد له أن ينتهي يوماً ما. لقد واصلت قطر الدعوة إلى الحوار بعد أن استهدفتها إيران عام 2025، وعادت إلى أداء دور الوساطة عقب الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، وأبقت قنوات الاتصال مفتوحة حتى وهي تتعرض لأشهر من الهجمات الإيرانية في عام 2026.
كما واصلت سلطنة عُمان تيسير الحوار بين الأطراف في الوقت الذي كانت تحتج فيه على الهجمات التي طالت أراضيها. ولا بدّ لأطراف الصراع من إدراك أن هذا القدر من ضبط النفس يُمثل خدمة لاستقرار المنطقة، وليس دعوة إلى تكرار الاعتداء؛ فكلّ ضربة أو تهديد أو اتهام يزيد من تكلفة الدبلوماسية ويُضعف البنية الإقليمية التي ستحتاج إليها جميع الأطراف حين تبلغ المواجهة الحدّ الأقصى. والمسؤولية تقع حيث ينبغي أن تقع: على عاتق إسرائيل وإيران، وأي دولة قد تندفع لاتباع النهج ذاته. فمن يطلب الوساطة لا يمكنه استهداف الوسيط.