في 31 مارس، سجّل خام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، 126.69 دولاراً للبرميل. وتوقّع فريدون فشراكي، الرئيس الفخري لشركة استشارات عالمية في قطاع الطاقة، لوكالة بلومبرغ إن استمرار إغلاق مضيق هرمز بصورة شبه كاملة من شأنه أن يرفع السعر إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل في غضون أسابيع. كذلك، قدّر بنك «جي بي مورغان» بدوره أن يبلغ السعر 150 دولاراً خلال شهر من الإغلاق الكامل للمضيق، فيما توقّعت شركة «آي إن جي» المالية العالمية وصوله إلى 140 دولاراً في أسوأ السيناريوهات.
لكن الأسعار سلكت مساراً مختلفاً. فبعد سبعة أيام، بلغ برنت ذروته عند 138.21 دولاراً ثم تراجع. وعلى امتداد الأشهر الأربعة ونيف التالية، شهد برنت تقلّبات كثيرة، لكنه لم يقترب يوماً من 150 دولاراً خلال أيام التداول، وبقي دون 100 دولار على مدار 64 في المئة خلال تلك المرحلة، بمتوسط بلغ 94.10 دولاراً. ومع تجدّد التصعيد بين الولايات المتّحدة وإيران في يوليو لم يصل السعر إلى ما يتجاوز 100 دولار بكثير.
بطبيعة الحال، لا يزال سعر النفط أعلى بكثير ممّا كان عليه قبل اندلاع الحرب في أواخر فبراير، إلا أنه لم يصل إلى المستويات المتوقعة، وهذا يطرح تساؤلات مهمة عن هشاشة السوق وقدرتها على الصمود، والعوامل التي تقف فعلياً خلف هذه التقلّبات الحادّة التي شهدناها منذ بداية الحرب، والتوقعات المستقبلية فيما يبدو أنها فترة طويلة من الضغوط التي تتعرض لها إمدادات الطاقة العالمية.
يُمكن تفسير انخفاض الأسعار عن التوقعات واستمرار التقلبات برهان السوق بشكل متواصل على إعادة فتح مضيق هرمز قريباً وبصورة مستقرّة، رغم الإعلان عن إغلاقه ست مرات خلال خمسة أشهر. وقد أبقى هذا الرهان الأسعار في مستوى أدنى بكثير مما يقتضيه حجم الإمدادات المفقودة، فكلما تزايدت الشكوك في إمكانية إعادة فتح المضيق تتعرض الأسعار لهزّات حادة. وإذا تخلّت الأسواق عن هذا الرهان على نطاق واسع فقد نشهد قفزة قوية في الأسعار.
لغز الأسعار
ظلّ إنتاج الهيدروكربونات في الخليج رهينة الحرب الإسرائيلية الأمريكية- الإيرانية طوال ما يقارب نصف عام. ففي فبراير، صدّرت السعودية 7.28 ملايين برميل من النفط الخام يومياً، قبل أن تتراجع صادراتها في أبريل إلى 3.99 ملايين برميل، بانخفاض 45 في المئة. وكان الوضع أسوأ بكثير في دول الخليج التي لا تملك مساراً بديلاً للتصدير يتجاوز مضيق هرمز. ففي الكويت مثلاً هبطت صادرات الخام من 1.21 مليون برميل يومياً في فبراير إلى 41 ألف برميل فقط في أبريل.
وعلى الرغم من اختفاء نحو 15 في المئة من إمدادات النفط العالمية فعلياً بين ليلة وضحاها، والأضرار التي لحقت بالبنى التحتية للإنتاج والخدمات اللوجستية، والغموض الجيوسياسي الكبير الذي يُحيط بموعد انتهاء الأزمة، إلا أن أسعار النفط ظلّت منخفضة بالمقارنة مع التقديرات الأولية.
يمكن تفسير هذه الجزئية بديناميكيات العرض والطلب. فقد رفعت الدول المنتجة من خارج الخليج إنتاجها ومنحت الولايات المتّحدة إعفاءات من العقوبات المفروضة على روسيا، وعلى إيران في البداية. واعتمدت وكالة الطاقة الدولية نهج «مهما كلّف الأمر» في السحب من الاحتياطيات، فيما خفّضت الصين وارداتها بعدما أمضت سنوات في بناء مخزوناتها وتقليص اعتمادها على خام الخليج، وقلّصت القطاعات الصناعية استهلاكها. لكن كلّ ذلك لا يفسّر فارقاً يتراوح بين 50 و110 دولارات للبرميل، ولا يفسّر التأرجح الحاد في الأسعار.
ومع إطالة أمد الحرب، ازداد الضغط على الإمدادات. ففي 13 أبريل، فرضت واشنطن حصاراً بحرياً على إيران ما حال دون وصول نحو 1.7 مليون برميل يومياً إلى الأسواق كانت بمعظمها متجهة إلى الصين. في 20 يوليو، أعلنت حركة «أنصار الله» في اليمن، المعروفة بالحوثيين، حصاراً على حركة الشحن السعودية عبر مضيق باب المندب، وأضرمت النار في ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر.
وأدّى تعطيل الممرّ البحري الحيوي عند الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية إلى بقاء خُمس صادرات النفط العالمية عالقة مع إغلاق هرمز. وهنا يكمن اللغز: كيف يمكن أن تُسحب كل هذه الإمدادات من السوق، أو تصبح مهدّدة، من دون أن تقترب الأسعار حتى الآن من المستويات التي توقّعتها التقديرات؟
يمكن تفسير جانب من هذا اللغز بالطريقة التي تعرض بها وسائل الإعلام أسعار النفط. فقد ظلّ السعر الفوري لخام برنت، أي السعر المدفوع مقابل شحنة تُسلَّم فعلياً، أعلى من سعر العقود الآجلة، أي السعر المتفق عليه لتسليم الشحنة في موعد لاحق، وهو السعر الذي تستشهد به الأخبار عادة.
عادةً ما يكون الفارق بين السعرين ضئيلاً، إذ بلغ متوسطه 0.88 دولار في 2025. لكنه ارتفع في أبريل 2026 إلى 15.19 دولاراً في المتوسط، ووصل إلى 28.94 دولاراً في 7 أبريل. بعبارة أخرى، كان السعر المتداول إعلامياً أدنى بكثير من الكلفة الفعلية للبرميل خلال معظم أيام ذلك الشهر. ثم تقلّص الفارق واختفت علاوة السعر الفوري تقريباً، في ما بدا حينها وكأن السوق قد خلصت إلى أن الأزمة انتهت. لكن العلاوة سرعان ما عادت، وبدأ سعر العقود الآجلة نفسه يتأرجح بقوة مع تبدّل توقعات موعد انتهاء الحرب.
توتر السوق
يعكس انخفاض الأسعار، في جوهره، رهاناً على الفترة الزمنية المؤقتة للاضطرابات في الإمدادات وعلى اقتراب التسوية. لكن ثقة السوق بهذا السيناريو تبقى هشّة وسهلة التزعزع. فقد ارتفع التقلّب الفعلي في أسعار برنت، من 34 في المئة خلال الشهرين السابقين للحرب إلى أكثر من 100 في المئة في أبريل، ثم تراجع إلى 49 في المئة بحلول يونيو، قبل أن يعاود الارتفاع إلى نحو 85 في المئة، أي إلى نحو ضعفين ونصف مستواه قبل الحرب، محسوباً على أساس سنوي.
تعكس هذه التقلّبات نمطًا متكررًا من الرهانات السوقية، إذ تراهن الأسواق على مسارٍ معين، ثم تتراجع عنه مع تبدّد توقعاتها قبل أن تعود إلى الرهان عليه مجددًا. ويتجلّى هذا النمط بوضوح أكبر عند قراءة تحرّكات الأسعار في ضوء التسلسل الزمني للحرب (الرسم 2).
يكشف استمرار هذا التقلّب وعند هذه المستويات تبّني السوق قناعة ما ثم التخلي عنها سريعاً، لتعيد الكرة مراراً. ويؤكّد توتر السوق أيضاً أن أربعاً من أكبر خمس تحرّكات يومية في الأسعار خلال الحرب اتجهت نحو الانخفاض.
ومن خلال رصد 23 واقعة تصعيد محدّدة على امتداد فترات زمنية مختلفة، يتبيّن أن سبعاً منها أدّت إلى انخفاض الأسعار، في حين سجّل متوسّط استجابة السوق لمجمل هذه الوقائع ارتفاعاً بنسبة 2.4 في المئة. ويُشير ذلك إلى أنّ المتداولين تعاملوا مراراً مع التصعيد باعتباره خطوة قريبة من التسوية.
وتكشف الأرقام أيضاً ما الذي يُخيف السوق تحديداً. فقد حرّكت الهجمات على السفن الأسعار بمتوسّط 4 في المئة، بينما لم يتجاوز أثر الضربات الأمريكية على إيران 1.7 في المئة، وهي حركة تكاد تكون مماثلة لأي يوم تداول عادي. لذلك، يبدو أن السوق تُسعّر بالدرجة الأولى مخاطر تعطّل حركة الشحن، أي احتمال توقف الشحنات فعلياً، قبل أن تعود مرة مراراً إلى الرهان على استئناف حركتها قريباً.
يظهر الاضطراب نفسه في جغرافية الأسعار. فبرنت هو المعيار المرجعي للنفط المنقول بحراً، ولذلك يعكس سعره ما يستعد العالم لدفعه لتعويض البراميل العالقة خلف الممرّات البحرية المغلقة. أما خام غرب تكساس الوسيط، وهو المعيار الأمريكي، فيُسعّر انطلاقاً من خام مخزّن في صهاريج ولاية أوكلاهوما غير الساحلية، أي من براميل لا تقترب أصلاً من مضيق هرمز.
يشكّل الفارق بين السعرين أقرب مقياس تملكه السوق لتسعير مخاطر إخراج النفط من الخليج، وتُعدّ تقلبات الأسعار الشديدة مثيلة للتقلبات التي يشهدها برنت. فقد اتسع إلى نحو 26 دولاراً للبرميل في مطلع أبريل، ثم كاد يختفي ليبلغ 1.20 دولار فقط بحلول منتصف يوليو، بعدما أقنعت السوق نفسها بأن التسوية وشيكة. ومنذ ذلك الحين، توسع مُجدداً ليبلغ 8.49 دولارات، أي أكثر من ضعف متوسطه في 2025 البالغ 3.58 دولارات (الرسم 3).
بعبارة أخرى، لم يتقلّص الفارق ثم يستقر، بل انكمش خلال فترة الهدوء قبل أن يتسع مجدّداً. وقد حدث ذلك من دون أي تحسّن ملموس في حركة النفط بحراً. ففي يوليو، بقي حجم التدفقات عبر ساحل الخليج في السعودية والإمارات أقلّ بنحو ثلاثة أرباع بالمقارنة مع العام السابق، فيما ظلّ المضيقان مغلقين فعلياً. إذاً، السوق لا تعيد تقدير حجم الخطر بقدر ما تغيّر رأيها مراراً بشأن موعد انتهائه.
لم يترتّب على هذا التبدّل في توقعات السوق كلفة تُذكر حتى الآن، إذ سرعان ما أعقبت كلَّ موجة تشاؤم توقعاتٌ أكثر تفاؤلًا، لتعود الأسعار في كل مرة تقريبًا إلى النقطة التي بدأت منها. لكن هذا الرهان غير متكافئ، لأنه يستند إلى توقع إعادة فتح المضائق، فيما لا يوجد سقف طبيعي لارتفاع الأسعار إذا خاب هذا التوقع. وإذا تبدّد الأمل في إعادة فتحها، فقد تتجه الأسعار نحو نطاق 150 إلى 200 دولار للبرميل الذي يوحي به فعلياً حجم الإمدادات المفقودة.
الرهان على آفاق التسوية
تكشف البيانات أن سعر النفط الحالي لا يعكس واقع الإمدادات الراهن بقدر ما يعكس توقعات السوق بشأن الدبلوماسية والاستراتيجية وانعكاساتهما على الإمدادات المستقبلية. بعبارة أخرى، تستند الأسعار إلى رهان متواصل على إعادة فتح المضائق المحيطة بشبه الجزيرة العربية قريبًا، واستمرار حركة الملاحة فيها بصورة مستقرة.
لقد تبنّت السوق هذا الرهان وخسرته مراراً منذ فبراير: بعد محادثات إسلام آباد، وبعد تعليق عملية «مشروع الحرية» في مايو، ثم بكلفة أكبر بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في 17 يونيو. فقد دفع الاتفاق سعر برنت إلى أدنى مستوى له خلال الحرب، عند 68.53 دولاراً في 2 يوليو، قبل أن تنهار الهدنة بعد ستة أيام فقط ويعود السعر إلى 100 دولار في أقل من ثلاثة أسابيع.
ينقل الطبري أن العرب قبل الإسلام كانوا «عالقين على صخرة بين أسدين، فارس وروما». ويقف الخليج اليوم على صخرة مماثلة، بعدما أمضت سوق النفط خمسة أشهر تراهن على أن أحد الأسدين سيتراجع قريباً. لكن التطورات الراهنة تشير إلى احتمال خسارة هذا الرهان، ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات جديدة شديدة الارتفاع ويدخل الاقتصادين الإقليمي والعالمي في ركود.
وقد تطيح بهذا الرهان مجموعة من التطورات: أن يستمر الصراع والإغلاق مدة تتجاوز قدرة السوق على الانتظار؛ وفقدان مسار الالتفاف الوحيد الذي وفّر بعض المتنفس، أي خط الأنابيب السعودي شرق-غرب؛ وإدراك أن ممراً بحرياً أُعلن إغلاقه ست مرات خلال خمسة أشهر لن يُعاد فتحه بصورة موثوقة في المدى القريب؛ وغياب مسار واقعي للعودة إلى الوضع السابق، مع احتمال أن يصبح تحكّم إيران الدائم بالمضيق واقعاً جديداً، بما يشمل نظاماً للعبور وفرض رسوم عليه؛ وربما الأهم من ذلك كله، عجز الدبلوماسية عن ردم الهوة شبه المستحيلة بين مواقف ازدادت تصلّباً وخصوم تنعدم بينهم الثقة المتبادلة.