طوال سنوات حكم الأسد، طغى المنظور العسكري على توظيف موقع سوريا الجغرافي. فقد شكّلت الاعتبارات الأمنية الداخلية وإبقاء النظام على قيد الحياة أولوية على حساب التكامل الاقتصادي. وهذا حال دون استفادة البلاد من إمكانات موقعها الجغرافي بين الخليج وتركيا والعراق والبحر المتوسط.
ثم جاءت الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011 لتُعمّق عزلتها، وتقطع طرق التجارة، وتُبعد فرص الاستثمار، وتحوّل هذا البلد الذي شكّل نقطة وصل إقليمية لعقود إلى طريق اقتصادي مسدود.
اليوم، تسلك حكومة أحمد الشرع مساراً مختلفاً. إذ تتعامل دمشق مع الانفتاح الاقتصادي باعتباره ركناً أساسياً في ترسيخ الدولة على الرغم من استمرار التحديات الأمنية. وتستخدم الحكومة مشروعات البنية التحتية والطاقة والربط الإقليمي لإعادة بناء حضور سوريا الدبلوماسي، بالتوازي مع جهود إعادة الإعمار. ولا تستهدف هذه السياسة جذب الاستثمارات الأجنبية فحسب، وإنما تسعى أيضاً إلى ربط استقرار سوريا على المدى الطويل بالمصالح التجارية المشتركة لدول الجوار.
وقد حفزّت الاضطرابات التي أصابت حركة التجارة البحرية عبر الخليج خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية هذا التوجه. فمع تزايد المخاطر الجيوسياسية التي تهدّد مضيق هرمز وباب المندب، بدأت حكومات المنطقة والمستثمرون ينظرون بجدية أكبر إلى الممرات البرية البديلة القادرة على ربط منتجي الطاقة في الخليج بمنافذ التصدير على البحر المتوسط. ونتيجة لذلك، ازدادت القيمة الاستراتيجية للموقع الجغرافي السوري، ليس لأن الجغرافيا تغيّرت، وإنما لأن البيئة الاستراتيجية المحيطة بها تبّدلت.
استعادة الحضور السياسي من خلال الاقتصاد
منذ توليها السلطة، سعت حكومة أحمد الشرع إلى طمأنة الحكومات الإقليمية إلى أن سوريا ما بعد الأسد ستنتهج مساراً مختلفاً. فقد سادت في البداية حالة من الشك، ولا سيما في دول الخليج والعراق، بسبب ارتباطات بعض قيادات السلطة الجديدة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش)، إلى جانب الغموض الذي أحاط بتوجهات سوريا المستقبلية. وردّت دمشق على هذه المخاوف بحراك دبلوماسي نشط، ركّزت فيه على التعاون البراغماتي وتغليب المصالح المشتركة على الاصطفافات الأيديولوجية.
كذلك، عكست اللقاءات رفيعة المستوى مع السعودية والإمارات وقطر والعراق هذا التوجه، إذ أكدت رغبة دمشق في إعادة بناء علاقاتها الإقليمية عبر شراكات اقتصادية. وتزامنت هذه التحركات مع دعوات وجهتها الحكومة إلى المستثمرين الخليجيين للمشاركة في إعادة الإعمار، وقطاع الطاقة، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية، بما عزّز صورة سوريا باعتبارها دولة تتجه نحو الاندماج في محيطها الإقليمي.
وانعكس هذا التحول بوضوح في العلاقة مع العراق. فقد كان المسؤولون العراقيون من أوائل المسؤولين العرب الذين زاروا دمشق بعد سيطرة هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع على المدينة في ديسمبر 2024، وأسهمت تلك الزيارات في تبديد جانب كبير من المخاوف الأولية. وعندما أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز في مارس 2026 إلى تعطيل صادرات النفط العراقية، عرضت دمشق استخدام موانئها على البحر المتوسط كمنفذ بديل لشحن النفط الخام. وقد أظهرت هذه المبادرة استعداد سوريا للقيام بدور فاعل في الحد من اضطرابات إمدادات الطاقة في المنطقة، وذلك على الرغم من محدودية الكميات التي يمكن نقلها، واستمرار التحديات اللوجستية. فضلاً عن ذلك، جسّدت المناقشات الجارية بشأن إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس هذه الرؤية، التي تقوم على إعادة بناء علاقات الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين سوريا والجوار.
الاستثمار في الطاقة أداةً لبناء النفوذ
تنظر دمشق إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية باعتباره جزءاً من استراتيجية تتعدّى مرحلة التعافي الاقتصادي. فكلّ مشاريع البنية التحتية الضخمة هو فرصة لتعزيز الشراكات الخارجية وربط المصالح باستقرار سوريا على المدى الطويل.
ولهذا، تعمل الحكومة على توسيع نطاق استثماراتها ليشمل قطاعات متعددة واستقطاب طيف واسع من الشركاء. وتقود شركة “يو سي سي القابضة” القطرية تحالفاً وافق على استثمار 7 مليارات دولار لإعادة تأهيل قطاع إنتاج الكهرباء في سوريا. كما وقّعت شركات نفط دولية من قطر وفرنسا والولايات المتحدة مُذكرة تفاهم للتنقيب التجاري عن النفط والغاز، في محاولة لإحياء قطاع الطاقة السوري الذي لا يزال إنتاجه لا يتجاوز ربع مستواه قبل الحرب. ويؤدي انخراط شركات خليجية وتركية وأوروبية وأمريكية في هذه المشاريع إلى توسيع قاعدة المصالح الاقتصادية المرتبطة بسوريا، بما يعزز الحوافز الداعمة لاستقرارها.
تعكس هذه المقاربة إدراكاً لافتاً لدور الاقتصاد في السياسة الخارجية. فلم تعد البنية التحتية تُعامل بوصفها مشروعاً تنموياً فحسب، وإنما غدت أيضاً أداة من أدوات السياسة الخارجية. وبالتالي، توفر الاتفاقات الاستثمارية التمويل، وفي الوقت نفسه تُعزز قنوات التواصل الدبلوماسي، فضلاً عن دعمها المساعي السورية إلى استعادة دورها الإقليمي.
يمتد هذا المنطق إلى التعاون المتنامي مع المستثمرين الخليجيين. فالتعهدات الاستثمارية التي أعلنتها شركات قطرية وإماراتية، ومن بينها استثمارات مستهدفة بقيمة 100 مليار دولار ضمن المنتدى السوري–الإماراتي للاستثمار، تشمل الطاقة، والخدمات اللوجستية، والعقارات، والزراعة، إلى جانب تمويل إعادة الإعمار. تؤسس هذه المشاريع لعلاقات اقتصادية طويلة الأجل تربط تعافي سوريا بمصالح اقتصادية إقليمية على نطاق أوسع. وعلى الرغم من أن الاعتبارات التجارية تظلّ المحرك الأساسي لهذه الاستثمارات، إلا أنها تؤسس أيضاً لشبكة من الفاعلين الاقتصاديين الذين ترتبط مصالحهم باستقرار سوريا السياسي.
إعادة بناء سوريا بوصفها محور العبور الإقليمي
قد يكون أكثر ما يميز استراتيجية دمشق هو سعيها اليوم إلى إعادة تموضع سوريا بوصفها ممر عبور إقليمي للطاقة والتجارة، بدلاً من حصر دورها في إنتاج الطاقة. إذ كشفت الاضطرابات الأخيرة في مضيقي هرمز وباب المندب هشاشة مسارات التصدير في الشرق الأوسط، التي تعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري. وعلى الرغم من أن هذه الاضطرابات لن تُثني الشحن البحري عن موقعه كوسيلة رئيسية للتجارة الإقليمية، إلا أنها أعادت الاهتمام بمشروعات البنية التحتية البرية القادرة على الحد من الاعتماد الاستراتيجي على الممرات البحرية الضيقة.
وفي هذا السياق، أتاحت دمشق نقل النفط الخام براً في محاولة لتخفيف الضغوط المالية عن بغداد عندما أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى تعطيل صادرات النفط العراقية، التي تبلغ نحو 3 ملايين برميل يومياً.
من هذا المنطلق، تحاول سوريا استثمار هذا التحوّل. فخطط تحديث مرفأي طرطوس واللاذقية، ومقترحات إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس، واستئناف النقاش بشأن إحياء سكة حديد الحجاز التي تربط السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا، تصبّ جميعها في هدف واحد هو استعادة الدور التاريخي لسوريا بوصفها ممر عبور إقليمي.
بالإضافة إلى ذلك، تكتسب الاستثمارات الإماراتية في الموانئ السورية أهمية خاصة، لا سيما في مشروع تحديث مرفأ طرطوس بقيمة 800 مليون دولار، حيث إنّ تطوير البنية التحتية للموانئ من شأنه أن يُعزز موقع سوريا ضمن شبكات الخدمات اللوجستية الإقليمية الناشئة، وأن يفتح أمام المستثمرين الخليجيين منفذاً تجارياً إضافياً إلى أسواق البحر المتوسط. كما أن المقترحات الرامية إلى إحياء خطوط السكك الحديدية التي تربط تركيا وسوريا والأردن ودول الخليج يُمكن أن تعزز دور سوريا بوصفها مركز عبور يربط اقتصادات المنطقة ببعضها البعض.
تشير هذه المبادرات، مجتمعة، إلى أنّ دمشق تعمل على تحويل ميزتها الجغرافية إلى نفوذ استراتيجي. وهي تراهن على تسهيل حركة الطاقة والسلع والاستثمارات عبر المنطقة لبناء قيمة اقتصادية مستدامة، بدلاً من الاعتماد على صادرات النفط والغاز وحدها.
الفرص والقيود
يبقى نجاح هذه الاستراتيجية غير محسوم. فما تزال سوريا تواجه تحديات عميقة، في مقدمتها ضعف مؤسسات الدولة، وتضرر البنية التحتية، وشح مصادر التمويل، واستمرار المخاطر الأمنية. وعلى الرغم من تخفيف العقوبات الغربية، لا تزال الضبابية التنظيمية والمخاطر السياسية تعقّد قرارات الاستثمار واسعة النطاق. كما يعكس استمرار التنافس الإقليمي والضربات العسكرية الإسرائيلية المتكررة ضعف البيئة الأمنية التي تجري فيها عملية إعادة الإعمار.
في المقابل، لا ينبغي المبالغة في تقدير الأثر الجيوسياسي للاستثمارات الأجنبية. فالمصالح التجارية لا تتحول تلقائياً إلى ضمانات سياسية، كما أنّ مشروعات البنية التحتية وحدها لن تعالج التحديات البنيوية التي تواجه الدولة السورية. وتكتسب هذه المشاريع أهميتها لأنها تدمج سوريا تدريجياً في الشبكات الاقتصادية الإقليمية، بما يرفع كلفة عودة عدم الاستقرار بالنسبة إلى الأطراف الخارجية المنخرطة فيها.
وتخوض حكومة أحمد الشرع واحدة من أكثر محاولات التحول الجيو-اقتصادي طموحاً في الشرق الأوسط، إذ تعمل على تحويل الموقع الاستراتيجي لسوريا إلى رصيد دبلوماسي. وتستخدم دمشق البنية التحتية للطاقة، وممرات النقل، والاستثمارات الأجنبية لإعادة بناء علاقاتها الإقليمية واستعادة حضورها الدولي، بالتوازي مع جهود إعادة الإعمار.
كذلك، ساعدت الاضطرابات الأخيرة في حركة التجارة البحرية على تعزيز هذا التصور، بعد تكريس أهمية الممرات البرية البديلة عبر المشرق العربي. غير أن تحول سوريا إلى ممر رئيسي للطاقة لن يتحدد بموقعها الجغرافي، الذي ظل دائماً أحد أبرز عناصر قوتها، بقدر ما سيتحدد بقدرتها على توفير الاستقرار السياسي، وبناء مؤسسات قادرة، وإرساء بيئة تنظيمية مستقرة تمنح المستثمرين قدراً أكبر من اليقين على المدى الطويل. وإذا نجحت في ذلك، فقد تكتشف دمشق أن أهم أصولها الاستراتيجية ليست النفط والغاز الكامنين في باطن أراضيها، وإنما الممرات التي تعبرها.