يثير الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة وإيران مؤخراً جدلاً واسعاً حول طبيعته الحقيقية وأهدافه النهائية. فبينما يراه البعض خطوة دبلوماسية مهمة نجحت في تجنّب مواجهة إقليمية خطيرة، يراه آخرون مجرد تأجيل للأزمة وليس حلاً لها. وبين هذين المقاربتين يُطرح سؤال رئيسي: هل نحن أمام اتفاق يؤسس لاستقرار طويل الأمد، أم مجرد هدنة سياسية تخفي الخلافات الحقيقية في العمق؟
في واحدة من أكثر مفارقات الصراع الأمريكي-الايراني، المستمر قرابة خمسة عقود، يبدو أن المواجهة التي امتدت على مدار ثلاثة أشهر وبرزت فيها القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي والاستهداف الأمريكي والإسرائيلي لطهران تتجه إلى نهاية مؤقتة عبر مراسم توقيع إلكتروني.
فالحرب التي خاضها الطرفان بأدوات القوة الصلبة، والصواريخ، والاغتيالات، والحصار، والعقوبات، ستنتهي، في حال تم الالتزام ببنود الاتفاق، بنقرة الكترونية عبر شاشة رقمية. لكن نهاية المواجهة لا تعني نهاية العداء، فالرواسب السياسية والنفسية التي تراكمت على مدى نصف قرن لا يمكن أن يمحوها اتفاق من هذا النوع مهما بلغت أهميته.
لا شراكة ولا مصالحة
ما يلفت الانتباه في هذا المسار ليس مضمون الاتفاق فقط بل الشكل الذي اتخذه. إنه اتفاق وُقعّ من دون صور تذكارية، ومن دون مجاملات وابتسامات دبلوماسية، ومن دون إعلان انتصار أي جانب. فالإدارة الأمريكية والقيادة الإيرانية تُدركان أن أي مشهد علني للمصافحة أو الاحتفال بمراسم التوقيع قد يُفسَّر داخلياً على أنه تنازل للخصم.
لذلك يبدو التوقيع الإلكتروني حلاً مثالياً لتقليل الكلفة السياسية على الطرفين؛ فلا واشنطن تريد أن تظهر بمظهر المتراجع أمام دولة طالما وصفتها بأنها مصدر تهديد، ولا طهران مستعدة لمنح خصمها صورة انتصار رمزية أمام جمهورها الذي نشأ على خطاب المواجهة والصمود.
ومع اقتراب الطرفين من نقطة التفاهم، ما زال انعدام الثقة العامل الأكثر حضوراً في العلاقة بينهما. فالخلافات المتراكمة، وتجارب الاتفاقات السابقة، والشكوك المتبادلة، تجعل من الاحتفاء بالاتفاق أمراً سابقاً لأوانه. وعليه، تبدو الرسالة الضمنية واضحة: يمكننا التعايش مع الاتفاق، لكننا لسنا مستعدين للاحتفال به. ويمكننا إدارة الخلاف، لكننا لم نصل بعد إلى مرحلة الشراكة أو المصالحة.
تنظيم الصراع
وعلى الرغم من ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية هذه الخطوة. فالقيمة الحقيقية للاتفاق لا تكمن في إنهاء الصراع، بل في القدرة على تنظيمه ووضع قواعد تحكم مساراته وتحد من احتمالات تفاقمه. وفي هذا السياق، برزت الدبلوماسية الخليجية والقطرية كأحد أهم العوامل التي ساعدت في إضافة مسار جديد من التفاهمات الجادة وتقريب وجهات النظر وتخفيف حدة التوتر خلال المراحل الأخيرة من المفاوضات. وبالفعل، واصلت الدوحة دورها التقليدي كقناة وسيط وموثوق لدى مختلف الأطراف، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتوازنة وقدرتها على التواصل مع القوى المتنافسة في المنطقة وخارجها.
وخلال الأسابيع التي سبقت الاتفاق، تحركت الدبلوماسية القطرية بصورة نشطة للمساعدة في احتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مواجهة أوسع كانت ستنعكس تداعياتها على أمن الخليج والاقتصاد العالمي. ويعكس هذا الدور نهجاً قطرياً متواصلاً يقوم على تفضيل الحوار والتسويات السياسية على منطق المواجهة والصراع.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال الجهود البناءة التي بذلتها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والجمهورية التركية، التي أسهمت بدرجات متفاوتة في خلق بيئة إقليمية أكثر ملاءمة للتفاهمات السياسية. كما تستحق باكستان الإشادة على مساهماتها الدبلوماسية الهادئة التي دعمت المساعي الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز فرص التوصل إلى اتفاق.
ويبقى التحدي الأكبر أمام دول المنطقة هو تحويل لحظة التهدئة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقراراً وتوازناً. فالشرق الأوسط لا يزال يواجه استحقاقات معقدة ومصادر توتر متعددة، وتجارب العقود الماضية تؤكد أن غياب الرؤية المشتركة والتعاون الإقليمي يجعل احتمالات عودة الصراعات قائمة. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب وعياً استراتيجياً أعمق، وتنسيقاً أكبر بين دول المنطقة، واستعداداً جدياً للتعامل مع التحديات التي قد تفرضها التحولات الجديدة في البيئة الإقليمية.
المنطقة بعد الإتفاق
تكمن المشكلة الحقيقية في التباين بين خفض التصعيد وتحقيق الاستقرار. فالأول يعني منع الانفجار الآني، بينما الثاني يتطلب معالجة الأسباب التي قد تؤدي إلى انفجارات جديدة مستقبلاً. ومن هنا تبدو هشاشة الاتفاق واضحة؛ فهو ينجح في إبعاد شبح الحرب مؤقتاً، لكنه لا يقدم إجابات نهائية حول مستقبل البرنامج النووي، ولا يضع حدوداً واضحة للصواريخ الباليستية، ولا يحدد آليات ملزمة للتعامل مع نفوذ الوكلاء الإقليميين، والممرات البحرية، وشبكات التحالفات الدولية في الشرق الأوسط.
ففي حال تأجيل القضايا الجوهرية على الدوام، وفي حال لم تُبنَ آليات صارمة للرقابة والمحاسبة والتنفيذ، فإن الاتفاق قد يتحول إلى مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من الصراع. أما إذا تعاملت واشنطن وطهران مع الاتفاق باعتباره نقطة انطلاق نحو معالجة الملفات الأكثر حساسية، فقد يمثل بداية مسار جديد أكثر استقراراً.
في النهاية، لا يبدو أن الاتفاق الأمريكي الإيراني قادر وحده على إعادة تشكيل المشهد الأمني في الشرق الأوسط. لكنه قد يمنح المنطقة شيئاً افتقدته لفترة طويلة: الوقت. والسؤال الذي سيحدد نجاح الاتفاق أو فشله هو كيفية استثمار هذا الوقت؛ هل سيُستخدم لبناء تسوية أوسع وأكثر استدامة، أم سيكون على مقعد انتظار أزمة جديدة تعيد المنطقة إلى نقطة الصفر؟ حتى الآن، يبدو أن الاتفاق حقق تهدئة ضرورية. أما السلام الدائم، فما زال هدفاً بعيد المنال.