يعود مضيق هرمز إلى واجهة الجدل الإقليمي والدولي، ليس لأن الجغرافيا تبدّلت، بل نتيجة لاستمرارية النهج السياسي المُتبع من قِبل طهران دون تغيير ملموس في سياساتها الإقليمية. فحتى بعد توقيع مذكرة التفاهم التي وقعتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعهدت فيها طهران باستئناف حركة السفن خلال 30 يوماً مع مراعاة حاجتها لإزالة العوائق، ما زالت طهران تتخذ من مضيق هرمز أداة ضغط تُهدد بها أمن الممرات الدولية، وكأنها ترى في الاتفاق فرصة لتكريس هذا النهج، ولا ترى فيه محطة لإعادة النظر في عقلية فرض وصايتها على المنطقة.
تشير القراءات المستمرة للمواقف الإيرانية، ما قبل توقيع الاتفاقية، وما بعدها، إلى سعي طهران المستمر لتحويل هذا الشريان المائي الحيوي الذي يمرّ عبره نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية، إلى ورقة ضغط جيوسياسي تُلوّح بها كلّما تعثرت مفاوضاتها أو اشتدت أزماتها الداخلية والخارجية. في المقابل، انطلقت دول الخليج في صياغة رؤية مغايرة، تتمسك فيها بأنّ الأمن البحري في القرن الحادي والعشرين ليس مسؤولية دولة واحدة، وأنّ التعامل مع التحديات يتطلب تقاسم المسؤولية وتعزيز التعاون الدولي، وأن إيجاد بدائل استراتيجية أصبح ضرورة أمنية لا مجرد خيار سياسي.
بين هاتين المقاربتين، يتضح أنّ التباين مع إيران لا يكمن في خلاف فني حول خطوط الملاحة، بل في طبيعة المشروع السياسي الذي يحكم قرارات طهران تجاه مضيق هرمز، وإصرارها على التعامل مع هذا الممر الحيوي كورقة سيادية وأمنية قابلة للتوظيف السياسي، ورفضها لأي مسارات ملاحية لا تنسجم مع حساباتها السياسية.
هذه العقلية لم تظهر عند مضيق هرمز فحسب، بل هي امتداد لسياسة إيرانية قامت لعقود في التعامل مع دول عربية على أنها ساحة نفوذ من خلال دعمها فاعلين غير حكوميين في عدد من الدول العربية، واستخدامها سياسة التهديد بديلاً عن الشراكة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول لدول الجوار والمنطقة.
ولذلك فإن معركة هرمز اليوم ليست معركة حول مسار سفينة، بل معركة بين منطق الدول ذات السيادة التي تلتزم بالقانون الدولي، ومنطق الخروج عن الشرعية الدولية وإخضاع الجغرافيا لإرادة سياسية أحادية.
الخطوة العُمانية: مسار آمن لحماية الملاحة العالمية
في هذا السياق، جاءت خطوة سلطنة عُمان بتخصيص مسارين مؤقتين لتسهيل خروج السفن من المنطقة بأمان، وبالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، كتحوّل نوعي مهم في إدارة ملف هرمز. فقد جسّد القرار العُماني خطوة مسؤولة من دولة تحترم سيادتها وقوانينها والتزاماتها الإقليمية والدولية، وتؤمن بأنّ أمن الممرات البحرية مسؤولية مشتركة لا يجوز احتكارها أو توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية.
كذلك، عكست هذه الخطوة قدرة هذه الدولة الخليجية على تقديم نموذج عقلاني لإدارة أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة، وأكدت القدرة الخليجية على ابتكار بدائل عملية تحمي الملاحة دون الانجرار إلى منطق التصعيد. لتأتي تصريحات وزير الخارجية العُماني، سعادة السيد بدر البوسعيدي، التي شدّد فيها على رفض فرض أي رسوم على السفن العابرة والتزام بلاده بحرية الملاحة وفق القانون الدولي، وتضع الأمور في نصابها القانوني والسياسي، وتؤكد أن المضيق ليس شرياناً حيوياً لدول الخليج فقط، بل للاقتصاد العالمي كله، بما في ذلك إيران نفسها.
بهذه الخطوة، قلبت عُمان بهدوء معادلة الضغط السياسي، وأرسلت رسالة واضحة بأن أمن الممرات المائية لا يمكن أن يبقى رهينة قرار طرف واحد أو حسابات أجنحة عسكرية داخل نظام سياسي يواجه ضغوطاً خارجية. ويعكس استياء طهران من المسار العُماني إدراكاً لتراجع قدرة طهران أمام تنامي الخيارات الاستراتيجية الخليجية البديلة، أكثر مما يرتكز على مخاوف قانونية أو أمنية حقيقية. فالنظام الذي بنى نفوذه الإقليمي على إدارة الأزمات يرى في الاستقرار خطراً على أدواته، وفي البدائل الخليجية إضعافاً لموقعه التفاوضي، وفي السيادة العُمانية تحدياً لا ينسجم مع صورة الجوار الضعيف الذي يحاول ترويجها.
ومن الأهمية الإشارة هنا أيضاً إلى التباين في المواقف الإيرانية وسلوكها السياسي. ففي الوقت الذي يؤكد فيه خطابها الرسمي على احترام السيادة والأمن المشترك، تعكس الممارسات العملية في مضيق هرمز النزعة المستمرة نحو تغليب الاعتبارات الأمنية الخاصة على حساب قواعد الملاحة الدولية. وبالتالي، فإنّ هذا التناقض لم يعد قابلاً للاستمرار، ولم يعد من الممكن تكريسه في بيئة إقليمية أدركت حجم المخاطر الناجمة عن الجغرافيا. يفرض هذا الوعي الجيوسياسي الجديد انتقالاً حتمياً نحو مرحلة من التضامن الاستراتيجي الخليجي.
الموقف الخليجي: دعم السيادة وبناء منظومة أمنية جديدة
في هذا الإطار، من المُهم أن تقف دول التعاون بشكل واضح مع الخطوة العمانية التي جاءت في إطار دور الدولة الخليجية ذات السيادة، الحريصة على أن يبقى هذا الممر ضمن أحكام القانون الدولي للبحار كمجال دولي مشترك تتقاطع فيه مصالح اقتصادية واستراتيجية كبرى وليس للاعتبارات الجغرافية المحلية. وبالتالي، رفض أيّ محاولة إيرانية لاحتكار إدارة مضيق هرمز أو فرض إملاءات على مسارات الملاحة فيه. فكلّ مسار بديل وآمن هو انتصار لمبدأ السيادة، وكلّ تقليص لقدرة إيران على استخدام المضيق كأداة ضغط هو مكسب للأمن الإقليمي والدولي معاً.
لقد تجاوزت منطقة الخليج مرحلة الاعتماد على الترتيبات التقليدية، مع تبنيّها رؤية استراتيجية واثقة ترتكز على المبادرة الذاتية لحماية أمنها المائي وممراتها الحيوية ومصالحها الوطنية. وتأسيساً على هذا الإدراك الاستراتيجي، تبرز الحاجة الملحة لتوحيد الرؤى الخليجية نحو خلق مسارات لوجستية بديلة ومستدامة. يبرز مفهوم “الناتو الإقليمي” أو الصيغة الجماعية للأمن المشترك باعتبارها تطوراً طبيعياً لمسار طويل من التحديات، إذ تسهم المنهجية الإيرانية، القائمة على توظيف الجغرافيا السياسية والأمنية، في دفع دول المنطقة نحو تسريع وتيرة التنسيق الاستراتيجي والبحث عن ضمانات دفاعية، والتنسيق وتبادل المعلومات لحماية ممراتها الحيوية.
لا شكّ أن المسار العُماني يعكس نضجاً سياسياً وحكمة في تحويل الجغرافيا من ساحة لاتخاذ قرارات تحت التهديد إلى مساحة حلول، فيما يعكس الاستياء الإيراني أزمة نظام يواجه تحدياً جديداً ناجماً عن تراجع نفوذ أدواته التقليدية التي لطالما وجد فيها ذريعة لممارسة الضغط السياسي والأمني. يجب على دول المنطقة أن تتجه حالياً نحو تنويع خياراتها الاستراتيجية، وإعادة صياغة توازنات القوى الإقليمية، وأن تتحرّك بخطوات متدرجة نحو منظومة أمنية جديدة، يكون فيها مضيق هرمز رمزاً للتعاون لا عنواناً للتهديد، والانطلاقة من مأسسة أمنية مشتركة دافعها هرمز.