لقد تبدّد الخطاب المتفائل باقتراب طهران وواشنطن من التوصل إلى تسوية دائمة، وعادت المنطقة إلى المشهد الذي كانت عليه في بدايات الحرب الأمريكية-الإيرانية في فبراير 2026: صواريخ، وضربات متبادلة، وتصعيد يطال أمن الخليج والأردن واستقرار أسواق الطاقة العالمية. وكأن الشرق الأوسط أراد أن يُذكر الجميع بحقيقة تتجاهلها الدبلوماسية الدولية، وهي أن وقف إطلاق النار ليس سلامًا، وأن الهدنة ليست اتفاقًا، وأن الصمت المؤقت للبنادق لا يعني انتهاء الحرب.
الأخطر من ذلك أن إيران عادت إلى استهداف عواصم الخليج مُستخدمة المبررات نفسها التي رفعتها منذ بداية الأزمة، مُدعية أن بعض المنشآت المدنية تؤدي أدوارًا عسكرية أو لوجستية. لكن الواقع كان مختلفًا؛ فالضربات أصابت محطات الكهرباء، ومنشآت المياه، والبنية التحتية النفطية، ومرافق حيوية، مع الإشارة إلى أنّه في الكويت، توفر تحلية المياه 90 بالمئة من احتياجات المياه للسكان، وتتكون البنية التحتية للمياه في البحرين من محطات تحلية مياه البحر بشكل رئيس والتي تغطي أكثر من 80 بالمئة من احتياجات البلاد من المياه. تكشف هذه الاعتداءات أن الصراع لم يعد يستهدف الجيوش وحدها، بل أصبح يختبر قدرة الدول على الاستمرار، ويستهدف نمط الحياة نفسه.
ما حدث لم يكن انهيارًا مفاجئًا في مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، بل كان نتيجة متوقعة للطريقة التي تُدار بها المفاوضات. فالجلوس إلى طاولة المفاوضات لا يكفي لإنهاء الصراع، والعلاقات الدولية لا تُدار ببنود غامضة وإنما بالنصوص الواضحة والدقيقة.
كذلك، تتطلب الجهود الدبلوماسية إرادة حقيقية نحو التسوية تتجاوز المؤتمرات الصحفية واللقاءات الشكلية، والتركيز على الركائز التي قام عليها هذا التفاهم، وقدرة الطرفين على تنفيذه. فالاتفاق الذي يتيح لكلّ طرف أن يعلن النصر ليس نجاحًا دبلوماسيًا، بل هو تسوية مؤقتة مآلها الانهيار، خصوصًا حين يفسر كل طرف بنوده وفق مصالحه. وتُعدّ هذه إحدى التحديات الرئيسية والأكثر خطورة التي حملتها مذكرة التفاهم: فالغموض قد يسهل التوقيع لكنه يقوّض قابلية التنفيذ.
أزمة الثقة تعرقل التسوية
كثيرًا ما يُنظر إلى التسوية بوصفها قرارًا سياسيًا، بينما في الحقيقة هي عملية قانونية معقدة. فالتسوية لا تنشأ بالمجاملات الدبلوماسية، بل بالتزامات واضحة، ومصطلحات محددة متفق عليها بين الأطراف المتنازعة، وآليات تنفيذ، ورقابة، وعقوبات مكتوبة بدقة لا تحتمل التأويل. وقد أثبتت مذكرة التفاهم بين واشطنن وطهران أن المشكلة لم تكن في غياب الاتفاق، بل في غياب الاتفاق الواضح. وبالتالي، باتت أحد بنود هذه المذكرة، عملياً، مصدراً للاشتباك السياسي والعسكري والدبلوماسي.
فقد تغيرت طبيعة الأزمة بين واشنطن وطهران. في السابق، شكّل الخلاف حول تخصيب اليورانيوم، والعقوبات، والبرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي سبباً لاندلاع المواجهات العسكرية، أما اليوم فقد أصبحت المشكلة أعمق من ذلك كله؛ إنها أزمة ثقة في الاتفاق نفسه.
فإيران تعتقد أن الولايات المتحدة قد تعيد تفسير النصوص وفق مصالحها السياسية، فيما ترى واشنطن أن طهران تستخدم كل هدنة لإعادة تنظيم قدراتها العسكرية. لذا، فإن التوصل إلى أي اتفاق جديد يصبح أكثر صعوبة، لأن الخلاف تجاوز مضمون الوثيقة، وتحوّل إلى أزمة ثقة حيال قيمة الوثيقة نفسها. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه المفاوضات؛ لأن فقدان الثقة لا يعرقل تنفيذ الاتفاق الحالي فقط، بل يمنع التوصل إلى اتفاق جديد أصلًا.
تُعيد أزمة الثقة هذه طرح سؤال قديم يتكرر مع كل تصعيد في منطقة الخليج: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها ضمان الثقة في قيمة الوثائق الدولية؟ وفي ما تنص عليه القوانين الدولية ولاسيّما فيما يتعلق بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز؟
تبدو الإجابة الواقعية أكثر تعقيدًا مما يروج له الخطاب السياسي. فالقوات البحرية الأمريكية تمتلك القدرة على مرافقة السفن واعتراض الهجمات وتأمين ممرات مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
فالاستقرار لا يصنعه وجود الأساطيل فقط، وإنما يصنعه وجود قواعد سياسية وقانونية يتفق الجميع على احترامها. وما دامت هذه القواعد غائبة، فإن كل عملية عسكرية ستظل حلًا مؤقتًا، وكل نجاح ميداني سيبقى نجاحًا تكتيكيًا لا يتحول إلى نظام أمني مستدام.
ولهذا فإن الاعتقاد بإمكانية فتح مضيق هرمز بالقوة وحدها ليس استراتيجية طويلة المدى، بل رهان على إدارة الأزمة لا حلها.
الحرب لا تبني نظامًا إقليميًا
قد تستطيع الجيوش تدمير قواعد عسكرية، أو إسقاط طائرات مسيرة، أو اعتراض صواريخ، لكنها لا تستطيع إنشاء نظام سياسي مستقر. فالتاريخ الحديث يبين أن القوة قادرة على تغيير موازين المعارك، لكنّها أقل قدرة على بناء موازين السلام. ولهذا فإن أي مواجهة عسكرية أمريكية إيرانية قد تندلع مُجدداً، مهما حققت من نجاحات، لن تنتج بمفردها نظامًا دائمًا للأمن الإقليمي. وفي نهاية المطاف ستجد الأطراف نفسها مضطرة إلى العودة للطاولة نفسها التي غادرتها، ولكن بعد خسائر أكبر، وثقة أقل، وشروط أكثر تعقيدًا. فالحروب تغير مواقع القوات العسكرية، لكنها لا تغير الحاجة إلى السياسة.
ربما يكون الدرس الأكثر وضوحًا في هذه الجولة أن دول الخليج لم تعد مجرد متأثر جانبي بالصراع الأمريكي–الإيراني، بل أصبحت إحدى ساحاته المباشرة.
فحين تصبح محطات الكهرباء، ومنشآت المياه، والموانئ، والمنشآت النفطية أهدافًا للصواريخ، فإن القضية لم تعد خلافًا بين قوتين، بل أصبحت تهديدًا لبنية الدولة الحديثة في الخليج، وللاقتصاد العالمي الذي يعتمد بصورة كبيرة على استقرار المنطقة.
ولهذا فإن استمرار ربط أمن الخليج بنتائج التفاوض بين واشنطن وطهران لم يعد خيارًا كافيًا. فالمنطقة اليوم، تحتاج إلى إطار أمني إقليمي أكثر استقلالًا، يقوم على الردع الجماعي، وحماية البنية التحتية، وضمان حرية الملاحة، بحيث لا يبقى أمن الخليج رهينة للتقلبات في العلاقات الأمريكية–الإيرانية.
ورغم كل مظاهر التصعيد، فإن الحقيقة الاستراتيجية لم تتغير. فلا الولايات المتحدة تستطيع فرض نظام إقليمي جديد بالقوة العسكرية وحدها، ولا إيران قادرة على تحمل مواجهة مفتوحة إلى ما لا نهاية في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها.
ولهذا فإن العودة إلى المفاوضات تبدو، في نهاية المطاف، مسألة وقت لا أكثر. لكن هذه العودة لن تكون سهلة. فالجولة المقبلة لن تدور فقط حول البرنامج النووي أو العقوبات، بل حول كيفية صياغة اتفاق لا يترك مجالًا للتأويل، ويحدد الالتزامات بدقة، ويضع آليات واضحة للرقابة، والتنفيذ، والمحاسبة. لقد انتهى زمن الاتفاقات الفضفاضة، لأن مختلف الأطراف المتنازعة، والمتأثرة، أدرك أنّ الغموض الذي يُسهّل توقيع الاتفاق هو نفسه الذي يسرع انهياره.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستعود واشنطن وطهران إلى التفاوض؟ بل هل ستتعلمان من التجربة الأخيرة، وهل ستعترفان أن الاتفاق الذي يحتمل أكثر من تفسير ليس اتفاقًا، بل هدنة مؤقتة بانتظار الجولة التالية من المعركة؟
تبدأ فرص التوصل إلى التسوية بالإرادة المشتركة، والالتزامات الواضحة، واحترام بنود الاتفاق. وما لم يحدث ذلك، ستبقى كل هدنة في المنطقة مجرد استراحة قصيرة بين حربين لا بُدّ منهما.