مضيق هرمز، في 21 أبريل 2026 (صورة من ميسام ميرزاده / وكالة تسنيم نيوز / وكالة فرانس برس).

إغلاق مضيق هرمز: إلى أي مدى أثبتت المسارات الخليجية البديلة كفاءتها؟

مع تجّدد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تعطّلت مّرة أخرى حركة الملاحة التجارية عبر أهمّ ممرّ بحري استراتيجي في العالم. فهل أثبتت المسارات البديلة نجاحاً كافياً لتعويض هذا الاضطراب؟

4 أغسطس، 2026
فريدريك شنايدر

سارت التطورات على نحوٍ مغاير للتوقعات التي بنت عليها الدول الخليجية المصدّرة للنفط حساباتها، ومعها الأسواق العالمية، إذ أُغلق مضيق هرمز مرّة أخرى مع تجدّد التوترات والأعمال العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. فبعد إعادة فتح الممرّ المائي الحيوي أمام حركة التجارة لفترة وجيزة بموجب مذكرة التفاهم الموقّعة في 17 يونيو لإنهاء الحرب، أمرت طهران بإغلاقه مجدداً عقب انهيار التفاهم واستئناف القتال.

 

وكانت حركة ناقلات النفط قد تعافت لتبلغ ذروتها عند نحو 50 ناقلة في 24 يونيو، إلا أنها عادت وهبطت إلى مستوى يلامس الصفر. وفي ظلّ الارتفاع الحادّ في أسعار الطاقة، عادت إلى الواجهة المسارات البديلة الثلاثة التي كانت قد أتاحت لبعض دول مجلس التعاون الخليجي تصدير جزء من إمداداتها خلال جولة القتال السابقة، وشكّلت شرايين حيوية لإمدادات الطاقة العالمية. لكن، إلى أي مدى يمكن لهذه المسارات أن تحلّ حقاً محلّ مضيق هرمز؟

 

تتيح بيانات الموانئ التي جمعتها الأقمار الاصطناعية على مدى الأشهر الأربعة الماضية تكوين صورة أوّلية عن حجم الصادرات التي مرّت عبر هذه المسارات. وتُظهر مقارنة بيانات شهري أبريل ومايو من العام الجاري بالفترة نفسها من عام 2025 أن واحداً فقط من هذه المسارات، وهو الجسر البرّي السعودي وخط أنابيب شرق-غرب الممتد إلى البحر الأحمر، نجح في تعويض معظم الصادرات التي فقدتها موانئ المملكة الواقعة على ساحل الخليج. في المقابل، عند المسار الثاني، أيّ في موانئ الإمارات المطلّة على خليج عُمان، تراجعت الصادرات بالتوازي مع تراجع صادرات موانئ البلاد الواقعة على الجانب المحاصر في الخليج العربي. أمّا المسار الثالث، أي ممرّ عُمان إلى بحر العرب، فهو محدود السعة إلى درجة لم يُحدث أثراً يُذكر. ومع إغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر مؤخراً، تتضاءل أكثر فرص الالتفاف على إغلاق مضيق هرمز.

 

 

منفذ السعودية على البحر الأحمر

 

خلال شهري أبريل ومايو، تراجعت الشحنات عبر الموانئ السعودية الواقعة على ساحل الخليج بمقدار 41.2 مليون طنّ، من 47.5 مليون طنّ في الفترة نفسها من عام 2025 إلى 6.3 ملايين طنّ فقط. في المقابل، قفزت صادرات المملكة عبر البحر الأحمر خلال الشهرين نفسيهما من 29.6 مليون طنّ إلى 54.8 مليون طنّ، أي ما يقارب الضعف. وقد أتاح هذا الارتفاع، البالغ 25.3 مليون طنّ، تعويض 61 في المئة من التراجع الذي سجّلته صادرات المملكة عبر موانئها المطلّة على الخليج، ما يعني أن جزءاً من الشحنات المقرّر عبورها عبر مضيق هرمز لم يتأثر بالإغلاق. والأهّم أن هذا كان المسار الوحيد من بين المسارات الثلاثة الذي نقل الشحنات على نطاق واسع، حيث تمّت إعادة تخصيص خطّ أنابيب شرق-غرب لنقل النفط الخام، وهو ما تؤكّده بيانات الموانئ، لا البيانات الصحفية فحسب.

 

 

 

 

الواقع الصعب للإمارات

 

تكشف الحالة الإماراتية عن هشاشة الرهان على المسارات البديلة. فعلى الورق، تمتلك الدولة ميناءين رئيسيين للمياه العميقة خارج مضيق هرمز، هما الفجيرة وخورفكان اللذين أُنشئا تحديداً للتعامل مع مثل هذا السيناريو. لكن قربهما من إيران يجعلهما عرضة للمخاطر بدرجة تكاد تضاهي ما لو كانا يقعان على الجانب الآخر من هرمز. ففي مايو، على سبيل المثال، تسببت طائرة مسيّرة إيرانية باشتعال حريق في محطة الفجيرة النفطية، كما تعرّضت عدّة سفن كانت تبحر قبالة الساحل الشرقي للإمارات لهجمات في حوادث منفصلة.

 

انعكست آثار هذه الهجمات بوضوح في أرقام الصادرات. فقد تراجعت حركة الشحن عبر الموانئ الإماراتية المطلّة على الخليج خلال شهري أبريل ومايو من 68.5 مليون طنّ إلى 12 مليون طنّ، بانخفاض بنسبة 83 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. في غضون ذلك، تراجعت الصادرات عبر الموانئ البديلة أيضاً من 13.7 مليون طنّ إلى 6.3 ملايين طنّ، أي بانخفاض بلغ 54 في المئة. بعبارة أخرى، لم تستوعب الموانئ البديلة أياً من الشحنات التي كان يُفترض أن تمرّ عبر مضيق هرمز، بل فقدت هي الأخرى 7.4 ملايين طنّ من حركة الشحن عبرها. ونتيجة لذلك، انخفض إجمالي حركة الشحن في الإمارات بنسبة 78 في المئة.

 

صحيح أن جزءاً من هذا التراجع قد يُعزى إلى محدودية الطاقة الاستيعابية، إذ لم يكن بالإمكان توسيع مجمّع الفجيرة لتزويد السفن بالوقود، حيث تُحمَّل شحنات النفط الخام والمنتجات النفطية، ليضاهي في وقت قصير القدرة التشغيلية لميناء جبل علي، مع ذلك، فإنّ السبب الأساسي وراء تراجع حركة السفن واضح، فقد أحجمت شركات الشحن وشركات التأمين عن إرسال السفن إلى الموانئ الواقعة في مناطق النزاع.

 

 

 

 

عُمان… استقرار يخفي تباينات

 

رغم أن جزءاً صغيراً ومنفصلاً فقط من الأراضي العُمانية يقع داخل مضيق هرمز، يظلّ من المهم فهم تأثير الأزمة على حركة الشحن في السلطنة، بما أنّ عُمان تتيح، من الناحية النظرية، ممرّاً بريّاً لدول الخليج المجاورة. وبالفعل، سجّلت حركة النقل البري بالشاحنات عبر عُمان ارتفاعاً ملحوظاً منذ اندلاع المواجهات. ومع ذلك، بقي إجمالي الصادرات العُمانية مستقرّاً خلال الفترة محلّ الدراسة، ويعود ذلك إلى تفاوت تأثير الأزمة على موانئ السلطنة باختلاف مواقعها الجغرافية.

 

يقع ميناء صحار، وهو الميناء الصناعي الرئيسي في شمال عُمان، على بُعد نحو 120 كيلومتراً من إيران، وقد تراجعت صادراته بمقدار 3 ملايين طن، أو ما يعادل 32 في المئة. في المقابل، ارتفعت صادرات ميناء الدقم، الواقع على بُعد نحو ألف كيلومتر جنوب مضيق هرمز، بنحو 350 ألف طنّ خلال الشهرين، فيما سجّل ميناء صلالة، الواقع إلى الجنوب منه، زيادة قدرها 800 ألف طنّ.

 

يواجه المسار العُماني البديل عقبتين أساسيتين. أوّلهما أنه لا يعتمد على الموانئ وحدها، بل يتطلب أيضاً نقل البضائع برّاً. لكن صحراء الربع الخالي، أكبر صحراء رملية متصلة في العالم، تفصل عُمان عن بقية شبه الجزيرة العربية، وهو ما يفسّر محدودية توسع “الممرّ الأخضر” الذي أُطلق في مارس لربط عُمان بدبي عبر ممر بري جمركي.

 

وكما قال غرايم بانرمان عام 1976 “يمكن اعتبار عُمان، عملياً، جزيرةً تحيط بها المياه والرمال، حيث الرمال هي العائق الأصعب”. وبعد مرور خمسين عاماً، وإنشاء ميناء للمياه العميقة، لم يتغير الكثير. فما يزال ميناءا الدقم وصلالة يقعان على الجانب الآخر من الصحراء، بعيداً عن اقتصادات الخليج التي يُفترض أن يخفف هذا المسار البديل الضغط عنها.

 

أما العقبة الثانية، فتكمن في أن الموانئ وحركة الملاحة، حتى في أقصى جنوب الساحل العربي، ليست بمنأى عن المخاطر. فقد تعرّض ميناء الدقم لهجوم في الأول من مارس، فيما استُهدف ميناء صلالة مراراً منذ الثالث من مارس، كما تعرّضت سفن كانت تبحر قبالة السواحل العُمانية لهجمات أيضاً. لذلك، صحيح أن الابتعاد عن مضيق هرمز يحدّ من المخاطر، لكنه لا يلغيها بالكامل.

 

 

ثغرات بيانات التتبع

 

تستند الأرقام الواردة أعلاه إلى تقديرات مبنية على بيانات تتبع السفن عبر الأقمار الاصطناعية باستخدام نظام التعريف الآلي (AIS)، غير أن الاعتماد على هذه البيانات يثير تساؤلات مشروعة بشأن دقّة النتائج. فبعض ناقلات النفط لجأت إلى عبور مضيق هرمز “في الظلام” عبر إيقاف أجهزة الإرسال الخاصة بها، ما قد يوحي بأن جزءاً من الانهيار الظاهر في حركة الملاحة ليس سوى نتيجة لاختفاء السفن من بيانات التتبع. غير أنّ مثل هذه الرحلات تنطوي على مخاطر بالغة، وتظلّ استثناءً لا القاعدة. إذ تشير تقديرات الخبراء، المدعومة بمقارنة بيانات الصادرات والواردات، إلى أنها لا تشمل أكثر من 10 في المئة من السفن العالقة. وفي حين خسر مضيق هرمز نحو 3.8 ملايين طن يومياً من حركة الشحن، لم تكسب الممرّات البديلة، في باب المندب وقناة السويس ورأس الرجاء الصالح مجتمعة، سوى نحو 600 ألف طنّ يومياً، أي أقلّ من سدس الحركة المفقودة. ومن ثمّ، فإن أي مكاسب حققتها المسارات البديلة جاءت في ظلّ خسارة أكبر بكثير في مضيق هرمز. والأهمّ من ذلك، أنه حتى إذا كانت بيانات نظام التعريف الآلي تبالغ إلى حدّ ما في تقدير حجم الانخفاض في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فإنها ترسم، إلى حدّ كبير، صورة دقيقة للإخفاق النسبي للمسارات البديلة في تعويض النقص.

 

يرجع الأداء الضعيف للمسارات البديلة الثلاثة إلى مزيج من محدودية الطاقة الاستيعابية واستمرار التعرّض للمخاطر. ففي الممرّ السعودي البديل لهرمز والموانئ الجنوبية في عُمان، تبقى الطاقة الاستيعابية العائق الأكبر، رغم تعرّضهما أيضاً لهجمات متعدّدة. أمّا في الإمارات، فتكمن المشكلة في هشاشة بنيتها التحتية. فالإمارات تمتلك بالفعل مساراً بديلاً لتجاوز مضيق هرمز، هو خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام الذي يمتد لمسافة 380 كيلومتراً من حقول حبشان إلى الفجيرة، ويصبّ مباشرة في خليج عُمان، وتصل طاقته الاستيعابية إلى 1.8 مليون برميل يومياً. بالتالي، التراجع في صادرات البلاد يعود، في معظمه، إلى استمرار تعرّضها للمخاطر. فالبنية التحتية الواقعة ضمن مرمى الخصم تبقى هدفاً للهجمات، ولذلك بناء مزيد منها داخل النطاق الجغرافي نفسه لا يعالج أصل المشكلة.

 

إغلاق البحر الأحمر

 

زاد إغلاق البحر الأحمر من القيود التي تحدّ من فعالية المسارات البديلة. ففي 20 يوليو، أعلنت جماعة أنصار الله اليمنية، المعروفة بالحوثيين، فرض حصار بحري على السعودية، محذّرة من أن السفن التي ترسو في الموانئ السعودية لن تحظى بعد اليوم بمرور آمن عبر مضيق باب المندب. وشمل القرار خمسة موانئ، بينها ميناء ينبع حيث نقطة نهاية خط الأنابيب الذي أتاح المسار البديل الوحيد الذي أثبت فعاليته. وسرعان ما قفزت علاوات التأمين ضدّ مخاطر الحرب من نحو 0.3 في المئة من قيمة هيكل السفينة إلى 0.75 في المئة خلال يوم واحد، فيما بدأت ناقلات النفط بالعودة أدراجها في البحر الأحمر.

 

ليس واضحاً بعد إلى أي مدى تستطيع السعودية إعادة توجيه صادراتها عبر قناة السويس. ويعود ذلك، أوّلاً، إلى أن ميناء ينبع والجزء الشمالي من البحر الأحمر يقعان في مرمى الحوثيين، وثانياً لأنّ ناقلات النفط العملاقة المحمّلة بالكامل (VLCCs) أكبر من أن تتمكن من عبور قناة السويس. وستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كان هذا التطوّر، سيكرّر سيناريو الحصار الذي فرضه الحوثيون بين عامي 2024 و2025، والذي أدّى إلى تراجع عدد السفن العابرة لقناة السويس إلى النصف، وهو تراجع لم تتعافَ منه القناة بالكامل حتى اليوم.

 

دفعت أزمة إغلاق الممرّات البحرية الحكومات والشركات في دول الخليج إلى وضع خطط لإنشاء ممرّات برية جديدة تتجه شمالاً. لكن تنفيذ هذه المشاريع يستغرق سنوات، كما أن تكلفة نقل الطن عبرها تزيد على ضعف تكلفة الشحن البحري. وحتى بعد عقد كامل من الاستثمار، لن تتمكن هذه الممرّات من نقل سوى جزء محدود من الكميات التي ينقلها “الممر الأوسط“، الذي يُعدّ أنجح نموذج قائم للممرّات البرية. وعلى أيّ حال، حتى بعد إنشاء هذه الممرّات، ستظلّ صادرات النفط والغاز تنطلق من ساحل الخليج، حيث تتركز الحقول التي تتعرض اليوم للهجمات. فقد ألحقت الضربات الإيرانية دماراً واسعاً بمنشأة رأس لفان القطرية للغاز الطبيعي المسال، الواقعة على ساحل الخليج، في 18 مارس، كما استهدفت محطّة ضخ عند خطّ الأنابيب السعودي “شرق-غرب” في 9 أبريل، لتؤكدّ بما لا يدع مجالاً للشك أن أيّ ممرّ، مهما كان مساره أو وجهته، يظلّ عرضة للخطر عند نقطة انطلاقه.

 

وفي ظلّ غياب أي بديل عملي يضاهي الممرين البحريين المحيطين بشبه الجزيرة العربية من حيث الطاقة الاستيعابية، يبقى التوصل إلى إطار تفاوضي ينظم حركة العبور السبيل الوحيد إلى حل مستدام.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

زميل أوّل غير مقيم
فريدريك شنايدر هو زميل أوّل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. ويعمل أيضاً مستشار سياسات مستقل، وقد تعاون مع عددٍ من المؤسّسات الدولية المرموقة، من بينها مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية، ومنتدى الخليج الدولي، ومعهد دول الخليج العربية في واشنطن، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وغيرها من المؤسّسات.   وتشمل اهتمامات شنايدر البحثيّة السياسات الاقتصادية… Continue reading إغلاق مضيق هرمز: إلى أي مدى أثبتت المسارات الخليجية البديلة كفاءتها؟