3 نوفمبر 2026. (الصورة بعدسة تيموثي أ. كلاري / وكالة فرانس برس)

الخليج والشرق الأوسط ما بعد الانتخابات الأمريكية بين التصعيد والتسوية

لم تنتزع الانتخابات سلطة الحرب من ترامب، لكنها رفعت كلفتها السياسية، ووضعت الخليج أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات الانتخابية الأمريكية مع مستقبل الصراع الإقليمي.

8 نوفمبر, 2026
خالد الجابر

من غير المنطقي اعتبار انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد منافسة تقليدية على مقاعد الكونغرس، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي واسع لسياسات الرئيس دونالد ترامب، داخليًا وخارجيًا. فقد تمكّن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وحققوا اختراقات انتخابية في ولايات ومناطق ظلّت لسنوات طويلة محسوبة على الجمهوريين.

 

أعادت هذه النتائج طرح أسئلة محورية حول مستقبل الإدارة الأمريكية خلال العامين المتبقيين من ولاية ترامب، خصوصًا في ظلّ الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية والأمنية. والأهمّ أن السياسة الخارجية الأمريكية لم تعد قضية بعيدة عن اهتمامات الناخب الأمريكي، بل أصبحت جزءًا من حساباته اليومية، بعدما انعكست تكاليف المواجهة العسكرية على أسعار الطاقة والإنفاق العام والاستقرار الاقتصادي في البلاد.

 

بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج، فإنّ الإشكالية الأهمّ ليست في حجم خسارة الجمهوريين، وإنما ما إذا كانت هذه النتائج ستغير حسابات ترامب تجاه إيران وإسرائيل والحرب الإقليمية المستمرة. إذ لا يزال الرئيس الأمريكي يمتلك القدرة العسكرية والدستورية على التصعيد، وإصدار الأوامر بتنفيذ عمليات عسكرية، وممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية. غير أن هذه القدرة لم تعد تتمتع بالهامش السياسي نفسه الذي امتلكه قبل الانتخابات. فالفرق شاسع بين رئيس يستطيع اتخاذ قرار الحرب، ورئيس يستطيع تحمل تبعاتها السياسية والاقتصادية، خصوصًا عندما تكون سياساته الخارجية قد أصبحت أحد أهمّ عوامل التراجع الانتخابي لحزبه.

 

 

تحوّل الحرب الخارجية إلى عقوبة انتخابية

كشفت هذه الانتخابات عن حقيقة سياسية مهمة، وهي أن العلاقة بين المغامرة العسكرية والمكاسب الانتخابية ليست بالضرورة علاقة إيجابية. فقد تمنح أي ضربة عسكرية يقوم بها الرئيس الحالي لحظة من التفوّق الإعلامي، لكنها لا تمنحه انتصارًا استراتيجيًا، لا سيّما عندما تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف مفتوحة، ترتفع خلالها أسعار الطاقة، وتتزايد معها النفقات العسكرية، وتتراجع عبرها ثقة الناخب بقدرة الإدارة الحالية على إنهاء الصراع.

 

لقد راهن ترامب على استخدام القوة الأمريكية وإظهارها لتعزيز موقعه السياسي، لكن الناخب لا يقيس نجاح السياسة الخارجية بعدد الضربات العسكرية، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة دون تحميل المجتمع تكاليف إضافية. وعندما تصبح الحرب مصدرًا للقلق الاقتصادي بدلًا من الشعور بالأمن، فإنها تتحول من رصيد سياسي إلى عبء انتخابي.

 

ولذلك، تحمل نتائج الانتخابات تحذيرًا يتجاوز ترامب شخصيًا، ويمتد إلى الحزب الجمهوري الذي بات مطالبًا بالموازنة بين الدفاع عن سياسات الرئيس، وحماية مستقبله السياسي. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة هذه المعادلة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

 

 

الكونغرس الجديد وحدود سلطة الرئيس

مع انتزاع الديمقراطيين الأغلبية في الكونغرس، ستدخل الإدارة الأمريكية مرحلة مختلفة من الرقابة والمساءلة. فالمعارضة ستتمكن من استخدام لجان التحقيق والاستماع، ومراجعة المخصصات العسكرية، والضغط لكشف أهداف العمليات العسكرية وتكاليفها وحدودها الزمنية، فضلًا عن مساءلة المسؤولين بشأن الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران والشرق الأوسط.

 

لكن سيكون من الخطأ الاعتقاد أن الكونغرس يستطيع إيقاف ترامب تلقائيًا أو انتزاع إدارة السياسة الخارجية من البيت الأبيض. فالنظام الدستوري الأمريكي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة في قيادة القوات المسلحة، بينما تحتاج القيود التشريعية الفاعلة إلى توافقات سياسية قد تصطدم بالفيتو الرئاسي.

 

وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة مرحلة شلل أمريكي، وإنما مرحلة صراع مؤسسي أكثر تعقيدًا، تصبح فيها القرارات العسكرية خاضعة لتدقيق سياسي متزايد، وتتحول تكلفة استمرار الحرب إلى قضية داخلية يصعب تجاهلها.

 

 

إيران: التفاوض ومخاطر التصعيد

أما فيما يتعلق بمسار الحرب مع إيران، تكتسب نتائج الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة إلى مستقبل المواجهة الأمريكية الإيرانية. فقبل الانتخابات، كان بإمكان ترامب المراهنة على استمرار الضغط العسكري لفرض شروط تفاوضية أكثر صرامة على طهران. أما الآن، فقد أصبحت معادلة الوقت أكثر تعقيدًا، لأن كل شهر إضافي من الحرب دون تسوية واضحة قد يضاعف الانتقادات الداخلية، ويمنح الديمقراطيين مادة سياسية جديدة لمواجهة الإدارة.

 

وربما تصبح التسوية السياسية مع إيران أكثر أهمية في حسابات البيت الأبيض، ليس بالضرورة نتيجة تغير جذري في رؤية ترامب، وإنما لأن استمرار الحرب يحمل تكلفة داخلية متزايدة.

 

لكن هذه القراءة لا تعني استبعاد التصعيد. فقد يلجأ ترامب إلى ضربات محدودة أو تهديدات عسكرية أشد لتحسين موقعه التفاوضي وإظهار أنه لم يتراجع تحت ضغط الانتخابات. وهنا تكمن الخطورة، إذ قد تبدأ العملية العسكرية باعتبارها رسالة ردع محدودة، ثم تتوسع بفعل الردود المتبادلة وسوء التقدير، وتتحوّل إلى مواجهة يصعب التحكم في مسارها.

 

كما أن طهران قد تُفسر النتائج باعتبارها دليلًا على تراجع قدرة واشنطن على مواصلة الحرب، فتتشدد في مطالبها التفاوضية، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة الأزمة بدلًا من إنهائها.

 

وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن حساباتها الاستراتيجية قد لا تتطابق بالضرورة مع حسابات واشنطن بعد الانتخابات. فالحكومة الإسرائيلية تنظر إلى إيران من زاوية أمنية تتجاوز الاعتبارات الانتخابية الأمريكية، وقد ترى في أي تسوية لا تعالج الملفات النووية والصاروخية والإقليمية بصورة كافية تهديدًا لمصالحها.

 

وهنا قد تظهر فجوة بين رغبة الإدارة الأمريكية في تخفيف الضغوط الداخلية، ورغبة إسرائيل في الحفاظ على مستوى مرتفع من الضغط العسكري على إيران. وإذا اتسعت هذه الفجوة، فقد تجد واشنطن نفسها أمام معضلة جديدة تتمحور حول سؤال بارز: كيف تمنع واشنطن توسع الحرب دون أن تدخل في خلاف استراتيجي مع حليفها الإسرائيلي؟

 

وستصبح هذه المعضلة أكثر تعقيدًا مع اتساع النقاش داخل الكونغرس بشأن حدود الدعم العسكري الأمريكي، وأهداف الحرب، والنتائج السياسية التي يفترض أن تحققها.

 

الخليج: كلفة الحرب السياسية والتسوية

على مستوى دول الخليج، فإن التحوّل السياسي في واشنطن يحمل فرصًا ومخاطر متزامنة. فمن ناحية، قد يفتح تراجع هامش المناورة لدى ترامب المجال، أمام جهود دبلوماسية أكثر جدية لإنهاء المواجهة. ومن ناحية أخرى، فإن أي تصعيد محدود قد تكون له تداعيات مباشرة على أمن المنطقة ومنشآتها الحيوية وممراتها البحرية.

 

وفي الحالة الخليجية تحديدًا، تبرز مفارقة أكثر حساسية وخصوصاً مع استمرار الجهود الدبلوماسية القطرية لاحتواء التصعيد وفتح قنوات التفاوض، وهي تجد نفسها مطالبة بحماية سيادتها ومصالحها من الهجمات الإيرانية وتداعيات الحرب. وهذا الواقع يؤكد أن الوساطة لا يمكن أن تكون بديلًا عن الردع، كما أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع توفير الاستقرار دون تسوية سياسية.

 

ولذلك، فإن المطلوب خليجيًا ليس انتظار ما ستقرره واشنطن، وإنما العمل على بناء موقف إقليمي أكثر تماسكًا، يجمع بين حماية المصالح الوطنية، وتعزيز الدفاع المشترك، وتطوير المبادرات الدبلوماسية التي تمنع استمرار المنطقة رهينة لحسابات القوى المتصارعة.

 

إن الانتخابات الأمريكية تقدم درسًا استراتيجيًا يتجاوز نتائجها المباشرة، فلا يمكن رهن مستقبل الأمن الخليجي بتوازنات السياسة الداخلية الأمريكية. فالإدارات تتغير، والأغلبية التشريعية تتبدل، والأولويات الأمريكية يعاد ترتيبها، بينما تظل التحديات الجغرافية والأمنية التي تواجه دول الخليج قائمة.

 

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وإنما إدراك حدود الاعتماد عليها وحدها. فالمنطقة تحتاج إلى منظومة دفاعية جماعية أكثر تكاملًا، وقدرات مستقلة نسبيًا لحماية منشآت الطاقة والممرات البحرية، وآليات سياسية قادرة على إدارة الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات عسكرية.

 

كما أن أي تسوية أمريكية إيرانية لا تأخذ المصالح الأمنية الخليجية في الاعتبار ستظل تسوية ناقصة، حتى لو نجحت في وقف العمليات العسكرية مؤقتًا.

 

الفجوة في خوض الحروب وإنهائها

 

لقد أثبتت الانتخابات الأمريكية أن الحروب الخارجية، مهما بلغت قوتها العسكرية، يمكن أن تتحول إلى عبء سياسي داخلي عندما تعجز عن تحقيق نتائج ملموسة. فاستعراض القوة لا يعوض غياب الاستراتيجية، والتفوق العسكري لا يضمن تحقيق الانتصار السياسي، خصوصًا عندما تطول المواجهة وتتسع تداعياتها.

 

ومع ذلك، فإن نتائج صناديق الاقتراع لن توقف الصواريخ تلقائيًا، ولن تنهي الصراع مع إيران، ولن تعالج الاختلالات العميقة في منظومة الأمن الإقليمي. فما تغير بعد الانتخابات ليس قدرة الرئيس الامريكي على استخدام القوة، وإنما هامش المناورة السياسية المتاح أمامه، في ظل كونغرس أكثر قدرة على مساءلة الإدارة، وحزب جمهوري يواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على موقعه السياسي خلال العامين المقبلين.

 

والسؤال الحاسم الذي سيحدد مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ليس ما إذا كان ترامب قادرًا على توجيه المزيد من الضربات العسكرية، بل ما إذا كان يمتلك رؤية استراتيجية لتحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية مستدامة. فالقدرة على إشعال الحرب لا تعني القدرة على إنهائها، وإضعاف القدرات الإيرانية لا يضمن تغيير سلوك طهران أو بناء استقرار إقليمي جديد.

 

وإذا كانت التحولات السياسية في واشنطن قد فتحت نافذة لإعادة النظر في مسار المواجهة، فإن على دول الخليج أن تستثمر هذه اللحظة للانتقال من موقع المتأثر بالقرارات الأمريكية إلى موقع الشريك في صياغة مستقبل الأمن الإقليمي. فليس مقبولًا أن تتحمل دول الخليج تداعيات حرب لم تقرر خوضها، ثم تجد نفسها أمام تسوية لم تشارك في صياغتها، أو ترتيبات أمنية تحدد مستقبلها دون أن يكون لها دور في تقريرها.

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

Issue: الإنتخابات، السياسة الأمريكية الخارجية
Country:

Writer

المدير العام
 خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا… Continue reading الخليج والشرق الأوسط ما بعد الانتخابات الأمريكية بين التصعيد والتسوية