ترتبط المعضلة الأمنية التي تواجه دول الخليج اليوم بالقرار الأمني أكثر من ارتباطها بحجم ما تمتلكه من أسلحة متطورة أو قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها.
فالسؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: من يمتلك قرار الحرب عندما تتعارض المصالح وتصبح الضمانات الخارجية خاضعة لحسابات القوى الكبرى؟ هذه الإشكالية ظلّت مؤجلة لعقود خلف الوفرة المالية والتحالفات العسكرية وصفقات التسليح الضخمة، وتعود اليوم إلى واجهة النقاش الاستراتيجي، بعدما كشفت الحروب والأزمات والمتغيرات الإقليمية حدود التصورات التقليدية للأمن، وأعادت طرح العلاقة المعقدة بين القوة والسيادة والدبلوماسية.
في هذا السياق، تكتسب أعمال منتدى الأمن العالمي، المنعقد في دولة قطر بمشاركة شخصيات رسمية ودبلوماسية وبرلمانية، إلى جانب نخبة من الخبراء والمختصين في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أهمية تتجاوز طبيعة النقاشات التي يشهدها المنتدى.
فالمنطقة تمرّ بمرحلة تتغير فيها معادلات الردع والتحالفات، وتتراجع فيها القدرة على الفصل بين الأمن الوطني والصراعات الإقليمية، بينما تجد الدول الخليجية نفسها أمام تحديات تتطلب مراجعة جذرية لفلسفة الأمن التي حكمت سياساتها طوال العقود الماضية.
يأتي الإعلان عن مبادرة إنشاء مركز للصناعات الدفاعية في قطر ليضيف بُعدًا عمليًا إلى هذه النقاشات، ويفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول مستقبل القدرات الدفاعية الوطنية، وحدود الاعتماد على الشركاء الدوليين، وإمكانية الانتقال التدريجي من استيراد السلاح والحماية إلى امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على الإنتاج والتطوير.
معادلة جديدة للأمن الخليجي
منذ عقود، تأسست معادلة الأمن الخليجي على افتراض رئيسي مفاده أن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مدعومة بالتفوق العسكري الغربي، توفر مظلة ردع كافية لحماية الدول الخليجية من التهديدات الخارجية. وقد عززت هذه المعادلة شبكة واسعة من القواعد العسكرية والاتفاقيات الدفاعية وصفقات التسليح، حتى أصبح الوجود العسكري الأجنبي جزءًا أساسيًا من البنية الأمنية الإقليمية.
غير أن التطورات الأخيرة كشفت إشكالية محورية في هذه المعادلة، تتمثل في الخلط بين الارتباط بتحالف عسكري مع قوة كبرى والحصول على ضمانة أمنية مطلقة منها. فالاتفاقيات الدفاعية لا تلغي استقلال المصالح السياسية للدول الموقعة عليها، ولا تعني بالضرورة استعداد الحليف للتدخل العسكري في كل أزمة، أو تحمّل كلفة المواجهة عندما تتعارض مع حساباته الاستراتيجية.
واللافت أن دول الخليج، رغم إنفاقها مئات مليارات الدولارات على التسليح خلال العقود الماضية، لا تزال تواجه تحديات تتعلق بتكامل منظوماتها الدفاعية، واستقلال سلاسل الإمداد، والقدرة على الاستمرار في العمليات العسكرية خلال الأزمات الممتدة. وهذه ليست مشكلة نقص في الموارد المالية، وإنما نتيجة نموذج أمني منح الأولوية لشراء القدرات الجاهزة على حساب بناء القاعدة الصناعية والتكنولوجية القادرة على إنتاجها واستدامتها.
لا شكّ أن الولايات المتحدة ستبقى شريكًا أمنيًا أساسيًا لدول الخليج، فهذه الشراكة ستظل مهمة في المستقبل المنظور، ولكن الأهم هو البحث في طبيعة العلاقة معها، وعدم اعتبارها بديلًا عن بناء القدرة الدفاعية الذاتية.
فالدول التي تعتمد على الأطراف الخارجية في توفير السلاح وذخائره وصيانته، وفي الحصول على المعلومات الاستخباراتية، قد تمتلك قوة عسكرية متقدمة، لكنها لا تمتلك بالضرورة استقلالًا استراتيجيًا مكتملًا.
بناء القدرات الوطنية
يحمل إعلان نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع في دولة قطر، سعادة الشيخ سعود بن عبدالرحمن آل ثاني، على هامش منتدى الأمن العالمي، عن اعتزام قطر الإعلان عن إنشاء مركز للصناعات الدفاعية في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز القدرات الوطنية، دلالات استراتيجية تتجاوز حدود المشروع ذاته؛ إذ يعكس توجهًا نحو الانتقال من مفهوم شراء السلاح إلى بناء القدرات الدفاعية الوطنية، وتوطين المعرفة والتكنولوجيا العسكرية.
فالأمن الحديث لم يعد يُقاس بحجم الترسانات العسكرية أو تطوّر منظومات التسليح وحدها، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج احتياجاتها الدفاعية وصيانتها وتطويرها، وضمان استدامة جاهزيتها في أوقات الأزمات. والأهم أن هذا التوجه يعكس إدراكًا بأن الاستقلال الاستراتيجي لا يتحقق بمجرد امتلاك السلاح، بل بامتلاك المعرفة والقدرة على إنتاجه، بما يعزز السيادة الوطنية ويقلص الارتهان للضمانات والإمدادات الخارجية.
إن القيمة الاستراتيجية لأي مركز دفاعي لا تتحدد بحجم المنشآت أو الاستثمارات المخصصة له، بل بالوظائف التي سيؤديها، ومدى قدرته على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الدفاعية وتطوير الكفاءات القطرية. فالفرق كبير بين إنشاء منشأة لتجميع المعدات المستوردة وبناء قاعدة وطنية تمتلك المعرفة الفنية والهندسية التي تسمح بالتطوير والإنتاج والاستدامة.
تبرز هنا أهمية تحديد أشكال التعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، باعتبارها دولًا تمتلك خبرات متقدمة في الصناعات الدفاعية، إلى جانب توسيع التعاون مع الشركاء الإقليميين الذين راكموا تجارب متفاوتة في مجالات التصنيع العسكري والتكنولوجيا الدفاعية. لكن نجاح هذه الشراكات يتطلب إعادة تعريف طبيعتها، بحيث لا تظل محصورة في العلاقة التقليدية بين البائع والمشتري، وإنما تتحول إلى شراكات صناعية وتكنولوجية تتضمن البحث والتطوير والتدريب وتبادل المعرفة.
ولا يعني ذلك أن قطر مطالبة بتحقيق الاكتفاء العسكري الكامل، وهو هدف يصعب تحقيقه حتى بالنسبة إلى دول صناعية كبرى، وإنما المطلوب تحديد المجالات الاستراتيجية التي ينبغي امتلاك قدرات وطنية فيها. والأهم أن توطين الصناعات الدفاعية ينبغي ألّا يتحول إلى شعار اقتصادي أو مشروع رمزي، بل إلى جزء من استراتيجية وطنية طويلة المدى، تتكامل فيها المؤسسات العسكرية والجامعات ومراكز البحث والقطاع الصناعي. فامتلاك التكنولوجيا لا يتحقق بمجرد شرائها، وإنما ببناء البيئة العلمية والمؤسسية القادرة على استيعابها وتطويرها وإنتاج معرفة جديدة انطلاقًا منها.
الدبلوماسية والقوة: هل هناك تناقض؟
في الحالة القطرية، يطرح تطوير القدرات الدفاعية سؤالًا آخر يتعلق بالعلاقة بين القوة العسكرية والدور الدبلوماسي الذي أدّته الدوحة خلال العقود الماضية، خصوصًا في مجالات الوساطة واحتواء النزاعات وفتح قنوات الحوار بين الأطراف المتعارضة.
يبدو للوهلة الأولى أن تعزيز القدرات العسكرية يتناقض مع الهوية الدبلوماسية للدولة، لكن هذا التصور يقوم على فهم محدود للعلاقة بين القوة والسياسة. فالدبلوماسية لا تعمل في فراغ استراتيجي، ولا تستطيع المحافظة على استقلاليتها إذا كانت الدولة التي تمارسها عاجزة عن حماية سيادتها ومصالحها الأساسية.
لقد نجحت قطر في بناء مكانة دبلوماسية تتسم بالقدرة على التواصل مع أطراف متعارضة، والمحافظة على قنوات الحوار في لحظات الانسداد السياسي. وهذه المكانة لا تستمد أهميتها من القوة العسكرية، وإنما من الثقة السياسية والمرونة الدبلوماسية والقدرة على إدارة العلاقات المعقدة.
غير أن المحافظة على هذا الدور تتطلب أيضًا تحصينه بقدرات دفاعية وطنية، خصوصًا في بيئة إقليمية تتداخل فيها الحروب المباشرة وغير المباشرة، وتتزايد فيها احتمالات انتقال تداعيات الصراعات إلى الدول التي تسعى إلى احتوائها.
من هذا المنطلق، ينبغي التمييز بين امتلاك القوة واستخدامها، وبين بناء الردع والانخراط في سياسات العسكرة. فالمطلوب ليس أن تتحوّل قطر إلى طرف عسكري في صراعات المنطقة، وإنما أن تمتلك من القدرات ما يسمح لها بحماية أمنها الوطني، مع المحافظة على استقلال قرارها ومصداقيتها بوصفها وسيطًا دبلوماسيًا.
فالدبلوماسية التي تستند إلى قدرة دفاعية موثوقة ليست أقل ميلًا إلى السلام، وإنما أكثر قدرة على تحقيقه بعيدًا عن الضغوط والابتزاز. والمطلوب ليس استبدال التحالفات الغربية بتحالفات أخرى، ولا الانتقال من الاعتماد على قوة كبرى إلى الارتهان لقوة منافسة، وإنما بناء سياسة أمنية تقوم على تنويع الشراكات، وتطوير القدرات الوطنية، وتعزيز التعاون الإقليمي، والمحافظة على استقلال القرار السياسي.
كما أن الأمن الخليجي لا يمكن اختزاله في البعد العسكري وحده؛ لأن مصادر عدم الاستقرار ترتبط أيضًا بالصراعات السياسية والتنافس الإقليمي والأزمات الاقتصادية والانقسامات المجتمعية. ولذلك، فإن بناء منظومة دفاعية متقدمة ينبغي أن يترافق مع دبلوماسية نشطة تستهدف خفض التوترات ومعالجة أسباب النزاعات، بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
من هذا المنظور، يُشكّل التوجه القطري نحو تطوير البنية الدفاعية الوطنية فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين القوة والدبلوماسية، وبين التحالفات الخارجية والقدرة الذاتية، وبين الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي.
الدرس الاستراتيجي الأهم الذي ينبغي استخلاصه من أزمات المنطقة هو أن الضمانات الخارجية، مهما بلغت قوتها، تظل محكومة بمصالح الدول التي تقدمها، في حين تبقى القدرة الوطنية على حماية السيادة هي الأساس لبناء أمن طويل الأمد.
لقد حان الوقت لكي تنتقل دول الخليج من سؤال: «من سيحمينا عندما تندلع الحرب؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كيف نبني من القوة والمعرفة والتعاون ما يجعل أمننا أقل ارتهانًا لقرارات الآخرين؟». فالمعضلة ليست في غياب الحلفاء، وإنما في تحويل التحالف إلى بديل عن القدرة الذاتية؛ وليست في نقص السلاح، وإنما في الفجوة بين امتلاك السلاح وامتلاك القرار.