دمشق، سوريا، 8 يونيو 2026. (تصوير: بكر القاسم)

من الردع إلى الاستنزاف: كيف دخل الشرق الأوسط النفق المغلق؟

وسط تراجع احتمالات الحسم العسكري والتسوية السياسية، دخلت منطقة الشرق الأوسط في نمط جديد من الصراع يقوم على الاستنزاف المستمر واتساع ساحات المواجهة. وأصبحت الضربات المتكررة قاعدة يتشكّل على أساسها الأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي لا حدثًا استثنائيًا عابرًا.

10 أغسطس، 2026
خالد الجابر

قبل أشهر قليلة فقط، توقعت شريحة واسعة من الخبراء أن تُنتج الضربات الإسرائيلية- الأمريكية على إيران واقعًا جديدًا في الشرق الأوسط وسيكون لها تأثير في توازن القوى الإقليمي، وفي ردع إيران. وانطلقت تلك الفرضية من معادلة واضحة: إما أن تُجبر طهران على التراجع تحت وقع الخسائر، أو أن تُفتح الطريق نحو تسوية سياسية تُعيد ترتيب المنطقة على أسس أكثر استقرارًا. لكن ما يجري اليوم يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.

 

لقد دخل الشرق الأوسط ما يمكن وصفه بـ”النفق المغلق”. فالمنطقة لا تقترب من السلام، ولا تتجه نحو حرب شاملة تُحسم فيها موازين القوى، بل تنزلق إلى أخطر السيناريوهات: حرب استنزاف مفتوحة، بلا نهاية سياسية قريبة المدى وبلا انتصار عسكري حاسم. إنها حرب تتحوّل تدريجيًا إلى حالة قائمة بذاتها ستتسم بها المنظومة الإقليمية تتسم بتصعيد متبادل، وتهديدات باستهداف منشآت حيوية، بينما يتآكل الأمن والاستقرار الإقليمي والاقتصاد الدولي. والخطر الحقيقي ليس في استمرار الحرب بهدف تحقيق نتائج حاسمة، بل أن يصبح الاستنزاف هو القاعدة، وأن يتحوّل غياب الاستقرار الأمني والاقتصادي إلى الوضع الطبيعي في الشرق الأوسط.

 

 

 المعركة تتجاوز حدودها

 

لقد تجاوزت المعركة حدود إيران نفسها. فدُول الخليج لا تزال مستهدفة من قبل النظام الإيراني ووكلائه في المنطقة، والعراق تحوّل إلى ساحة مفتوحة لضرب الميليشيات والقواعد العسكرية على حدٍّ سواء. والأردن، وجد نفسه في مرمى الهجوم والطائرات المسيّرة العابرة لأجوائه، ليُدفَع إلى داخل حرب لم يشارك في اندلاعها، وحتى مصر وصلتها الاستهدافات الإيرانية.

 

في اليمن وتحديداً في البحر الأحمر، اتسعت رقعة التصعيد، وانتقلت الضربات المتكررة من عملية عسكرية مُحددة الأهداف إلى واقع أمني يُحاصر الملاحة الدولية ويرفع كلفة التجارة العالمية ما يدخل المنطقة في مرحلة جديدة من المخاطر الجيوستراتيجية التي تُهدد أحد أهم شرايين التجارة البحرية العالم. ويبقى مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط الاستراتيجية التي تمتلكها طهران. فحوالي خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، تمرّ عبر المضيق سنوياً، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة العالمية.

 

المؤشر الأخطر هنا ليس عدد الصواريخ، بل عدد الجبهات. فالجبهات تتسع بشكل متصاعد، حتى لو لم تتزايد كثافة النيران. ويُعدّ ذلك أخطر أنواع التصعيد الذي يحدث على مستوى النطاق الجغرافي، لا سيّما مع المجهود الحربي الأمريكي الذي يتواصل بوتيرة تصاعدية من بريطانيا وألمانيا والبرتغال وبلغاريا إضافة إلى إسرائيل التي تمثل أكبر نقاط الحشد الأمريكي في المنطقة.

 

ويبدو أنّ واشنطن لا تريد غزوًا بريًا لإيران في هذه المرحلة على الرغم من السيناريوهات التي تتحدث عن احتمالات الإنزال المحدود في بعض الجزر الإيرانية حسب تطور العمليات العسكرية. فبحسب التجارب العسكرية، تُدرك واشنطن أنّ كلفة إسقاط النظام الإيراني قد تكون أكبر بكثير من كلفة بقائه، وأن التداعيات الإقليمية قد تكون أخطر من الانهيار نفسه. في الوقت نفسه، تمتلك إسرائيل القدرة على توجيه ضربات موجعة ودقيقة لإيران، لكنها عاجزة عن إنهاء التهديدات الإيرانية التي قد تطال العمق الإسرائيلي من خلال استخدام تل أبيب لقدراتها الجوية العسكرية وحدها، لأن التهديد الإيراني لم يكن يومًا مجرد استهداف لمنشآت وأهداف ثابتة، بل يتسع نطاقه ليشمل شبكة سياسية وعقائدية ممتدة عبر المنطقة.

 

أما طهران، وبعد أن تراجع نفوذها السياسي وما تداوله المراقبون من شكوك حول تراجع مخزونها من الصواريخ في بدايات الحرب، وما تبعه من مسارات لإعادة بناء هذه الترسانة،  فلم يعد هدفها تحقيق الانتصار العسكري والسياسي، بل منع خصومها من الانتصار من خلال تحويل الشرق الأوسط بأسره إلى ساحة استنزاف. وهذه المعادلة، حيث لا أحد يستطيع الحسم ولا أحد يستطيع الانسحاب، هي الوصفة التاريخية الأكثر ضمانًا لتكريس نوع من حروب الاستنزاف طويلة الأمد.

 

 

ملامح المشهد القادم

 

اليوم يتضح المشهد الإقليمي أكثر من أي وقت مضى.  فالغزو البري لطهران مُستبعد في الوقت الراهن، والإعلان عن انتهاء الحرب لا يلوح في الأفق. ولكننا في المقابل، نشهد امتداداً جغرافياً لهذه الحرب وتبعاتها، بحيث تعيش منطقة الخليج تحت الهجمات الصاروخية المتكررة، وتتوسع جبهات القتال من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، وربما إلى أماكن لم تدخل في الحسابات السياسية والأمنية بعد، بينما يبقى مركز الحرب نفسه دون حسم.

 

إنه النموذج الذي تتقنه إيران وتراهن عليه: تحويل كل حدود المنطقة إلى جبهة محتملة، وكلّ ممر بحري إلى أداة ضغط سياسي، وكلّ وكيل غير حكومي يُقاتل تحت راية الأيديولوجية الإيرانية إلى أداة لإطالة أمد الصراع.

 

لم تعد المعركة تدور حول الدفاع عن الأراضي الإيرانية، بل حول توزيع كلفة الحرب على الجميع، حتى تصبح أسعار النفط، وحركة الملاحة الدولية، واستقرار الدول العربية، جزءًا من معادلة الردع والرد الإيرانية.

 

والخطأ الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن هذا النوع من الحروب أقل خطورة من الحرب الشاملة. فالحروب لا تصبح كارثية فقط عندما تشتعل دفعة واحدة، بل عندما تتحول إلى حالة دائمة يُعاد إنتاجها كل يوم. وكل ضربة محدودة تولّد ضربة مقابلة، وكل جبهة جديدة تُعطي الذريعة لفتح جبهة أخرى، حتى تجد المنطقة نفسها بعد سنوات أمام حرب لم يعلنها أحد، لكنها أصبحت واقعًا يوميًا يستنزف الاقتصاد، والأمن، والسياسة، والمجتمع.

 

تتمثل المعضلة في اعتقاد كل طرف أنه قادر على التحكم في وتيرة التصعيد، وفي تحديد توقيت الرد، وحدوده، ونهايته، على الرغم من أن ديناميكيات الصراع تتجاوز حسابات الفاعلين أنفسهم في أغلب الأحيان. فالتجارب التاريخية تُبيّن لنا أنّ الحروب طويلة الأمد لا تبقى تحت سيطرة الأطراف المتصارعة. فحرب فيتنام بدأت بحادثة “خليج تونكين” التي أعلن فيها عن تعرّض مدمرتين أمريكيتين لهجوم قبالة السواحل الفيتنامية، وتحولت إلى أحد أكبر المواجهات العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة في مرحلة الحرب الباردة، وتبعتها حروب الاستنزاف في العراق وأفغانستان، وكذلك تحولت  العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا إلى واحدة من أبرز الحروب أوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

 

فكل حرب استنزاف طويلة الأمد تبدأ بوهم السيطرة، وتنتهي بفقدانها. والأشد خطورة أن منطقة الشرق الأوسط لا تمتلك اليوم ترف هذا الاستنزاف. فالمنطقة كانت قد بدأت بالفعل مرحلة تاريخية من إعادة بناء اقتصاداتها، وتنويع مصادر دخلها، والتحول إلى مركز دولي للاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، مع مشاريع تنموية طويلة الأمد وهي اليوم أحوج إلى الاستقرار الأمني من حاجتها إلى مزيد من رؤوس الأموال.

 

لكن استمرار الحرب يعني تحويل الموارد من التنمية إلى الدفاع، ومن الاستثمار إلى الأمن، ومن بناء المستقبل إلى إدارة الأزمات. وهذه ليست خسارة مالية يمكن تعويضها في موازنة قادمة، بل خسارة زمن ومصداقية دولية وفرص لبناء الرؤية الوطنية على المدى البعيد. فالمستثمر الذي يغيّر خططه لا يعود سريعًا، وشركات الشحن التي تعيد رسم مساراتها لا تصحّح مسارها بمجرد مرور المنطقة بمرحلة يسودها هدوء مؤقت.

 

في ظلّ هذا الواقع الشائك، تعتقد إيران أن استنزاف المنطقة سيحمي نظامها، بينما تستهلك طهران ما تبقى من نفوذها الإقليمي، وبانتهاجها هذا التكتيك  تحوّل نفسها من قوةٍ تسعى إلى اكتساب الشرعية الإقليمية إلى عبءٍ أمني يسعى الجميع إلى احتوائه. وفيما تعتقد طهران أنّ الضربات المحدودة قد تمنع اشتعال الحرب الكبرى، من المرجح أن تقع في مأزق حربٍ لا تمتلك القدرة على الاستمرار فيها.

 

في نهاية المطاف، لا بُدّ من الاعتراف بأنّ الشرق الأوسط دخل مرحلة أخطر من الحرب الشاملة، تتمثل بمرحلة الحرب التي لا تنتهي، حرب منخفضة الكثافة، لكنها مرتفعة الكلفة. لا غالب فيها ولا مغلوب، بل أطراف خاسرة، وربما أطرافاً جديدة ستخسر المزيد.

 

 إذا استمرت هذه المعادلة، فلن يكون السؤال الحقيقي: متى تنتهي الحرب؟ بل: كم دولة أخرى ستُستدرج إلى دائرة الصراع، وكم عامًا سيحتاج العالم ليدرك أنه لم يعد يواجه أزمة عابرة، بل نظامًا إقليميًا جديدًا يُدار بمنطق الاستنزاف الدائم.

 

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: إيران، المملكة العربية السعودية، قطر

المؤلف

المدير العام
 خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا… Continue reading من الردع إلى الاستنزاف: كيف دخل الشرق الأوسط النفق المغلق؟