بعد زهاء شهرين على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية في 28 فبراير 2026، تجاوزت أسواق الطاقة العالمية مرحلة “علاوة المخاطر الجيوسياسية”، أي الزيادة المؤقتة في الأسعار الناجمة عن ضبابية النزاعات المسلحة، لتدخل مرحلة أكثر خطورة وصفتها وكالة الطاقة الدولية بأنها “أكبر اضطراب في الإمدادات بتاريخ سوق النفط العالمية”.
فقد قفز خام برنت المعيار العالمي لأسعار النفط إلى نحو 120 دولاراً للبرميل، قبل أن يستقرّ فوق 100 دولار وذلك خلال الأسبوع الأول من الحرب، مع تراجعات محدودة إلى نطاق التسعينيات، مُسجلّاً مكاسب تراكمية تتجاوز 40 في المئة مقارنة بمستوياته قبل الحرب. في غضون ذلك، تعرّضت أسواق الأسهم العالمية لموجات بيع حادّة، وسط تصاعد المخاوف من الركود التضخمي، بما يعكس مزيجاً قاتلاً من تضخّم متفلّت، وتراجع في النموّ الاقتصادي، على غرار ما شهدته سبعينيات القرن الماضي.
في هذا السياق، يطرح استحضار أزمة النفط التي أعقبت حرب أكتوبر 1973 إطاراً تحليلياً مشروعاً وفعّالاً لفهم أبعاد الصدمة الحالية وليس مجرّد مبالغة أدبية. ففي ذلك العام، استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط سلاح الحظر ضد الدول الداعمة لإسرائيل، ما أدّى إلى تضاعف الأسعار أربع مرات، وأعاد تشكيل أسس النظام الاقتصادي العالمي. أمّا اليوم، فعلى الرغم من اختلاف الآليات، حيث لم يتم الإعلان عن حظر نفطي رسمي، إلا أنّ المحصّلة تبدو متشابهة إلى حد بعيد، وسط اضطراب حقيقي في تدفقات الإمدادات من أغنى مناطق العالم بالنفط، بالتزامن مع شبه شلل يُصيب أهمّ ممرّ بحري تمرّ عبره تجارة الطاقة العالمية.
الجذور السياسية للأزمة الاقتصادية
يستدعي فهم الأبعاد الاقتصادية لهذه الأزمة التعرّف على بنيتها السياسية العميقة وتشابكاتها الجيوستراتيجية. إذ تتمسّك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمطالب تبدو شبه مستحيلة لتحقيق السلام، خصوصاً إذا ما اخذنا بعين الاعتبار طبيعة النظام السياسي في إيران، وتعقيد آليات صنع القرار في داخله. وزادت هذه المطالب تعقيداً مع صعود مرشد أعلى جديد في طهران، تصفه الأوساط الاستخباراتية والأكاديمية الغربية بأنه أكثر تشدداً وتصلّباً من سلفه، في إشارة واضحة إلى أن المؤسسة الحاكمة في إيران اختارت المضي في نهج المواجهة بدلاً من التراجع أو تقديم تنازلات.
يبدّد هذا التعنّت المتبادل آمال التوصل إلى تسوية دبلوماسية في المستقبل القريب، ما يعني أن الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء ستواجه ضغوطاً ممتدّة بفعل موجة ارتفاع أسعار لا تقتصر على النفط الخام، بل تطال أيضاً الغاز الطبيعي والأسمدة الكيماوية والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها المتعددة، ضمن موجة تضخمية تتغلغل في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
مع ذلك، تتواصل جهود الوساطة لخفض التصعيد، في وقت أظهر الموقف الأمريكي قدراً من الليونة، منتقلاً من الحديث عن تغيير النظام إلى الانخراط في مفاوضات في إسلام آباد. وعلى الرغم أن أسواق الطاقة مرشّحة للبقاء تحت الضغط لفترة طويلة، فإن احتمال التعافي الجزئي يظلّ قائماً إذا ما تطوّر وقف إطلاق النار الحالي إلى اتفاق أكثر استدامة قبل انتهاء مهلة الأسبوعين. ولعلّ أبرز المفارقات التي يكشفها التحليل السياسي الاقتصادي لهذا النزاع أن المستفيد الأكبر منه ليس أياً من أطرافه، بل طرف ثالث يقف على مسافة من ساحة المعركة: روسيا.
تحصد موسكو في آنٍ معاً ثلاثة مكاسب إستراتيجية مترابطة: تخفيفاً فعلياً ومتسارعاً للعقوبات الغربية المفروضة عليها منذ غزوها أوكرانيا، وإيرادات نفطية قياسية مدفوعة بالارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية، فضلاً عن زيادة ملحوظة في حصتها السوقية مع تراجع النفط الإيراني والخليجي عن ساحة المنافسة. ويقدّم هذا التحوّل خير مثال على ما تصفه نظريات العلاقات الدولية بـ”المكاسب النسبية غير المقصودة”، حيث يجني طرف خارجي عوائد كبيرة من نزاع لم يكن طرفاً فيه أساساً، وقد يتمنّى حتى أن يطول أمده.
في تطوّر غير مسبوق من حيث اتساعه الجغرافي ونطاقه القطاعي، أعلنت كبرى شركات الطاقة في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي حالة “القوّة القاهرة“، وهو مبدأ قانوني راسخ في إطار القانون التجاري الدولي يتيح للأطراف المتعاقدة تعليق التزاماتها من دون تحمّل مسؤوليات تعويضية، شريطة وقوع حدث استثنائي خارج عن إرادتها وسيطرتها، مثل الحروب أو النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية أو الجوائح.
وقد أعلنت “قطر للطاقة” تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال عقب ضربات عسكرية استهدفت منشآت صناعية حيويّة في رأس لفان ومسيعيد، في خطوة هزّت سلاسل الإمداد العالمية. وسارعت الشركات الدولية المستوردة للغاز القطري، لا سيما في أوروبا وشرق آسيا، إلى إعلان “القوة القاهرة” بدورها تجاه عملائها، ما أطلق سلسلة تداعيات امتدت من حقول الإنتاج ومحطّات التسييل في الخليج إلى مصانع الأسمدة في شبه القارة الهندية ومحطّات توليد الكهرباء في الأرخبيل الياباني.
بالمثل، أعلنت “مؤسسة البترول الكويتية” حالة “القوّة القاهرة” فيما خصّ مبيعاتها من النفط الخام، بالتزامن مع خفض طاقتها الإنتاجية بنحو 100 ألف برميل يومياً. كما اعتمدت “بابكو للطاقة” في البحرين الإجراء ذاته عقب عملية عسكرية استهدفت مجمّع التكرير الرئيسي لديها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه المرحلة هو ما إذا كانت إعلانات “القوّة القاهرة” المتتالية مجرد إجراءات احترازية مؤقتة ستُرفع مع انحسار وتيرة العمليات العسكرية، أم أنها تعكس انهياراً هيكلياً عميقاً في منظومة إمدادات الطاقة العالمية.
تشير البيانات المتاحة إلى ترجيح السيناريو الثاني. فدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة تمتلك نحو 33 في المئة من الاحتياطيات النفطية المؤكّدة عالمياً، وقد ضخّت قرابة 16 مليون برميل يومياً في عام 2025، ما يعادل نحو 15.4 في المئة من إجمالي الطلب العالمي المقدّر بنحو 104 ملايين برميل يومياً في العام الماضي. وتسهم قطر وحدها بنحو 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وهي حالياً ثاني أكبر مصدّر بعد الولايات المتحدة. ومن شأن أي توقف كلّي أو شبه كلّي لتدفقات الطاقة من حوض الخليج العربي أن يخلق فجوة كبيرة في إمدادات النفط والغاز العالمية، وهو ما يعكسه حالياً تعطّل نحو 10 ملايين برميل يومياً من إنتاج النفط نتيجة إغلاق مضيق هرمز.
لذا، من المستبعد أن تتمكّن مسارات التصدير البديلة، مثل خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام أو خط الشرق–الغرب “بترولاين” في السعودية، من سدّ هذه الفجوة على المدى القريب أو المتوسط، مهما بلغت الجهود المبذولة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت كميات الضخ عبر “بترولاين” من 1.3 مليون برميل يومياً في يناير 2026 إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً بحلول منتصف مارس، لكنها لا تزال أقلّ بكثير من نحو 6 ملايين برميل يومياً كانت السعودية تصدّرها عبر مضيق هرمز قبل النزاع. كما يواجه هذا المسار قيوداً في سعة التحميل بميناء ينبع، إلى جانب مخاطر أمنية، بما في ذلك تهديدات الحوثيين في اليمن. في المجمل، لا تتجاوز القدرة الاستيعابية لهذه المسارات البديلة مجتمعة سقفاً يتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً.
في المقابل، يرى كثير من المحللين والمراقبين أن إعلانات “القوّة القاهرة” تستهدف تعليق الالتزامات التعاقدية لا إلغاءها، على أن تُرفع مع انحسار العمليات العسكرية. ووفق هذا الطرح، فإن توقف القتال سيمهّد للعودة إلى قدر من الاستقرار، لاسيّما إذا ما تمّ التوصّل إلى تسوية دبلوماسية.
يحتلّ مضيق هرمز موقعاً محورياً في قلب اقتصاد الطاقة العالمي، إذ يمرّ عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكرّرة، أيّ ما يعادل قرابة 25 في المئة من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً، ما يجعله أحد أكثر نقاط الاختناق الجيوستراتيجية حساسية على خريطة الطاقة العالمية.
وكانت إيران أعلنت رسمياً إغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية في 4 مارس 2026، وبدأت استهداف السفن التجارية باستخدام ترسانة متنوّعة تشمل صواريخ مضادّة للسفن وزوارق هجومية سريعة وألغاماً بحرية. وقد دفع هذا التصعيد النوعي كبرى شركات الشحن العالمية، من بينها “ميرسك” (Maersk) الدنماركية و”سي إم إيه سي جي إم” (CMA CGM) الفرنسية و”هاباغ لويد” (Hapag-Lloyd) الألمانية، إلى تعليق عملياتها بالكامل في المنطقة، فيما قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
لا بدّ من التوقّف هنا عند مسألة بالغة الأهميّة في التحليل، ألا وهي الفرق الجوهري بين فتح الممرّات البحرية الدولية عسكرياً وفتحها أمام حركة التجارة. فبينما أظهرت الولايات المتحدة وفرنسا إصراراً واضحاً على حماية حرية الملاحة في المضيق، تشير تقارير ميدانية إلى نجاح القوات البحرية الغربية في إغراق أو تحييد عدد من القطع البحرية الإيرانية، فإنّ منطق التجارة تحكمه معادلات مختلفة تماماً. فشركات التأمين البحري لا تقيس مستوى الأمان بعدد الفرقاطات المدمّرة أو الطلعات الجوية المنفّذة، بل بمستوى المخاطر المتبقية التي قد تتعرّض لها كل رحلة بحرية على حدة.
وما دامت المخاطر عالية إلى حد يرفع أقساط التأمين إلى مستويات تقوّض الجدوى التجارية لعمليات الشحن، أو يدفع شركات التأمين إلى الامتناع عن التغطية من الأساس، فإّن المضيق سيظل فعلياً مغلقاً في نظر التجارة الدولية، حتى وإن اعتُبر “مفتوحاً” من منظور عسكري. وتكشف هذه المفارقة الصارخة عن هشاشة هيكلية تكمن في صلب نظام التجارة العالمي، ظلّت خفيّة لعقود قبل أن تعرّيها رياح هذه الحرب.
يطرح بعض المحلّلين الأكثر تفاؤلاً رؤية مغايرة، مفادها أن الدول الكبرى المستهلكة للطاقة أصبحت اليوم أكثر استعداداً مقارنة بسبعينيات القرن الماضي، بفضل منظومة الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية التي أُنشئت كاستجابة مباشرة لدروس أزمة 1973. ويستند هذا الطرح إلى أرقام وازنة، إذ بلغت احتياطيات دول منظمّة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 1.25 مليار برميل بنهاية عام 2025، فيما بلغ احتياطي الولايات المتحدة وحدها 411 مليون برميل ضمن الاحتياطي البترولي الإستراتيجي في الفترة نفسها. وكانت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية قد وافقت على ضخّ 400 مليون برميل في الأسواق عبر آلية الطوارئ المنسّقة، فيما أعلنت واشنطن عزمها ضخّ 172 مليون برميل إضافي من مخزوناتها.
إلا أنّ هذه الاحتياطيات صُمّمت أساساً لمواجهة اضطرابات مؤقتة محدودة النطاق والمدّة، مثل تعطّل إنتاج دولة واحدة لبضعة أسابيع، وليس لسدّ فجوة واسعة في الإمدادات العالمية من النفط والغاز لفترة غير معروفة.
يُضاف إلى ذلك عامل آخر لا يستهان بتأثيره البنيوي، فجمهورية الصين الشعبية، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم وصاحبة أكبر مخزون استراتيجي يُقدّر بنحو 1.24 مليار برميل، ليست عضواً في وكالة الطاقة الدولية، ما يخلق فجوة بنيوية واضحة في منظومة التنسيق الدولي لحالات الطوارئ. وتزداد الصورة تعقيداً مع احتمال تحرّك بكين وفق حساباتها الجيوسياسية الخاصة، التي قد لا تنسجم بالضرورة مع أولويات ومصالح المعسكر الغربي، بل تتعارض معها في بعض المحطّات، ما يحدّ من فاعلية أي استجابة جماعية منسّقة.
وعليه، تبقى الاحتياطيات الاستراتيجية، رغم ضخامتها وأهميتها، أداة لامتصاص الصدمة الأولية وتهدئة الأسواق، لكنها تفتقر إلى القدرة على تجنيب العالم أزمة طاقة ممتدّة إذا استمرت الأعمال القتالية لأشهر طوال.
يمكن تصوّر ثلاثة مسارات رئيسية قد تسلكها هذه الأزمة، تختلف من حيث احتمالات تحقّقها وحجم تداعياتها على الاقتصاد العالمي:
1. السيناريو الأول: تسوية دبلوماسية
يفترض هذا المسار التوصّل إلى وقف لإطلاق النار يفضي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع إعلانات “القوة القاهرة” المرتبطة بصادرات الخليج، واستئناف تدفّق الإمدادات تدريجياً. ورغم أن هذا السيناريو هو الأمثل اقتصادياً، فإنه يبدو الأقل ترجيحاً في ظلّ تصلّب المواقف بين واشنطن وطهران، لا سيما بعد اختيار إيران قيادة جديدة تميل بوضوح إلى التصعيد والمواجهة بدلاً من التهدئة والتسوية.
2. السيناريو الثاني: حرب مع فتح جزئي للمضيق
يفترض هذا المسار استمرار العمليات العسكرية، مع تمكّن القوّات البحرية الغربية من تأمين ممرّ ملاحي محدود عبر مضيق هرمز، يسمح بمرور عدد من الناقلات تحت حماية عسكرية مشدّدة، فيما تبقى أقساط التأمين عند مستويات مرتفعة تثقل كلفة الشحن. وبموجب هذا السيناريو، يُرجّح أن تستقرّ أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل مع تقلّبات حادّة ومتكرّرة، في وقت يُعاد فيه توجيه جزء من مسارات تجارة النفط عبر خطوط أنابيب وموانئ بديلة حيثما تتيح البنية التحتية ذلك، رغم بقائها عرضة لمخاطر أخرى كما سبق وذكرنا. كما يُتوقّع أن تسهم خطوط الأنابيب البديلة، بما في ذلك “أدكوب” في الإمارات ونظام “أبقيق–ينبع” (خط الشرق–الغرب “بترولاين”) في السعودية، في تعويض جزء من الاضطرابات تدريجياً مع مرور الوقت، وإن بصورة جزئية.Top of FormBottom of Form
3. السيناريو الثالث: تصعيد شامل
يفترض هذا السيناريو، وهو الأكثر قتامة، تبادلاً ممنهجاً للضربات يستهدف البنية التحتية للطاقة في مختلف أنحاء المنطقة، بالتزامن مع إغلاق شبه كامل وطويل الأمد لمضيق هرمز. وسيجبر ذلك الدول المستوردة على البحث المحموم عن بدائل من مناطق إنتاج أخرى، مثل الجزائر وليبيا وروسيا وأميركا الجنوبية وغرب أفريقيا، وهي بدائل ذات قدرة استيعابية محدودة وتكاليف لوجستية مرتفعة، ولا يمكنها مجتمعة سدّ الفجوة التي يخلّفها انقطاع إمدادات الخليج.
في مختلف السيناريوهات المطروحة أعلاه، يتضح أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة من عدم اليقين في أسواق الطاقة لم يشهد لها مثيلاً منذ عقود. ومن المرجّح أن تتوزع كلفة هذه المرحلة الاستثنائية على عدد من المحاور المترابطة، بدءًا من تسارع حاد في معدلات التضخم الاستهلاكي عالمياً مع انتقال أثر ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات كافة، وصولاً إلى تباطؤ ملحوظ في وتيرة النموّ الاقتصادي، لا سيما في الاقتصادات المعتمدة بشكل كبير على واردات الطاقة مثل دول جنوب وشرق آسيا وأجزاء واسعة من أوروبا، إلى جانب إعادة رسم خرائط تجارة الطاقة العالمية، بما قد يعيد تشكيل التحالفات الجيو اقتصادية وموازين القوى لعقود طويلة مقبلة.
ما يجري اليوم يتجاوز كونه أزمة أسعار عابرة أو صدمة موسمية في السوق، بل يشكّل اختباراً وجودياً حقيقياً للنظام الاقتصادي الدولي برمّته، ذلك النظام الذي قام لعقود على افتراض بدا بديهياً، وهو أن تدفّقات الطاقة ستظلّ تنساب بحريّة عبر الممرّات البحرية الحيوية بغض النظر عن رياح السياسة.
غير أن الأحداث الراهنة أثبتت أن هذا الافتراض لا يعدو كونه وهماً هشّاً، وأن شرايين الطاقة العالمية ليست بنية محايدة بمنأى عن الجغرافيا السياسية، بل خطوط إمداد مكشوفة يمكن لأي نزاع إقليمي أن يقطعها، بما يهدد بشلّ الاقتصاد المعولم برمّته.