أعادت صور الأقمار الصناعية مفتوحة المصدر رسم المشهد الأمني في المنطقة بصورة جذرية. فقد أتاحت منصّات مثل “جوجل إيرث” وبيانات الخرائط الجغرافية المنُتجة تجارياً، إمكانية حصول المنظّمات والباحثين والصحفيين والجهات غير الحكومية على أشكالٍ معينة من المعلومات الاستخباراتية كانت حكراً في السابق على الجيوش والأجهزة الأمنية. كذلك، أسهم توفّر هذه المعلومات على نطاق واسع في تمكين الجماعات المسلّحة من مراقبة البنية التحتية، وتقييم الظروف في ساحات القتال، والتأثير بالسرديات، من دون الحاجة إلى مساندة شبكات الاستخبارية التقليدية.
وفي منطقة تتداخل فيها الصراعات بين أطراف غير متكافئة وتُعتبر فيها البُنية التحتية شديدة الحساسية والكثافة، يطرح هذا التحوّل تحدياً جديداً على مستوى السياسات يتعلّق بكيفية تعامل الحكومات مع الانكشاف الاستراتيجي، الذي تجاوز مسألة منع الوصول إلى صور الأقمار الصناعية مفتوحة المصدر، وأصبح مرتبطاً بالقدرة على المراقبة والرصد.
لطالما كانت المعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر مجرّد عنصر مكمّل في عمليات التحليل الاستخباراتي، إذ اقتصرت تقليدياً على متابعة وسائل الإعلام والأبحاث الأكاديمية والوثائق الحكومية المتاحة للعامة. إلا أن التطورات المتسارعة في صور الأقمار الصناعية التجارية ومنصّات البيانات الجغرافية ووسائل النشر الرقمي، دفعت هذا النوع من الاستخبارات خلال السنوات الأخيرة ليصبح مصدراً إستراتيجياً للمعلومات ينعكس مباشرة على ديناميات الصراعات.
أصبحت صور الأقمار الصناعية التي كانت في قبضة الدول والأجهزة العسكرية سابقاً، مُتاحة تجارياً بدقّة تسمح برصد المنشآت العسكرية الثابتة، والبنى التحتية الحيوية، والتحوّل العمراني، وأنماط الدمار. ومن خلال دمج هذه الصور بأدوات المقارنة الأرشيفية وأدوات التحليل الأساسية، بات بالإمكان تتبّع التغيرات عبر الزمن من خلال المقارنة بين الصور الملتقطة في فترات مختلفة، ما يوفّر خلاصات استخباراتية منهجيّة من دون الحاجة إلى تواجد مباشر في ساحة القتال.1 هكذا، أصبحت الجهات غير الحكومية قادرة اليوم على تكوين فهم ميداني والتأثير في النظرة إلى الصراع، بالاعتماد على منظومة المصادر المفتوحة نفسها التي يستخدمها الصحفيون ومنظّمات المجتمع المدني والمراقبون الدوليون. في ظلّ هذا التحوّل، بدأ الخطّ الفاصل بين منتجي المعلومات الاستخباراتية ومُستهلكيها يتلاشى تدريجياً.
تتجلّى هذه الديناميكيات بصورة أوضح في مناطق النزاعات مثل الشرق الأوسط، حيث أسهمت الحروب الممتدة والبيئات الحضرية المكتظة والمراقبة الدولية الحثيثة، في خلق واقع تُنتج فيه صور الأقمار الصناعية باستمرار، وتُتداول على نطاق واسع، ويُطعن فيها أيضاً. وفيما عزّزت المعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر مستويات الشفافية والمساءلة وساعدت في توثيق الأذى الذي يطال المدنيين، إلا إنها زادت من انكشاف البنى التحتية العسكرية والمدنية، وقلّصت قدرة الأطراف المتحاربة في الحفاظ على فجوة معلوماتية تمنحها أفضلية في بيئات الصراع.2
يتزايد اعتماد الجماعات المسلّحة غير الحكومية في الشرق الأوسط على المعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر في عملياتها العسكرية والسياسية. فبدلاً من الارتكاز إلى أنظمة استخبارات تابعة للدول، تلجأ هذه الجهات إلى هذا النوع من المعلومات بصورة انتقائية لتعويض محدودية مواردها وتقليص المخاطر العملياتية والتأثير في النظرة إلى الصراع. وعلى امتداد ساحات النزاع المتعدّدة، برزت أربعة استخدامات رئيسية ومتكرّرة لهذا النوع من الاستخبارات: الاستطلاع وتحديد الأهداف، التخطيط العملياتي واستخلاص الدروس من ساحة المعركة، التواصل الإستراتيجي والطعن بالسرديات، إلى جانب رصد الأوضاع الإنسانية والمدنية. وتكشف هذه الممارسات كيف تحوّلت البيانات مفتوحة المصدر إلى أداة فعّالة للتعلّم والتكيّف في بيئات الحروب غير المتكافئة.
الاستطلاع وتحديد الأهداف
أتاحت صور الأقمار الصناعية المتوفّرة للعامة رصد المنشآت الثابتة ومراقبتها عن بعد، بما يشمل القواعد العسكرية والنقاط الحدودية والموانئ والبنى التحتية للطاقة، من دون الحاجة إلى تواجد ميداني أو الاعتماد على شبكة استخبارات بشرية. وتمتاز هذه الوسيلة بقدرتها على توفير مراقبة مستمرّة بكلفة منخفضة ومخاطر محدودة مقارنة بأساليب الرصد التقليدية.
على سبيل المثال، مكّنت صور الأقمار الصناعية المتاحة للعامة في سوريا من إجراء تحليلات دقيقة للمخططات العمرانية وشبكات النقل والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، إضافة إلى رصد المسافات الفاصلة بين المنشآت المدنية والمواقع العسكرية. كما تسمح المقارنة بين الصور الملتقطة في فترات زمنية مختلفة بكشف أنماط الدمار وإعادة الإعمار والتحوّلات المكانية، بما يوفّر معطيات مهمّة لتحليل الصراع والتكيّف العملياتي.3
كان الحال مشابهاً في العراق أيضاً بعد عام 2014، حين استُخدمت أدوات الخرائط مفتوحة المصدر لإعداد تحليلات مكانية مفصّلة لحجم الدمار في المدن وتأثيراته على البنى التحتية. وتُظهر هذه الأساليب المتاحة للعامة حجم المعلومات الجغرافية التي يمكن للجهات غير الحكومية استغلالها لتعزيز كفاءتها العملياتية.4
الأهمّ أن هذا النوع من الاستطلاع لا يحتاج بالضرورة إلى صور آنية أو تحديثات مباشرة. فحتى بيانات الأقمار الصناعية التي تُحدَّث دورياً قد توفّر معلومات كافية لدعم قرارات الاستهداف، خصوصاً في البيئات شبه الثابتة مثل البنى التحتية والموانئ ومنشآت الطاقة والقواعد العسكرية. بالتالي، لم تعد الأنشطة المعتمدة على المعلومات الاستخباراتية حكراً على الجهات التي تمتلك إمكانية الوصول إلى الأنظمة السريّة.
التخطيط العملياتي واستخلاص الدروس
بالإضافة إلى إتاحة معلومات من الاستطلاعات الأولية، تدعم المعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر التعلّم العملياتي أيضاً، إذ تستخدمها الجهات غير الحكومية لتحليل التضاريس والكثافة العمرانية والتغيّرات في البنى التحتية عبر الزمن، بما يساعدها على اتخاذ القرارات التكتيكية.
فمن خلال مقارنة الصور والبيانات الجغرافية المكانية الملتقطة في فترات مختلفة، تستطيع هذه الجهات رصد التغيرات في نشاط البنى التحتية ومسارات النقل والأنماط المكانية المرتبطة بالصراع، من دون الحاجة إلى الوصول إلى معلومات استخباراتية سريّة.5 ويسهم هذا الاستخدام التفاعلي للمعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر في تسريع تقييم المعلومات ويدعم التكيّف العملياتي داخل بيئات النزاع المتغيّرة.6
في العراق، أتاحت التقييمات المعتمدة على صور الأقمار الصناعية لمدينة الموصل إجراء تحليلات دقيقة للأضرار التي لحقت بالبنى التحتية وحجم الدمار العمراني والتحوّلات المكانية المرتبطة بالصراع بمرور الوقت. وتُبرز هذه التقييمات مدى قدرة التحليل الجغرافي المكاني مفتوح المصدر على دعم مراقبة النزاعات وفهم التطورات العملياتية، من دون الاعتماد على معلومات استخباراتية سرّية.7
التواصل الإستراتيجي والطعن بالسرديات
أصبحت صور الأقمار الصناعية أداة محورية في جهود التواصل الإستراتيجي التي تعتمدها الجماعات المسلّحة غير الحكومية. فالأدلة البصرية تعزّز المصداقية، من دون الحاجة إلى الكشف عن مصادر حسّاسة. وبهذا، لم يعد دور المعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر مقتصراً على الأغراض العسكرية، بل باتت تضطلع أيضاً بأدوار سياسية ونفسية مؤثّرة.
في لبنان، دخلت صور الأقمار الصناعية المتاحة للعامة إلى المشهد الإعلامي عبر التغطيات الصحفية الدولية في الدرجة الأولى، وأسهمت في التأثير بنظرة الرأي العام إلى النزاع. فعلى سبيل المثال، استخدمت وكالة “رويترز” صوراً تجارية وفّرتها شركة “بلانيت لابز” لتوثيق الدمار الواسع في جنوب لبنان عقب العمليات العسكرية الإسرائيلية.8
وفي فلسطين، استُخدمت صور الأقمار الصناعية لتوثيق حجم الدمار في قطاع غزة، إذ أظهرت تحليلات صادرة عن جهات مثل “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” و”مركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية” مستويات واسعة من الدمار. وأسهمت هذه المعطيات في دعم النقاشات حول الأضرار التي لحقت بالمدنيين واستخدام إسرائيل للقوّة المفرطة.9
تعكس هذه الممارسات تحوّلاً في ممارسة النفوذ السردي في الحروب الحديثة. فالتواصل الاستراتيجي لم يعد يعتمد السيطرة الحصرية على المعلومات الاستخباراتية، بل على القدرة في التعامل مع منظومات تشكّلها البيانات مفتوحة المصدر، وتحليلها، وإيصال الرسائل من خلالها.
لعلّ أبرز الإشكاليات المرتبطة باستخدام الجهات غير الحكومية للمعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر تكمن في طبيعتها مزدوجة الاستخدام داخل البيئات المدنية والإنسانية. فصور الأقمار الصناعية وأدوات المعلومات الجغرافية المكانية مفتوحة المصدر تُستعمل بشكل متزايد لرصد حركة السكان، والممرّات الإنسانية، وطرق توزيع المساعدات والأضرار اللاحقة بالمناطق المدنية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: التعاون في غزة بين مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وبرنامج الأمم المتحدة للأقمار الصناعية لرسم خرائط الأضرار التي لحقت بالمنشآت المدنية باستخدام صور الأقمار الصناعية بهدف تقييم الدعم الإنساني المطلوب، وتقدير حجم النزوح، وإطلاق النداءات لحماية المدنيين.10 وبينما يمكن لهذا النوع من الرصد أن يدعم جهود التوثيق والمناصرة، فإنه قد يُستغل أيضاً لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية.
فقد تتمكّن الجهات غير الحكومية من تحليل أنماط الكثافة المدنية، وتقييم الأضرار عقِب الغارات الجوية، أو الاطلاع على طرق وصول المساعدات الإنسانية لاستنتاج المعلومات حول التدفقات اللوجستية والظروف الأمنية. ومن شأن هذه المعلومات أن تؤثّر على القرارات التكتيكية المتعلقة بتوقيت العمليات أو مواقعها.
في الوقت نفسه، يهدّد تقييد الوصول إلى صور الأقمار الصناعية بتقويض مبادئ الشفافية والتحقّق المستقلّ، بينما الوصول غير المقيّد إلى هذه الصور قد يتسبب من دون قصد في انكشاف البنية التحتية المدنية الهشّة والعمليات الإنسانية. وتبرز ضبابية الحدود بين التوثيق الإنساني والاستخدامات العسكرية أهمية وضع أطر حوكمة تراعي المحتوى بدلاً من فرض قيود شاملة.
تتضافر هذه الأنماط لتبيّن كيف تستفيد الجماعات المسلّحة غير الحكومية من المعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر لمضاعفة قوّتها، حيث توظّفها من أجل التعلّم والتكيّف والطعن في السرديات مع مرور الوقت. ولا تتلخّص الأهمية الاستراتيجية للمعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر في مزايا الاستهداف الفوري بقدر ما تكمن في قدرتها على الحدّ من عدم اليقين، وتسريع التكيّف، وردم اختلالات حيازة المعلومات في النزاعات الطويلة.
تسارعت وتيرة الاستخدام الإستراتيجي للمعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر من قِبَل الجهات غير الحكومية حتى تجاوزت أطر السياسات المصممّة لإدارة المخاطر الأمنية على مستوى العالم، ولا سيما في الشرق الأوسط. ولا تقتصر ثغرات الحوكمة الحاليّة على الجانب النظري، بل تجدها بارزة بوضوح في كيفية تعامل الدول والهيئات الإقليمية والمزوّدين التجاريين مع صور الأقمار الصناعية مفتوحة المصدر عند نشوب النزاعات.
على الصعيد الوطني، لا تزال المؤسسات المعنيّة بالدفاع ومكافحة الإرهاب تركّز جهودها على إدارة المعلومات الاستخباراتية المصنّفة وجمعها بشكل سرّي. أما صور الأقمار الصناعية مفتوحة المصدر التي يمكن الاستحصال عليها بالطرق القانونية عبر القنوات التجارية، فتقع في الغالب خارج هذه الأطر. ونتيجة لذلك، غالباً ما يبقى الاهتمام بالمخاطر المرتبطة بانكشاف البنية التحتية واطّلاع الخصوم عليها ثانوياً. وبالتركيز على التقييمات العامة المتكرّرة للأضرار التي لحقت بالمواقع الثابتة في سوريا والعراق وغزة يظهر كيف يمكن رصد أنماط الدمار وإعادة الإعمار ومقارنتها بمرور الوقت من خلال الصور المتاحة، ما يُسلّط الضوء على مستوى من الانكشاف غالباً ما لا يُدمج بشكل منهجي في التقييم الوطني لتكيّف الجهات غير الحكومية.11
على الصعيد الإقليمي، يؤدي غياب المقاربات المنسّقة إلى تفاقم الانكشاف. ومع أن البنية التحتية الحيوية، كمنشآت الطاقة والموانئ وممرّات الشحن، غالباً ما تخدم مجموعةً من الدول أو الأسواق الإقليمية، لا توجد آليات إقليمية مشتركة معلَنة لتقييم الثغرات الأمنية المتعلقة بالمعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر أو إدارة حساسية المعلومات في أوقات الأزمات. فعلى سبيل المثال، بُعيد الهجوم على منشأة بقيق التابعة لشركة أرامكو السعودية في العام 2019، تم تداول صور الأقمار الصناعية التجارية بسرعة لتقييم الأضرار والأثر العملياتي، مما يُظهر كيف تمكّن الرؤية الجغرافية المكانية المفتوحة من فهم الأزمات في الوقت الفعلي، حتى مع بقاء البروتوكولات الإقليمية المتعلّقة بحساسية المعلومات غير مُنظّمة.12
عادةً ما تتخذ الجهات المزوِّدة بالصور قراراتها المتعلقة بدقّة الوضوح، ووتيرة التحديث، والوصول إلى الأرشيف، والتعامل مع الأزمات، من دون التشاور مع الجهات الأمنية الإقليمية المعنية. وفي حين اختارت بعض هذه الجهات فرض قيود في حالات مُحدّدة، مثل شركة “بلانيت لابز” التي قيّدت وصول وكالات الأنباء إلى صور عالية الدقة لقطاع غزة لما تحويه من معلومات حسّاسة حول العمليات العسكرية، فإن غياب البروتوكولات الموحدّة يُبقي الدول والمحللين في حالة رد الفعل خلال فترات التصعيد.13
لقد صُمّمت أُطر مكافحة الإرهاب الحالية لتناسب عصر أنظمة الاستخبارات المغلقة، ولكنها غير ملائمة لمواجهة التهديدات الناشئة عن بيئات المصادر المفتوحة القانونية. إذ يسمح هذا التباين باستمرار الممارسات القائمة على المعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر دون معالجة تُذكر، وذلك على الرغم من أثرها العميق على إعادة تشكيل مفاهيم الردع وحماية المدنيين وأمن البنية التحتية.
إنّ تزايد استخدام صور الأقمار الصناعية مفتوحة المصدر من قبل جهات غير حكومية لا يستوجب فرض قيود واسعة النطاق على الوصول إلى المعلومات. ومن غير المرجّح أصلاً أن تنجح محاولات تنظيم توافر هذه الصور في بيئة دوليّة تعمل فيها الشركات التجارية عبر سلطات قضائية متعدّدة. بالتالي، الأجدى بحكومات الشرق الأوسط أن تتخلّى عن محاولة السيطرة على تدفّق البيانات المفتوحة، والتركيز على تقليل انكشافها الاستراتيجي، والتعاون مع مزوّدي خدمات الأقمار الصناعية التجارية عبر القنوات التنظيمية والدبلوماسية والاقتصادية القائمة للتشجيع على استخدام الصور بقدرٍ أكبر من المسؤولية.
تتمثل الخطوة الأولى في التسليم بأن الصور المتاحة تجارياً باتت جزءاً من البيئة العملياتية المعاصرة. وعليه، ينبغي للحكومات تضمين تقييمات الانكشاف أمام المعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر في خططها الأمنية. كما ينبغي للسلطات المعنية بالدفاع والأمن الداخلي والبنية التحتية الحيوية تقييم كيف تظهر المواقع الرئيسية، بما في ذلك المنشآت العسكرية ومرافق الطاقة والموانئ ومراكز النقل وممرات الخدمات اللوجستية، في صور الأقمار الصناعية التجارية، وكيف يمكن أن يتعلّم منها الخصوم بمرور الوقت. وينبغي الاسترشاد بهذه التقييمات عند اتخاذ القرارات المتعلّقة بالتحصين والبدائل الاحتياطية والتصميم المكاني والممارسات العملياتية. وبناءً عليه، تصبح القدرة على الصمود أقلّ اعتماداً على مبدأ السرية، وأكثر ارتكازاً على التصميمات التي تُخفّض من القيمة الإستراتيجية للأهداف المرئية.
ثانياً، على الرغم من أن التنافس بين القوى الإقليمية يُعقّد جهود التنسيق بين دول الشرق الأوسط، فإنّ عدداً من دول المنطقة تحافظ على شراكات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. توفّر هذه العلاقات الدفاعية والأمنية القائمة قنوات عملية لمناقشة المخاطر المرتبطة بصور الأقمار الصناعية مفتوحة المصدر وانكشاف البنية التحتية الحساسة. وبدلاً من إنشاء آليات إقليمية جديدة، يمكن للحكومات استخدام أُطر التعاون الأمني القائمة لتشارك أفضل الممارسات وتنسيق المقاربات في فترات التصعيد.
أخيراً، تتمتّع حكومات الشرق الأوسط، ولا سيما دول الخليج، بنفوذ تنظيمي واقتصادي كبير يمكّنها من التأثير على كيفية عمل مُزوّدي الصور التجارية في المنطقة. وقد أنشأت بالفعل بعض تلك الدول وكالات فضاء وطنية، وهيئات تنظيم للاتصالات، أو أنظمة ترخيص ترعى خدمات تأمين البيانات الجغرافية المكانية وخدمات الأقمار الصناعية. تُوفّر هذه الأُطر التنظيمية القائمة آليات تُمكّن الحكومات من التواصل مباشرةً مع المُزوّدين التجاريين ووضع شروط لعملها في الأسواق المحلية. وقد يشمل ذلك وضع بروتوكولات طوعية بشأن وتيرة تحديث الصور، والوصول إلى الأرشيف، وكيفية التعامل مع البنية التحتية الحسّاسة في فترات الأزمات. ولأن المنطقة تمثّل سوقاً مهمة لصور الأقمار الصناعية والخدمات الجغرافية المكانية، يمكن للحكومات استخدام متطلبات الترخيص وعلاقات الشراء لتشجيع الممارسات المسؤولة من دون فرض قيود شاملة على البيانات مفتوحة المصدر.
أصبحت المعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر سمةً دائمةً في بيئة الصراع في الشرق الأوسط، فهي تعيد تشكيل كيف تتعلّم الجهات غير الحكومية وتتكيّف وتتواصل بمرور الوقت. وفي هذا السياق، لم يعد الخيار السياسي محصوراً بين الانفتاح والسيطرة، بل بين الانكشاف غير المُدار والتكيّف الإستراتيجي. وبالتالي، فإن التعامل مع المعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر كقضية هامشية أو مدفوعة إعلامياً يعرّض الدول لمخاطر متعدّدة. ومن خلال دمج الانكشاف أمام المعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر في تخطيط البنية التحتية، وإخضاع الممارسات الأمنية لمراقبة مفتوحة مستمرّة، وإشراك مزودي الصور التجارية عبر القنوات التنظيمية والدبلوماسية القائمة، تستطيع الحكومات الحدّ من مخاطر الانكشاف أمام المعلومات من المصادر المفتوحة دون المساس بمبدأ الشفافية أو المساءلة الإنسانية.