أعلام معروضة في حفل افتتاح الاجتماع السنوي الثامن لبنك التنمية الجديد في شنغهاي في 30 مايو 2023. (وكالة فرانس برس)

توسيع مجموعة البريكس وانعكاسه على التنمية العالمية

لقد أضافت مجموعة البريكس 5 بلدان جديدة 4 منها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويبقى السؤال ما إذا كانت سترتقي إلى تطلعاتها لإعادة تشكيل التنمية العالمية؟

25 يناير، 2024
روبرت بيشيل

في مطلع هذا العام، وسّعت مجموعة البريكس، والتي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، نطاق عضويتها ليشمل خمس دول جديدة، أربع منها من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتتمتّع هذه المجموعة الموسّعة، كونها تكتّلاً عالمياً وغير تقليدي مؤلّفاً ممّا عُرِفَ سابقاً بـ”الدول النامية”، بنفوذٍ اقتصادي هائل ويمكنه، من حيث المبدأ، التأثير بشكلٍ كبير في كيفية إدارة التنمية العالمية في المستقبل. ولكن هل ستقوم المجموعة بذلك فعلاً؟

 

بعد ضمّ المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران ومصر -بالإضافة إلى أثيوبيا- إلى البريكس، أصبحت هذه المجموعة تضم 28 في المئة من الاقتصاد العالمي مع إجمالي ناتج محلّي بقيمة 28,6 تريليون دولار، بالإضافة إلى 45 في المئة من سكان العالم. الجدير بالذكر أنّه بإمكان الأعضاء الجُدد تأدية دور مهم في عمل مؤسستي البريكس اللتين أُنشئتا في العام 2015 -أي “بنك التنمية الجديد” و”اتفاق احتياطي الطوارئ”- واللتين تهدفان إلى توفير بدائل عن المؤسّات الغربية المتعدّدة الأطراف على غرار البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لدى تأسيسهما، بشّر أنصارهما بحقبةٍ جديدة من التنمية. واعتبر البعض هذه الخطوة بمثابة لحظة تحرير، إذ تتيح للدول النامية التحرّر من قبضة القوى الاستعمارية السابقة أو المصالح السياسية والاقتصادية الغربية. أمّا البعض الآخر، فرأى في ذلك جهداً مفيداً لإعادة إرساء التوازن في إدارة المؤسسات المالية الدولية، التي فشلت هياكلها في مواكبة توسّع الجنوب العالمي.

 

كانت الجحة آنذاك بأنّ بنك التنمية الجديد سيكون أصغر وأسرع وأكثر استجابةً لأعضائه. من هذا المنطلق، اتّخذ لنفسه مكانة فريدة بصفته مؤسّسة “أنشأتها دولٌ أكثر تقدّماً من الناحية الاقتصادية من أجل دول أكثر تقدماً من الناحية الاقتصادية”. غير أنّ الواقع خيّب الآمال حتى الآن. فقد أقرض بنك التنمية الجديد 32 مليار دولار لـ96 مشروعاً منذ إنشائه حتى اليوم، في حين أنّ البنك الدولي أقرض أكثر من ثلاثة أضعاف هذا المبلغ في العام 2021 وحده.

 

بالإضافة إلى ذلك، لم يُستخدَم اتفاق احتياطي الطوارئ حتى الآن وبالكاد ذُكر في البيان المنبثق عن قمة البريكس التي انعقدت في جوهانسبرغ في أغسطس 2023. بيد أنّ الوعد بانضمام أعضاء جُدد، من ضمنهم دول غنيّة بالسيولة النقديّة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، عزّز فرص تحسين بنك التنمية الجديد واتفاق احتياطي الطوارئ أدائهما في نهاية المطاف بحيث يُصبحان لاعبين أكثر أهمية على صعيد التنمية العالمية.

 

تعتمد فرص حدوث ذلك فعلياً على سؤالين مهمَّين ومتداخلَين: ماذا سيفعل هذان الكيانان وكيف؟ في ما يتعلّق بـ”ماذا” أو بالسؤال الموضوعي، ليست محفظة بنك التنمية الجديد بالهامة. صحيحٌ أنّ تركيزها على ستة مجالات تحت مظلّة البنى التحتيّة والتنمية المستدامة- من طاقة نظيفة وفعاليّة الطاقة، وبنى تحتية للنقل، ومياه وصرف صحي، وحماية بيئية، وبنى تحتية اجتماعية وبنى تحتية رقمية- مفيدٌ، إلّا أنّه شائعٌ أيضاً بين المصارف الإنمائية المتعدّدة الأطراف. بالفعل، ينشط عددٌ كبير من هذه المصارف في هذا المجال، ما يُضفي المزيد من التجربة والخبرة والرأسمال إلى حدّ بعيد -أقلّه لغاية الآن. على سبيل المثال، بين عامي 2016 و2021، سخّر برنامج البنك الدولي المعروف بشراكة التنمية الرقمية رافعةً تمويليّة بقيمة 10,7 مليار دولار في التسهيلات الائتمانية باتجاه تكنولوجيا المعلومات في أكثر من 80 دولة. وقد تمحور اهتمامُ البنك الدولي حول مجموعةٍ من الخدمات والتطبيقات الرقميّة، على غرار توسيع شبكة الإنترنت الجوال ذات النطاق العريض، وتحويل أنظمة الحكومة إلى السحابة (الكلاود)، والأمن الإلكتروني، وسلسلةٍ واسعة من التطبيقات المحدّدة لقطاعات معيّنة تتراوح بين الصحة والتعليم إلى وسائل النقل المُدني. في المقابل، أقرض بنك التنمية الجديد 300 مليون دولار لمشروعٍ واحد في خلال تلك الفترة، على شكل قرضٍ غير سيادي بغية دعم توسيع شبكة الخلوي والخدمات السحابية في روسيا.

 

تتمتّع بلدان البريكس، مثل الصين والهند وروسيا، بخبرةٍ عالمية في مجال التنمية الرقمية، وقد يتوقّع المرء أن يزيد انخراطها في هذا المجال. لكن من الصعب تصوّر بنك التنمية الجديد كأكثر من لاعبٍ متخصّص في عدد من القطاعات التي اختارها في العقد المقبل أو لأأكثر، بحيث يستلم مشاريع من مانحين آخرين قرّروا تمريرها أو حُظّر عليهم دعمها بسبب الضمانات أو لأسباب أخرى. تتمتّع المؤسّسات القائمة بوجودٍ عالمي أكبر وبميزةٍ متأصّلة كونها قادرة على تجميع المعارف ونشرها على مجموعةٍ أوسع بكثير من الدول والأنظمة الاقتصادية والتقاليد الإدارية.

 

ويبرز استثناء محتمل وحيد يتمثّل بالتمويل المتعلّق بتغيّر المناخ، وهو مجال تكثر فيه الحاجات وتقلّ مساهمات المانحين الحالية. وتتراوح التقديرات بشأن الموارد الإضافية الضرورية لدعم الانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الخضراء ولجعل البنى التحتية أكثر مقاومةً لتغيّر المناخ بين 2,7 و4,5 تريليون دولار سنوياً، بينما يواجه المانحون صعوبات في الوقت الراهن لتحقيق هدف التنوّع البيولوجي COP15 القاضي بحشد 100 مليار دولار في السنة. تدعو الحاجة إلى تأمين مجموعةٍ من حلول تمويليّة إبداعيّة، بما فيها تعبئة الموارد من مصادر غير تقليديّة، وبوسع بنك التنمية الجديد تقديم مساهمة مرحّب بها وتشتدّ الحاجة إليها في هذا المجال.

 

بالإضافة إلى السؤال عن “ماذا”، يُعتبَر السؤال عن “كيف” سيُعزّز أعضاء البريكس الجُدد عمل المجموعة الإنمائي أكثر إثارة للاهتمام من نواحٍ متعدّدة. في الواقع، يمكن لتركيز بنك التنمية الجديد على جمع رساميل في الأسواق المحلية وتأمين مشاركة القطاع الخاص واستخدام الأنظمة الوطنية- إن نجح- أن يقدّم دروساً قيّمة للمصارف الإنمائية المتعدّدة الأطراف الأخرى. ومن شأن بنك التنمية الجديد أن يحشد موارد إضافية للتنميّة، وإلّا لن تُستَغلّ، وأن يساهم في سد الفجوة الكبيرة في التمويل المتعلّق بالمناخ، كما ذُكر آنفاً. لقد كان استخدام الأنظمة الوطنيّة في المشتريات والإدارة المالية لفترةٍ طويلة الهدفَ المعلن لعددٍ كبير من المنظّمات المانحة، لكن غالباً ما كان التقدّم بعيد المنال. في حال تكلّلت مجموعة البريكس بالنجاح، قد تقدّم أمثولات لسياقات أخرى وتُعطي زخماً لمقاربةٍ متمحورة حول الأنظمة الوطنية على نطاقٍ أوسع.

 

لكي يصبح بنك التنمية الجديد النموذج التشغيلي الذي يطمح أن يُجسّده، لا يزال أمامه الكثير لإنجازه. في الواقع، لقد أشارت أصوات متعدّدة إلى أنّ البنك الجديد يحتاج إلى إيلاء أهتمام أكبر إلى ضماناته الاجتماعية والبيئية بالإضافة إلى تحسين الشفافية في عملياته.

 

في نهاية المطاف، من المرجّح ألّا يرقى بنك التنمية الجديد واتفاق احتياطي الطوارئ إلى مستوى الآمال والتطلّعات المبالغ فيها التي عقدها أنصارهما. ولن تُعيد المؤسّستان توجيه الطريقة التي يتمّ بها الإقراض الإنمائي بشكلٍ جذري، ناهيك عن أن تحلّ مكان الجهات التقليديّة على غرار البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لكن بإمكانهما تأدية دور مهم في تخفيف مخاطر تغيّر المناخ وفي تبسيط عمليّة الإشراف على مشاريع التنمية وإدارتها من خلال استخدام أنظمة وطنية، ما قد يُثبت مع مرور الزمن أنّه يُشكّل مساهمةً أكثر قيمةً واستدامةً.

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: العلاقات الإقليمية، منافسة القوى العظمى
البلد: الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، مصر

المؤلف

زميل أوّل غير مقيم
روبرت بيشيل هو زميل أوّل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وهو يقدّم أيضاً استشارات بصفة مستشار أوّل حول الحوكمة وإدارة القطاع العام للبنك الدولي وعدد من الشركات الاستشارية المرموقة.   أشرف بيشيل في السابق على عمل البنك الدولي حول الحوكمة وإدارة القطاع العام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكان أيضاً رئيس… Continue reading توسيع مجموعة البريكس وانعكاسه على التنمية العالمية