غزة - أكتوبر: عناصر من كتائب عزّ الدين القسام، الجناح المسلّح لحركة حماس، يدخلون الجانب الإسرائيلي من السياج في غزة. هاني الشاعر/ وكالة الأناضول عبر وكالة فرانس برس.

تداعيات عملية «طوفان الأقصى» ستطال الجميع

لقد صدم هجومُ حماس غير المسبوق على إسرائيل العالمَ. وفي ظلّ تطوّر الأحداث، من المرجّح أن يكون له تداعيات بعيدة المدى لن يسلم منها أحدٌ.

7 أكتوبر، 2023
عمر حسن عبد الرحمن

في الصباح الباكر من السابع من أكتوبر، شنّ عشرات المقاتلين من حركة حماس هجوماً صاعقاً غير مسبوق على إسرائيل من البرّ والبحر والجوّ.

 

ليس صدفةً أن يتزامن هذا الهجوم مع الذكرى الخمسين للهجوم المباغت الذي شنّته مصر وسوريا على إسرائيل عام 1973 في يوم الغفران. فمثله، نفّذت حماس عمليتها على غفلة من إسرائيل وأجهزة استخباراتها، حيث تمكّن مسلّحون من التسلّل عبر الطوق الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، واقتحام بلدات وقواعد عسكرية إسرائيلية، بالإضافة إلى مدينة سديروت الجنوبية المحاذية للحدود. وبحسب التقارير، أُسِر عشرات الإسرائيليين، فيما أسفرت الهجمات عن مقتل أكثر من مئة شخص وإصابة المئات بجروح، بحسب أرقام وزارة الصحة الإسرائيلية. في غضون ذلك، دكّت الصواريخ التي أٌطلقت من قطاع غزة أهدافاً إسرائيلية، ملحقةً الدمار ببعض البنى التحتية. وردّت إسرائيل بشنّ غارات جويّة على القطاع أسفرت عن مقتل مئات الفلسطينيين حتى الآن، وهو رقم متوقّع أن يرتفع.

 

سجّلت هذه العملية التي نفّذها فصيل مسلّح ضدّ واحد من أعتى جيوش العالم نجاحاً تكتيكياً صدم الكثيرين وترّدت تداعياته على نطاق واسع. وستظهر آثاراه بلا شكّ سواء على صعيد الأرواح التي ستزهق فيما تردّ إسرائيل بقوّة هائلة كما هو متوقع خلال الأيام المقبلة، أو على صعيد الأطراف والمحادثات التي ستتأثّر بهذا الهجوم، والأوهام التي سيحطّمها.

 

لا شكّ في أنّ مثل هذا الهجوم الهائل ومتنوّع الوسائل استغرق أشهراً من التخطيط من قبل حماس وأي جهة أخرى ربما ساعدتها، وتطلّب قدراً عالياً من التفاني والسريّة نظراً لامتلاك إسرائيل شبكة تجسّس ضخمة ضمن الأراضي الفلسطينية. فهو بالتالي يمثّل حتماً فشلاً استخباراتياً فاضحاً سيهزّ الأسس الأمنية الإسرائيلية.

 

ربما يُعزى هذا الإخفاق بجزء منه إلى الأزمة السياسية المستمرّة منذ عشرة أشهر في إسرائيل، بعد أن تسبّبت حزمة الإصلاحات القضائيّة التي وضعتها الحكومة الحاليّة بموجة من التظاهرات المتواصلة امتدّت إلى كافة أرجاء الدولة، واستحوذت على اهتمام بالغ من كافة مكوّنات المجتمع الإسرائيلي، بما فيه الجيش، حيث رفض كثير من جنود الاحتياط الالتحاق بالخدمة على الرغم من التحذيرات من مغبة ذلك على الجهوزيّة الأمنيّة لإسرائيل.

 

إلّا أنّ العامل الأساسي الذي أوصلنا إلى هذه اللحظة فهو الظلم المستمرّ الواقع على الفلسطينيين وحالة اليأس التي بلغوها بعد أن داست إسرائيل على كلّ بصيص أمل بإنهاء احتلالها القائم منذ نصف قرن عبر الوسائل الدبلوماسية. فقد تخلّت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عن مسرحية التفاوض حول إنشاء دولة فلسطينية، حتى أنّها أعلنت صراحةً عزمها حكم الفلسطينيين إلى ما لا نهاية، مع استمرار حرمانهم من حقوقهم الأساسية وحريتهم. ولا يقتصر هذا الواقع على قطاع غزة حيث يعيش أكثر من مليونيّ فلسطيني تحت الحصار منذ 15 سنة في أكبر سجن مفتوح في العالم، ولكن أيضاً في الضفة الغربية، حيث يعيش 3 ملايين فلسطيني في 167 كانتون محاصر، في أوضح تجسيد لنظام الفصل العنصري. ومع ازدياد حالة اليأس في ظلّ تدهور الأوضاع المعيشيّة، زادت إسرائيل منسوب العنف المستخدم ضد الفلسطينيين إلى مستويات لم تُسجّل منذ الانتفاضة الثانية قبل عقدين.

 

في غضون ذلك، استفحل النشاط الاستيطاني الذي يقوده اليهود المتطرّفون في الضفة الغربية، حيث واصلوا مصادرة المزيد من الأراضي والتعدّي على القرويين الفلسطينيين الغزّل وقراهم. وقد ترافق ذلك مع عزل القدس الشرقية عن باقي الأراضي المحتلّة، والطرد الممنهج لسكّانها الفلسطينيين في إطار خطة تهويد القدس، فيما وضع المتطرّفون اليهود الأماكن الأكثر قدسيةً لدى الفلسطينيين نصب أعينهم. حتى أنّ حركة حماس نفسها أعلنت أن عمليتها الأخيرة جاءت ردّاً على الاستفزازات في محيط المسجد الأقصى الذي كان مسرحاً لأعمال استفزازيّة مكثّفة على مدى السنوات الماضية، آخرها قبل يومين فقط حين اقتحم 800 مستوطن يهودي باحات المسجد الأقصى تحت حماية القوات الإسرائيلية.

 

بعبارة أخرى، لم يكن هناك ما يلوح في أفق الفلسطينيين إلّا المزيد من الأسى والخسارة. مع ذلك، لم يتخذ المجتمع الدولي أي إجراء للحدّ من معاناتهم. وفي حين تحوّلت أعمال العنف في قطاع غزة إلى حدث متكرّر يستقطب اهتمام العالم مؤقتاً، لم يصدر عن الغرب أيّ ردّ فعل غير تأييد حقّ جيش الاحتلال “بالدفاع عن نفسه” في وجه السكّان الذين يخضعهم لاحتلاله.

 

لا عجب إذاً أن تكرّر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معزوفتهما المعهودة بتأييد إسرائيل وإدانة حماس، من دون أدنى ذكر لاستحالة العيش في قطاع غزة والحصار الدائم وحرمان السكان من حقوقهم الشرعية، غير آبهين بازدواجية المعايير بالمقارنة مع الدعم الغربي لأوكرانيا في وجه الغزو والاحتلال الروسي، وضاربين بعرض الحائط حق الفلسطينيين بتقرير المصير الذي يكمن في صلب هذه القضية.

 

ربما تأمل قيادة حماس أن تدقّ عمليتها الضخمة – أو الحرب على حدّ تعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو – جرس الإنذار لكسر الوضع الراهن المترسّخ. وعلى الرغم من صعوبة توقّع ما سيجري في المستقبل، عدا حتمية أن تنفّذ إسرائيل على عادتها ردّة فعل عسكرية هوجاء قد تشمل أيضاً اجتياحاً برياً لقطاع غزة، فالواضح أنّ التداعيات ستطال الجميع من دون أيّ استثناء.

 

لا شكّ في أنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية ستتعرّض لوابل من الانتقادات لإخفاقها في كشف هجوم حماس، ولكن أيضاً بسبب الانقسام الحاد الذي تسبّبت به سياساتها. فلن يكون مفاجئاً إذا ما انهارت الحكومة في نهاية المطاف على الرغم من تصميم الأحزاب المشاركة فيها على البقاء في السلطة بأيّ ثمن. أمّا أسر حماس لعدد كبير من الإسرائيليين، فيعني أنّ تبعات ما حصل ستستمرّ إلى ما هو أبعد من أي عدوان على قطاع غزة. وسيؤثّر ذلك على الأرجح في الحركة الاحتجاجية في الداخل الإسرائيلي، حيث سيضطر الإسرائيليون للتوقف عن التناحر الداخلي ولو مؤقتاً والالتئام من أجل الدفاع عن دولتهم. في الوقت نفسه، قد يستشرس المستوطنون المتطرّفون أكثر في هجماتهم ضدّ المدنيين الفلسطينيين الذين يكادون لا يحظون بأي حماية، ما يهدّد بتمدّد الأزمة إلى بقية أنحاء البلاد، كما حصل في أبريل ومايو 2021، وقد ينضمّ الفلسطينيون في الداخل الإسرائيلي إلى الحراك، ما يعني الانزلاق إلى اضطرابات شاملة.

 

في ما خصّ موازين القوى على صعيد السياسة الداخلية الفلسطينية، فإنّ هجوم حماس سيزيد من عزلة السلطة الفلسطينيّة التي تهيمن عليها حركة فتح التي تواجه أصلاً أزمة شرعية وانخفاضاً كبيراً في مستوى التأييد الشعبي. ينظر الكثير من الفلسطينيين إلى السلطة كسلاح بيد إسرائيل تستخدمه في قمع حركة المقاومة الفلسطينيّة، بدون أن تفعل هذه السلطة شيئاً لحماية المدنيين من الاعتداءات الإسرائيلية. وفي حين تحصد حماس تأييدها من نشاطها المقاوم في وجه إسرائيل، فإنّ الهجوم الذي لم يشهد له الفلسطينيون مثيل منذ الستينات أو السبعينات في عزّ الكفاح المسلّح، سيعزّز دون أدنى شكّ من مكانة حماس على المدى القصير، بالأخصّ مع توجّه الرأي العام الفلسطيني نحو تأييد معسكر المقاومة. فبحسب آخر استطلاعات الرأي، تؤيّد أغلبية ضئيلة من الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة العودة إلى الانتفاضة المسلّحة والمواجهة، 64 في المئة منهم في قطاع غزة و47 في المئة في الضفة الغربيّة. ولكن في حال توسّعت الاضطرابات، فقد يعني ذلك إنهاء النظام السياسي القائم، وربما حتى نهاية السلطة الفلسطينيّة.

 

عدا عن الفلسطينيين والإسرائيليين، فإنّ الحرب قد تنعكس أيضاً على مسار مفاوضات تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. وكانت وزارة الخارجيّة السعودية أصدرت بياناً دعت فيه إلى “الوقف الفوري للتصعيد بين الجانبين”، محمّلة مسؤوليّة ما جرى إلى “استمرار الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة وتكرار الاستفزازات الممنهجة ضدّ مقدساته”. ولكن بعد النجاح الذي حقّقه فصيل فلسطيني مسلّح في تنفيذ عملية لم تشهد لها الدول العربية مثيلاً منذ السبعينات استقطبت أنظار العالم بأسره، سيتوجّب على الرياض التريّث للنظر في ما إذا كانت فعلاً مستعدّة للسير في الاتجاه المعاكس، والترحيب بحكومة إسرائيليّة تسعى علناً للقضاء على القضيّة الفلسطينيّة وتعزيز نظام الفصل العنصري. وعلى الأرجح أنّ ما جرى يشكّل تذكيراً للسعودية بأنّ القضية الفلسطينية لا تزال عالقة، لا بل تستمر في التدهور، وأيّ تطبيع للعلاقات مع إسرائيل سيكون على مسؤوليتها.

 

ولعلّ المفعول الأكبر لهجوم حماس هو إطاحته بالاعتقاد السائد سواء لدى إسرائيل أو الجهات الأخرى أنّ بالإمكان احتجاز الشعب الفلسطيني في أوضاع لا تُطاق وتجاهله إلى الأبد. فالإستراتيجيّة الواضحة الوحيدة التي تتبعها إسرائيل بغضّ النظر عن مدة تأييدها من الأطراف الأخرى، تقوم على مواصلة عمليات الاستيطان وضمّ المزيد من الأراضي الفلسطينيّة والقضاء على التطلعات السياسيّة الفلسطينية. إنّ سياسات الحكومة اليمينيّة المتطرّفة الصارمة لا تترك للمؤسسّة الأمنيّة الإسرائيليّة أيّ خيار سوء تطبيق سياسة الاحتواء للتعامل مع المقاومة الفلسطينيّة من دون أي توقعات بأن تحلّ السلطة السياسيّة المشكلات العالقة. إلّا أنّ سجن شعب بأسره خلف الجدران والحواجز لن ينفع في تلبية احتياجاتهم، بل سيزيد مظالمهم وأوضاعهم سوءاً. وسيفاقم ذلك حالة عدم الاستقرار والعنف الذي سيتجلّى بطرق جديدة لم نشهد مثلها من قبل.

 

وليست عملية «طوفان الأقصى» الأخيرة إلّا مثالاً على ذلك، ولا شكّ أنّ عواقبها ستكون وخيمة.

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: الاحتجاجات والثورات، الحرب الأهلية، السياسة الأمريكية الخارجية
البلد: إيران، المملكة العربية السعودية، فلسطين، فلسطين-إسرائيل

المؤلف

عمر حسن عبد الرحمن هو زميل في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، حيث يركّز على فلسطين وجيوسياسيات الشرق الأوسط  والسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة. وهو محرّر أفكار، المدونة الالكترونية الصادرة عن المجلس لمعالجة التطورات الإقليمية وأهم القضايا التي تهمّ المنطقة.   كان سابقاً زميلاً غير مقيم في معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس في هيوستن.… Continue reading تداعيات عملية «طوفان الأقصى» ستطال الجميع