لا شكّ أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية دفعت منطقة الخليج إلى حقبة جديدة من الصراع والتشظّي، ما حفّز العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم آليات الدفاع عن نفسها وتحقيق الاستقرار الإقليمي في ظل تهديدات غير مسبوقة لأمنها القومي. وعلى الرغم من هشاشة اتفاقات وقف إطلاق النار في إيران ولبنان، لا تزال المنطقة على حافة التصعيد، مع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في المجال البحري، ولا سيما في مضيق هرمز، بالتوازي مع تواصل الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان. وتبقى هذه التطورات مصدر تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي وللاقتصاد العالمي.
من المرجّح أن تتّجه الدول الخليجية إلى زيادة إنفاقها العسكري وتعزيز شراكاتها الأمنية في المرحلة المقبلة، لكنها في الوقت نفسه ستسعى إلى فهم طبيعة القيادة الجديدة في إيران والانخراط معها لإيجاد صيغة في التعامل، تُسهم في استقرار المنطقة المشتركة. وهذا يعني أن الدبلوماسية ووساطة النزاعات ستبقيان من الركائز الأساسية في السياسة الخارجية الخليجية، خصوصاً في إدارة العلاقات مع طهران.
فخلال الشهرين الماضيين، تعرّضت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لهجمات غير مسبوقة. حيث أطلقت إيران آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة مستهدفة منشآت عسكرية وبنى تحتية حيوية للطاقة ومناطق مدنية، رداً على الهجوم العسكري الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير. واقتصر رد الدول الخليجية على الدفاع عن أراضيها، مع تجنّب الانخراط في عمليات هجومية أو الانحياز إلى الأطراف التي بادرت بالحرب. وقد عزّز هذا السيناريو أسوأ المخاوف من إيران في عدد من العواصم الخليجية، وأوقف مسار التقارب الخليجي–الإيراني الذي كان يتبلور خلال السنوات الخمس الماضية.
في هذا السياق، بلغت الثقة بين دول مجلس التعاون وإيران أدنى مستوياتها، في وقت تبدو فيه البيئة الأمنية الإقليمية قاتمة. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، إلا أن مضيق هرمز ما زال خاضعاً عملياً لحصار مزدوج من إيران والولايات المتحدة، ما يعطّل مسارات التجارة الحيوية.
كذلك، تواجه دول المجلس مسألة التعامل مع قيادة إيرانية أكثر تشدّداً وجرأة، يغلب عليها الطابع العسكري، وهي قيادة صمدت حتى الآن في مواجهة الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، وذلك بالتزامن مع الضرورة الملحّة التي تفرض نفسها على مستوى إعادة تأهيل البنى التحتية للطاقة والتجارة على نطاق واسع. ناهيك عن إقدام معظم العواصم الخليجية، باستثناء مسقط، على طرد دبلوماسيين إيرانيين وخفض مستوى العلاقات.
ومع ذلك، تزداد أهمّية الدبلوماسية في التعامل مع إيران اليوم أكثر من أي وقت مضى. فبالنسبة إلى كثير من صناع القرار في الخليج، يشكّل الجمع بين علاقات أمنية قوية مع واشنطن، والحفاظ على قناة تواصل فاعلة مع طهران ضرورة استراتيجية. وكما شدّد الكثير من المسؤولين والخبراء الخليجيين، لا تستطيع دول المجلس تغيير موقعها الجغرافي، ما يجعل التوصل إلى صيغة تعامل مع إيران أمراً حتمياً وليس خيارياً. وفي هذا السياق، أجرت معظم دول المجلس، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر وعُمان اتصالات على مستويات رفيعة مع مسؤولين إيرانيين.
ووسط عدم تمكّن المجتمعات الخليجية وصنّاع القرار من تجاوز الصدمة التي خلّفتها الهجمات الإيرانية بسهولة، إلا أنّ الانخراط الخليجي المبكر يعكس توافقاً عاماً بين دول مجلس التعاون، وذلك على الرغم من مستويات انعدام الثقة المرتفعة، ويتمحور هذا التوافق حول أهمية الحوار كضرورة لاحتواء التصعيد.
وبالطبع، لم تضطلع دول الخليج بدور الوسيط بشكل مباشر خلال تعرّضها للهجمات، إلا أنها بقيت منخرطة ومواكبة لمختلف المسارات الثنائية ومتعددة الأطراف. على سبيل المثال، شاركت السعودية بانتظام في مشاورات مع باكستان وتركيا ومصر، وهي الدول التي اضطلعت بدور الوساطة الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران خلال الحرب.
كما حافظت كل من قطر وعُمان على قنوات اتصال مباشرة مع طهران، حيث برزت مسقط كأكثر الأطراف نشاطاً، من خلال استضافة مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى والمشاركة في نقاشات تقنية بشأن بمضيق هرمز. ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، ينظر المسؤولون الإيرانيون إلى التعاون مع عُمان باعتباره «عنصراً حاسماً في التوصل إلى تسوية» بشأن المضيق. وعلى الرغم مما يثار في بعض الأوساط الخليجية من تحفظات وانتقادات حيال العلاقة الوثيقة بين مسقط وطهران، من المرجّح أن يظل الدور العُماني أساسياً في إدارة التوترات بين مجلس التعاون وإيران وخفض حدّتها في المرحلة المقبلة.
ومن أجل تعزيز فهم العلاقات الإيرانية الخليجية، نرى أن دول مجلس التعاون اتبعت تاريخياً سياسات متباينة تجاه إيران، مدفوعة بعوامل متعددة تشمل الروابط التاريخية والاقتصادية، فضلاً عن اعتبارات ديموغرافية وجيوسياسية وأيديولوجية. كما تقاطعت هذه الدول في قلقها إزاء نفوذ إيران في العالم العربي، لا سيما دعمها لمجموعات مسلّحة في اليمن ولبنان والعراق، إلى جانب برامجها الصاروخية الباليستية والنووية. ومع ذلك، وحتى في ذروة التوتر، ظلّت الدبلوماسية والوساطة مع إيران جزءاً لا غنى عنه من أدواتها السياسية.
خلال مرحلة التقارب التي سبقت الأزمة الحالية، اعتمدت دول الخليج مقاربات مختلفة تجاه إيران. وعلى الرغم من تباين مواقفها من سياسة «الضغط الأقصى» التي انتهجتها إدارة ترامب، اتجهت تدريجياً نحو مقاربة مزدوجة تجمع بين الانخراط والاحتواء، قبيل تولّي إدارة بايدن السلطة. ففي عام 2022، استأنفت كل من الإمارات والكويت علاقاتهما الكاملة مع إيران، تبعتهما السعودية في مارس 2023. وظلّت البحرين الاستثناء، على الرغم من أنها أبدت استعداداً لاستعادة العلاقات قبل تصاعد التوترات التي سبقت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025.
ومن المرجّح أن تعيد الحرب تشكيل هذه المقاربات. فالإمارات، التي كانت الهدف الرئيسي للهجمات الإيرانية طوال الحرب، تبدو الأكثر تشدداً في خطابها والأوضح رفضاً للانخراط مع طهران. وقد وصف الباحث الإماراتي عبد الخالق عبد الله إيران بأنها «العدو رقم واحد». كما اعتبر المستشار الرئاسي أنور قرقاش أن سياسة الاحتواء الإماراتية تجاه إيران «فشلت فشلاً ذريعاً»، فيما شدّد وزير الخارجية عبد الله بن زايد أن «الإمارات لن تخضع لابتزاز الإرهابيين». ومع ذلك، وبعد إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل، أجرى نائب رئيس الدولة منصور بن زايد اتصالاً هاتفياً مع رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف، في إشارة متجددة إلى أن إعادة الانخراط مع طهران تظل ضرورة عملية.
خلاصة القول إن الدول العربية الخليجية تواجه هامشاً محدوداً من الخيارات في البيئة الأمنية الراهنة. فهي مطالبة بالدفاع عن نفسها والعمل على استقرار المنطقة في ظل إدارة أمريكية متقلبة، وحكومة إسرائيلية أكثر عدوانية، وقيادة إيرانية أكثر راديكالية وعسكرة.
وفي هذا الإطار، لا مفر من توظيف مجمل أدوات القوة الصلبة والناعمة لإعادة ترسيخ الردع، واحتواء التصعيد، وتقليص التهديدات للأمن القومي. فتعزيز القدرات الدفاعية يبقى أولوية، لكنه لا يُغني عن الدبلوماسية والوساطة، ولا عن تنويع الشراكات الإقليمية والدولية.