لم تكن السجادة الحمراء في بكين مجرد بروتوكول في مايو 2026، بل كانت محاولة رمزية لترميم نظام عالمي متصدع. وقد جاءت زيارة الرئيس ترامب في وقت سجّل فيه العجز التجاري الأمريكي مع الصين انخفاضاً ملحوظاً ليصل إلى 202.1 مليار دولار في عام 2025 بتراجع قدره 31.6% عن العام السابق، مما وفّر أرضية خصبة لترامب ليعلن “نجاح” سياساته الرامية إلى الضغط، والبدء في مرحلة الصفقة الكبرى الثانية.
وبينما كانت لغة الحرب الباردة الجديدة تُهيمن على مشهد القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي بنظيره الصيني، بدا أن النظام الدولي أمام مفترق طرق تاريخي؛ حيث أعادت هذه القمة إحياء الدبلوماسية الشخصية بين الزعيمين. فتوقيت الزيارة لا يعكس فقط الرغبة في التهدئة، بل يشير إلى إدراك عميق بأن المواجهة المفتوحة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم باتت مُكلفة لدرجة لا يمكن احتمالها، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام بداية نحو تسوية استراتيجية أم مُجرد استراحة محارب في صراع وجودي؟
من الحرب التجارية إلى إدارة التنافس
منذ اندلاع الحرب التجارية بين الجانبين في عام 2018 وفرض الرسوم الجمركية المتبادلة، شهدت العلاقات تطوراً دراماتيكياً انتقل من الصراع على الميزان التجاري إلى حرب تكنولوجية شاملة محورها أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد. وقد أشارت مخرجات القمة إلى تحوّل في الاستراتيجية الأمريكية؛ فبدلاً من المواجهة المفتوحة، ظهر التوجه نحو “إدارة التنافس” عبر آليات مؤسسية ملموسة.
إن تعكس دعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة البيت الأبيض رغبة في وضع حواجز حماية، تمنع انزلاق التنافس الاقتصادي والتقني إلى صدام عسكري غير محسوب، مع العودة إلى لغة المصالح المتبادلة التي تفرضها تشابكات الاقتصاد العالمي. وكان الإنجاز التنظيمي الأبرز في القمة هو الاتفاق على تأسيس مجلس تجارة ثنائي بهدف تحديد القطاعات غير الحساسة أمنياً لتسهيل الالتزامات التجارية المتبادلة، وهو التوجه الذي يقوم على محاولة تجنب السيناريوهات الأسوأ.
لغة الأرقام تفرض التهدئة
خلافاً لخطاب القطيعة الشاملة الذي يؤدي إلى فوضى غير محسوبة، تظهر بيانات منظمة التجارة العالمية وتوقعات البنك الدولي أن الاعتماد المتبادل لا يزال سيد الموقف. فعلى الرغم من الرسوم الجمركية، بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات بين البلدين حوالي 658.9 مليار دولار (تقديرات 2024/2025) مما يعكس مرونة الروابط الاقتصادية. كذلك، تشير البيانات إلى أن سلاسل التوريد لم تختفِ، بل “تلوّنت”؛ حيث زاد العجز الأمريكي مع دول جنوب شرق آسيا بمقدار 43 مليار دولار في قطاعات التكنولوجيا، مما يعني أن المكونات الصينية لا تزال تصل لأمريكا عبر “طرف ثالث”. وفيما يتعلق بالمكاسب المنتظرة، سعى ترامب في هذه القمة لتأمين التزامات صينية بشراء طائرات “بوينغ” وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال وفول الصويا لدعم قاعدته الانتخابية قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026.
تأشيرة دخول لمعالجات الذكاء الاصطناعي
تمثلت المفاجأة الكبرى للقمة في ملف الطاقة الحوسبية والذكاء الاصطناعي. فقد وافقت واشنطن رسمياً على منح تراخيص تصدير مشروطة لمعالجات ” إنفيد هـ.200″ لعشر شركات صينية كبرى (من بينها لونوفو وفوكسون بجانب عمالقة التكنولوجيا) وبحد أقصى 75 ألف شريحة لكل شركة، شرط ألا تتجاوز الكميات 50% مما يُورّد للسوق الأمريكي، بحسب ما نشرته وكالة رويترز لقطاع التكنولوجيا . لكن الشحنات تجمدت تماماً ولم يتم تسليم شريحة واحدة حتى الآن.
يعود السبب وراء هذا الشلل التجاري لرفض الحكومة المركزية الصينية تمرير الصفقة، حيث تضغط بكين على شركاتها المحلية للاعتماد على المنتج الوطني -مثل معالجات شركة “هواوي” ورقاقات شركات الذكاء الاصطناعي الصاعدة مثل “ديب سيك” لتعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل التبعية للغرب. هذا التجميد دفع برئيس شركة “إنفيد” التنفيذي جينسن هوانغ للانضمام شخصياً وبشكل مفاجئ لوفد ترامب في بكين في اللحظات الأخيرة لمحاولة كسر هذا المأزق التجاري والتقني الحرج.
والحال أن واشنطن تريد استخدام أرباح هذه المبيعات لتمويل ابتكارها المحلي مع الحفاظ على تفوقها في التقنيات الأكثر تقدماً. في المقابل، حققت شركة هواوي الصينية قفزة بمعالجها (910C) الذي وصل أداؤه إلى 80% من قدرة رقائق إنفيدي، مما يجعل بكين تفاوض من موقع المُنافس الطموح لا المستهلك التابع.
العقدة المركزية التايوانية والخطوط الحمراء
تبقى قضية تايوان هي العقدة المركزية والاختبار الحقيقي لاستقرار العلاقات الصينية الأمريكية. خلال القمة، كانت التحذيرات الصينية واضحة وحازمة باعتبار تايوان خطاً أحمر لا يقبل المساومة، إذ تعتبر الصين تايوان المهمة التاريخية التي لا تقبل التأجيل. في المقابل تستمر واشنطن في استخدام هذا الملف كورقة ردع استراتيجية.
ولا شكّ أن الطرفين يدركان حدود احتمالات الحرب؛ فبكين ليست مستعدة حالياً للتضحية بنموها الاقتصادي من أجل مغامرة عسكرية، وواشنطن تعلم أن أي صدام حول تايوان سيعني انهياراً كاملاً لنظام التجارة العالمي. وفي ظل موافقة واشنطن على حزمة أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار في نهاية 2025، تشير التحليلات إلى أن ترامب استخدم ملف المساعدات العسكرية كورقة مساومة في المفاوضات التجارية، ملمحاً إلى إمكانية نقاش حجم الدعم مقابل تنازلات اقتصادية صينية، وهو ما يُثير قلق حلفاء واشنطن في المحيط الهادئ. وقد ألمح ترامب علانية قبل المحادثات وأثناءها إلى إمكانية مناقشة توقيت وحجم تسليم هذه الحزمة العسكرية لتايوان مقابل تنازلات اقتصادية وتجارية ملموسة من بكين.
أثار هذا الأسلوب البراغماتي القائم على الصفقات قلق حلفاء واشنطن التقليديين في المحيط الهادئ، لكنه أبقى الملف مؤقتاً في إطار “الغموض الاستراتيجي” التقليدي، مع تفعيل الاتصالات العسكرية المباشرة لمنع أي احتكاك عسكري في مضيق تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
الشرق الأوسط كعامل جديد
يكمن أحد أبرز الملامح التي تُعيد رسم العلاقات في عام 2026 هو دخول الشرق الأوسط كمتغير جديد ومؤثر. فقد جاءت القمّة في ظل توترات إقليمية حادة وخطيرة، وضعت أزمة إغلاق مضيق هرمز والحرب في إيران على طاولة القمة. فواشنطن بحاجة لبكين للضغط على طهران لضمان تدفق النفط، وفي المقابل تدرك بكين أن نفوذها المتزايد في الخليج يمنحها مقعداً في غرفة التحكم بالأمن الإقليمي، وهو ما استثمرته في القمة لانتزاع نوع من تخفيف القيود على استثماراتها في قطاع الطاقة الخضراء داخل أمريكا. والواقع أن هناك تقاطع مصالح اضطرارية هنا؛ فكلا القوتين تجمعهما الرغبة في تأمين ممرات الطاقة واستقرار الملاحة البحرية. هذا التعاون الظرفي يمثل نموذجاً للشراكة القلقة، حيث ينسق الخصوم في ملفات محددة لخدمة أمنهما القومي المشترك.
السِلم البارد فوق الألغام
لم تهدف المخرجات الفعلية للقمة إلى حل الصراع البنيوي بل إلى مأسسة التنافس. فنحن أمام نموذج حرب باردة ذكية، حيث يتسابق الطرفان عسكرياً وتقنياً، لكنهما يتصافحان تجارياً لتجنب الانهيار المشترك. لم تعد موازين القوى بين واشنطن وبكين في عام 2026 تسمح لأي طرف بفرض هزيمة كاملة على الآخر من دون أن يجر نفسه إلى انتحار اقتصادي أو عسكري.
ومن هنا، وُلدت ما يمكن تسميته بالتسوية الاستراتيجية الحذرة، أي حالة من السلم البارد التي لا تقوم على الثقة، بل على وحدة المصير في مواجهة الكوارث، وهي تُمثّل جوهر التحول في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث ننتقل من عصر محاولة الحسم إلى عصر إدارة الاستعصاء.
لقد أدرك ترامب ببراغماتيته التجارية، وشي جين بينغ برؤيته التاريخية، أن مفهوم القوة العظمى في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعني القدرة على إلغاء الخصم، بل القدرة على احتوائه وضبط إيقاع الخلاف معه، ولم يعد النصر يُقاس بكسب الحرب، بل بمنع وقوعها. فالإلغاء هنا يعني تمزيق سلاسل التوريد العالمية، وانهيار الأسواق المالية، ودخول العالم في نفق مظلم من الركود الذي لن يسلم منه أحد.
إذن، لم تنه هذه القمة الخلاف، بل نقلته من حلبة الملاكمة إلى طاولة الشطرنج. إنها معادلة دقيقة تشبه السير فوق حقل ألغام؛ حيث يتحرك الزعيمان بحذر، يتبادلان الضربات التكنولوجية في جولة، ويتصافحان لتأمين ممرات الطاقة في جولة أخرى. هذا النوع من الإدارة الذكية للصراع يحول المواجهة من صدام عسكري مدمر إلى سباق تحمل طويل الأمد، حيث الرهان ليس على من يطلق الرصاصة الأولى، بل على من يمتلك النفس الأطول في الحفاظ على استقرار داخله وتفوقه التقني من دون الانزلاق إلى الفوضى الشاملة. بهذا المعنى، تصبح القمة الصينية–الأمريكية الأخيرة عقد تأمين ضد الانهيار الكبير.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.