14 أكتوبر 2026. (تصوير جونغ يون جي / وكالة فرانس برس)

من شراء التكنولوجيا إلى تطويرها: تطوير الشراكة مع شرق آسيا في الذكاء الاصطناعي

مع تعزيز السعودية والإمارات علاقاتهما التكنولوجية بكوريا الجنوبية واليابان، ينبغي الانتقال من شراء التكنولوجيا إلى المشاركة في تطويرها، وتوظيف رؤوس الأموال الخليجية والطلب الصناعي والوصول إلى الأسواق لضمان حصة في المنتجات المطوّرة وإيراداتها الخارجية.

14 أكتوبر، 2026
إليوت آنز

أعلنت رابطة صناعة الذكاء الاصطناعي والبرمجيات في كوريا الجنوبية أن «أرامكو ديجيتال»، الذراع الرقمية لأرامكو السعودية، أنهت تجربة صناعية في مجال الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع سبع شركات كورية.

 

وربطت هذه التجربة عدد من النماذج الكورية والشرائح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ببنية تحتية سحابية، بهدف اختبار كيفية قراءة الرسومات والمستندات الهندسية وتحويلها إلى نماذج ثلاثية الأبعاد. لكن الإعلان الذي صدر في 2 سبتمبر، وعلى الرغم من إيضاحه للجانب التقني، ترك أسئلة تجارية مهمّة من دون إجابة: من سيَملك المُنتجات التي يَجري تطويرها بصورة مشتركة؟ وكيف ستُوزّع الإيرادات التي تُحقّقها هذه المنتجات في الخارج؟

 

من الأهمية أن تكون هذه الأسئلة بالنسبة إلى حكومات الخليج التي تبحث في الدخول بمثل هذه الشراكات وفي مقدّمتها السعودية والإمارات في صلب الجولة المقبلة من التعاون بمجال الذكاء الاصطناعي مع كوريا الجنوبية واليابان، فشراء تكنولوجيا بديلة يُمكن أن يساعد على تنويع المورّدين، لكن تطوير المنتجات بصورة مشتركة يُمكن أن يبني أيضاً قدرات هندسية، ويولّد إيرادات من التصدير. لذلك من المهم أن تضمن رؤوس الأموال الخليجية والطلب الصناعي حصّة يجري التفاوض عليها حيال هذه المنتجات، إلى جانب إنشاء فرق تطوير إقليمية وتكريس حقوق متفق عليها لخدمة عملاء في أسواق أخرى.

 

لن يتطلب توفير هذه الركائز جهوداً مضنية،  فالأرضية السياسية لهذا النوع من الشراكات موجودة بالفعل، حيث ينصّ الإعلان المشترك بين كوريا الجنوبية والإمارات في نوفمبر 2025 على «مبادرات مشتركة للاستثمار والتطوير والتصدير» في مجالي الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. كما أفضى اتفاق لاحق بين شركات كورية و«أرامكو ديجيتال» إلى تجربة تقنية. مع ذلك، تصف هذه الإعلانات التعاون من دون أن تُحدّد ملكية المنتجات التجارية، أو حقوق الإيرادات المحقّقة في الخارج. ومن المهم حسم هذه الشروط قبل أن تتحوّل التجارب التقنية إلى عقود توريد طويلة الأمد.

 

بدوره، يملك الخليج أوراقاً تفاوضية. فقد أشارت وزارة العلوم في كوريا الجنوبية إلى رغبتها في تحويل نموذج التحالف المستخدم مع «أرامكو ديجيتال» إلى نموذج معياري لتوسّع الشركات الكورية مستقبلاً في الخارج. وفي حال نجاح تطبيق هذه التكنولوجيا في الخليج، يتوفر لهذه الشركات فرصة كسب عملاء في أسواق أخرى، ما يمنح المفاوض الخليجي ورقة يمكن استخدامها في التفاوض.

 

لا شكّ أن  الاتفاقات مع كوريا الجنوبية تُشكّل نقطة الانطلاق الأوضح لدول الخليج. كذلك، يُتيح الحضور الياباني مساراً آخر للتعاون من خلال مشاركة «سوفت بنك» في مشروع «ستارغيت الإمارات»، وهو مجمّع حوسبة بقدرة 1 غيغاواط تقوده شركة «G42» في أبوظبي. ومع ذلك، فإنّ وجود شركة ضمن التحالف لا يوضح بحد ذاته من سيملك المنتجات التي قد تنتج منه.

 

من المفيد هنا أيضاً الإشارة إلى أنّ  كوريا الجنوبية واليابان تنتميان أيضاً إلى «باكس سيليكا»، وهي مجموعة تقودها الولايات المتحدة، وتركّز على سلاسل إمداد التكنولوجيا، وقد انضمّت إليها قطر والإمارات في يناير 2026. ويُوفر هذا الانخراط المُشترك أرضية سياسية للتعاون، فيما يظلّ الوصول إلى الشرائح الأمريكية خاضعاً لضوابط التصدير الأمريكية. ومن هنا تبرز ثلاثة نماذج رئيسية للشراكة.

 

الملكية المشتركة للمنتج

 

يعتمد النموذج الأول على إنشاء شركة مشتركة مقرّها الخليج تتولى تطوير المنتج وتسويقه. فمثلاً، يُمكن لشركة صناعية سعودية وشركات كورية متخصّصة في الذكاء الاصطناعي أن تُطوّر برنامجاً يُحوّل الرسومات الهندسية إلى نماذج رقمية قابلة للاستخدام، بالاستفادة من تجربة أرامكو. ويُقدّم الشريك السعودي خبرته التشغيلية، ويُتيح الوصول إلى بياناته ضمن ضوابط محدّدة، ويكون أول عميل للمنتج، فيما يُقدّم الشركاء الكوريون الخبرة الهندسية والتكنولوجيا. ثم يتولّى فريق مقرّه المملكة تكييف المنتج الناتج وبيعه.

 

ولدى الخليج سوابق يمكن البناء عليها. ففي عام 2020، أسّست «أدنوك» و«G42» شركة «AIQ» كمشروع مشترك لتطوير منتجات للذكاء الاصطناعي مخصّصة لقطاع النفط والغاز وتسويقها، بالجمع بين بيانات «أدنوك» وخبرة «G42» الهندسية في الذكاء الاصطناعي. وهناك أيضاً سابقة أقدم عابرة للحدود. فقد حصلت «الشركة الكورية للطاقة الكهربائية» (KEPCO)، التي فازت عام 2009 بالعقد الرئيسي لمحطة براكة النووية بقيمة 20 مليار دولار، على حصة تبلغ 18 في المئة في الشركتين التجارية والتشغيلية للمحطة عام 2016.

 

تتمثّل أصعب نقاط في التفاوض في تحديد ما يبقى ملكاً للمورّد، وما يُعدّ منتجاً جديداً نتج من الشراكة. فيحتفظ المورّدون بملكية نماذجهم وأدواتهم الأساسية، ويمنحون المشروع حق استخدامها وفق شروط متفق عليها. أما التطبيق الذي يُطوّر بهذه الأدوات وبتمويل مشترك، فيمكن أن يمتلكه المشروع، مع حقوق واضحة في تعديله وبيعه في الخارج. كما من المهم، للمساهمين الاتفاق مسبقاً على توزيع التكاليف والإيرادات، وعلى ما يحدث إذا انسحب أحد الشركاء. ويُمكن أن تبقى البيانات الصناعية الحسّاسة ملكاً لصاحبها، مع قواعد واضحة تحدّد من يحق له الوصول إليها.

 

لكن الاتفاق التجاري يجب أن يكون مُجدياً للشريك الهندسي أيضاً. فبوسع العميل الخليجي أن يعرض عقد تطوير مدفوع الأجر، وإتاحة تطوير المنتج في بيئة صناعية متطلّبة، في مقابل حقوق مشتركة في منتج يمكن استخدامه مع عملاء آخرين. وإذا نجحت التجربة، فقد تفتح أمام المورّد الباب إلى أسواق جديدة. ومن دون هذا الاحتمال التجاري، لن يكون لديه حافز كبير لتحمّل كلفة وتعقيدات إنشاء شركة مشتركة.

 

تُوجد عقبات لدى الطرفين. فالمورّد من شرق آسيا يحتاج إلى حماية التكنولوجيا التي يستخدمها مع عدد كبير من العملاء، فيما تشترط الضوابط الكورية الجنوبية على بعض «التكنولوجيات الوطنية الأساسية» الحصول على موافقة أو تقديم إخطار قبل نقلها إلى الخارج. وفي المقابل، يحتاج المشتري الخليجي إلى قدرة هندسية كافية تتيح له إجراء التعديلات من دون الاعتماد الدائم على المورّد ودفع كلفة كل تعديل. لذلك، من الضرورة تحديد المنتج والتكنولوجيا المرخّصة بوضوح منذ بداية التفاوض.

 

 

الاستثمار محركاً للتطوير

 

أما النموذج الثاني فيربط الاستثمار الخليجي في حصص من شركات شرق آسيوية بالتزام واضح بتطوير منتج أو تطبيق محدد. ففي عام 2024، موّلت «واعد فنتشرز»، ذراع رأس المال الجريء التابعة لأرامكو، جولة استثمار بقيمة 15 مليون دولار لشركة «Rebellions» الكورية المتخصّصة في شرائح الذكاء الاصطناعي، قبل أن تؤسّس الشركة فرعاً سعودياً في أغسطس 2025. ووصفت «Rebellions» فرع الرياض بأنه قاعدة لتزويد مراكز بيانات أرامكو، وللمبيعات والدعم محلياً. لكن الالتزام بالتطوير يتطلب أن يذهب أبعد من ذلك، كأن يشترط إنشاء فريق مموّل في الرياض أو أبوظبي يتولّى مسؤولية تطوير تطبيق محدّد.

 

يؤدّي الاستثمار في الأسهم واتفاق التطوير وظيفتين مختلفتين. فالحصّة تمنح المستثمر مصلحة في مجمل أعمال الشركة، فيما يُحدّد اتفاق منفصل مسؤوليات الفريق الموجود في الخليج والحقوق المرتبطة بالمنتجات التي يطوّرها. والجمع بين الاثنين يتيح للصندوق دعم شركة قائمة من دون الحاجة إلى تأسيس مشروع مشترك جديد مع كل استثمار.

 

في سبتمبر، قال الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين» السعودية المدعومة من الدولة، إنّ صندوق رأس المال الجريء الذي تعتزم الشركة إطلاقه سيستثمر في شركات تلتزم بتشغيل جزء من عملياتها الحاسوبية في مراكز بيانات داخل السعودية، أو بنقل موظفين إلى المملكة. وقد تخلق هذه الشروط نشاطاً حاسوبياً أو تستقطب موظفين إلى السعودية، لكنها، وفق معايير الاستثمار المعلنة، لا تحدّد حقوق الملكية في المنتجات التي تُطوّر محلياً. ويمكن للمستثمرين الخليجيين أن يذهبوا أبعد في بعض الصفقات الكورية واليابانية، عبر الاتفاق مسبقاً على ما سيطوّره الفريق الإقليمي وعلى الحقوق التجارية التي ستترتب على عمله.

 

تختلف قيمة هذا الالتزام باختلاف الهدف. فالمستثمر الذي يسعى إلى عائد مالي، والحكومة التي تسعى إلى بناء قدرات محلية، قد يُقيّمان الالتزام نفسه بصورة مختلفة. كما أنّ نظام فحص الاستثمارات الأجنبية في اليابان يجعل حقوق المشاركة في إدارة الشركة والوصول إلى التكنولوجيا الحسّاسة من الاعتبارات المهمّة، ولا سيّما بالنسبة إلى المستثمرين المدعومين من الدولة.

 

 

الشراكة في العقد القادم

 

يعتمد النموذج الثالث على التقدّم بعروض مشتركة للفوز بعقود حكومية في مجال الذكاء الاصطناعي في دول أخرى، بما فيها دول في أفريقيا وآسيا الوسطى. ويمكن أن يشكّل التزام الإمارات في نوفمبر 2025 بتخصيص مليار دولار لتطوير الذكاء الاصطناعي في أفريقيا، والذي ينفّذ عبر مكتب أبوظبي للصادرات بالتعاون مع وكالة الإمارات للمساعدات الخارجية، إحدى القنوات الممكنة لذلك. كذلك، يُمكن للشركاء الخليجيين وشركائهم من شرق آسيا الجمع بين التمويل والخبرة الهندسية، إلى جانب شريك من الدولة المستفيدة يتولّى التنفيذ والدعم محلياً.

 

كما يُمكن لهذا التحالف تكييف منتج طُوّر من خلال أحد النموذجين السابقين وبيعه في أسواق أخرى. لكن ينبغي أن تبدأ الفرصة الأولى بخدمة محدّدة ومموّلة بصورة موثوقة، مثل صيانة البنية التحتية العامة، بدلاً من استهداف منظومة وطنية كاملة للذكاء الاصطناعي.

 

لكن قواعد التمويل تُعقّد عمل هذا التحالف. فبرنامج «STEP» الياباني للقروض التنموية، الذي يدعم استخدام التكنولوجيا اليابانية، يسمح ببعض المشاريع المشتركة مع شركات من الدول المستفيدة، لكنه يشترط قيادة يابانية وأن تُشكّل الأعمال اليابانية الحصة الأكبر من المشروع. وفي المقابل، تهدف المبادرة الإماراتية إلى تمكين الشركات الإماراتية من تنفيذ المشاريع. ويحتاج خطر السداد إلى القدر نفسه من الانتباه. ففي مايو 2026، أفادت تقارير بأن خطة «G42» و«مايكروسوفت» لإنشاء مركز بيانات في كينيا تعثّرت بسبب محدودية قدرات الكهرباء وعدم قدرة الحكومة على الالتزام باستئجار حجم محدّد من القدرة الحاسوبية. ويمكن للشركاء دراسة التمويل المشترك للعرض، بحيث يموّل كل مُقرض الأعمال التي تنفّذها شركات من بلده، مع مراعاة قواعد المشتريات والحصول على موافقة الجهات المموّلة. لكن عليهم الاتفاق، قبل تقديم العرض، على من يتحمّل مخاطر التنفيذ، ومن يتحمّل مخاطر السداد.

 

بالنسبة إلى أبوظبي والرياض، تتمثّل المَهمّة المباشرة في اختيار عدد محدود من التطبيقات التي يوجد عليها طلب فعلي، وحسم هذه الشروط قبل توسيع نطاق الشراكات. هناك حاجة إلى أن يحدّد كل اتفاق تجريبي بوضوح من يطوّر المنتج، ومن يملك حق بيعه في الخارج. كما ينبغي قياس النجاح بوجود فرق عاملة، وعملاء يعودون إلى الشراء، وبنية تحتية جرى تشغيلها فعلياً.

 

تظهر تجربة أرامكو في سبتمبر أن التعاون التقني يتقدّم بالفعل. لكن الأفضل أن يُحقق الاتفاق المقبل نتائجه التجارية بالقدر نفسه. فكوريا الجنوبية ترغب بعرض شركاتها تقنياتها أمام أسواق أخرى من خلال الخليج كواجهة، وعلى دول الخليج أن تجعل الملكية جزءاً من ثمن أداء هذا الدور.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: الحوكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
البلد: الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية

المؤلف