15 سبتمبر 2026. (تصوير حسن بلال / الأناضول / الأناضول عبر وكالة فرانس برس)

اضطرابات الملاحة البحرية تغيّر مشهد اقتصاديات الترابط

في ظلّ تعرّض طرق بحرية متعدّدة للضغط في آنٍ واحد بسبب الصراعات، لم تعد قيمة البنية التحتية تُقاس بكفاءتها وحدها. فخطوط الأنابيب والسكك الحديدية والطرق البرّية تكتسب أهمّية متزايدة لأنها توفّر بدائل يمكن اللجوء إليها عندما تتعطّل طرق التجارة المعتادة.

29 أكتوبر، 2026
أحمد إردي أوزتورك، جان سيلتشوكي

أظهر تعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز مخاطر الاعتماد المُفرط على ممرّ بحري واحد. غير أنّ الخطر لا يقتصر على هرمز فحسب. فاستمرار انعدام الأمن في البحر الأحمر والبحر الأسود يضغط في الوقت ذاته على طرق نقل الطاقة والغذاء والبضائع حول العالم. وحين تتزامن هذه الاضطرابات، قد لا يؤدّي تحويل المسار بعيداً عن الممرّات إلّا إلى نقل حركة التجارة ومكامن ضعفها إلى ممرّ آخر، فتتحوّل أزمات أمنية متفرّقة إلى تحدٍّ أوسع يمس قدرة الاقتصادات على الصمود. وهذا يفرض على سلاسل الإمداد، التي بُنيت على افتراض انتظام حركة الملاحة البحرية، أن تحسب حساب انقطاعات تتجاوز  حدود مناطق أو قطاعات بعينها.

 

يعيد هذا الواقع تعريف القيمة الإستراتيجية للبنية التحتية في الخليج وتركيا والعراق. فالموانئ وخطوط الأنابيب والسكك الحديدية والطرق وشبكات الخدمات اللوجستية كان الاستثمار فيها يُبرَّر أساساً بكفاءتها التجارية، أو بقدرتها على توسيع التجارة، أو بالتنافس على التحوّل إلى مراكز لوجستية. أمّا اليوم، فتنبع قيمتها الإستراتيجية من قدرتها على توفير بدائل حين تتعطّل المسارات المعتادة. ولا يعني ذلك أنّ الممرّات البرّية تستطيع أن تحلّ محل التجارة البحرية، أو أنّ خطوط الأنابيب قادرة على تعويض حجم المرور عبر هرمز. فليس مطلوباً منها ذلك. فقيمتها تكمن في توفير قدر كافٍ من البدائل لإبقاء التدفّقات الحيوية مستمرّة عندما يتعذّر استخدام المسار الأكثر كفاءةً.

 

 

البحر الأسود والخليج لم يعودا منفصلين

 

تختلف أسباب الصراعات في البحر الأسود والخليج، لكنها تكشف موطن الخلل البنيوي نفسه في التجارة العالمية، وهي اعتمادها الكبير على عدد محدود من الممرّات البحرية، لطالما عُدّ الوصول إليها أمراً مسلماً به.

 

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت روسيا وأوكرانيا تمثلان معاً نحو 30 في المئة من صادرات القمح العالمية ونحو 80 في المئة من واردات مصر من القمح. وعندما تعطلّت الشحنات عبر البحر الأسود، بلغت أسعار الغذاء العالمية مستوى قياسياً في مارس 2022. وفي غضون وقت قصير، تحوّلت أزمة في أوروبا الشرقية إلى مشكلة أمن غذائي على بعد آلاف الكيلومترات.

 

واليوم، تواجه أسواق الطاقة في الخليج الهشاشة نفسها. فقبل الحرب الحالية، كان نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يعبر مضيق هرمز يومياً، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي، إلى جانب نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المُسال في العالم. ومنذ أواخر فبراير، انخفضت حركة العبور التجارية عبر المضيق بنحو 90 في المئة. وفي ذروة الاضطراب في مايو، قدّرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أنّ نحو 10,9 ملايين برميل يومياً من إنتاج النفط الخليجي قد توقف. وأعلنت قطر أيضاً حالة القوّة القاهرة بعدما ألحقت الضربات أضراراً بنحو 17 في المئة من قدرتها على تصدير الغاز الطبيعي المُسال، فيما يُتوقّع أن تستغرق الإصلاحات ما يصل إلى 5 سنوات. أمّا خام برنت، المعيار العالمي، فارتفع من نحو 72 دولاراً للبرميل قبل الحرب إلى 126 دولاراً في أبريل، وظلّ عند نحو 106 دولارات في منتصف أكتوبر.

 

يمكن عادة التعامل مع تعطّل طريق واحد عبر السحب من المخزونات، أو تحويل الشحنات إلى مسارات أخرى، أو اللجوء إلى التأمين، أو تحمّل تكاليف نقل أعلى. لكن الأمر يصبح أصعب بكثير عندما تتعطّل ممرّات متعدّدة في الوقت نفسه أو بصورة متكرّرة، لا سيّما عندما تكون الطرق البديلة نفسها ترزح تحت الضغط. وهنا تتغيّر معادلة اقتصاديات الترابط، إذ لا تعود الكفاءة وحدها معياراً، بل تصبح القدرة على توفير بدائل احتياطية جزءاً من القيمة. وقد تبدو بعض البنى التحتية قليلة الاستخدام في الظروف العادية مُكلفة أو زائدة عن الحاجة، لكنها تكتسب قيمتها الإستراتيجية عندما تمنع الاعتماد على نقطة واحدة قد يؤدّي تعطلّها إلى شلّ التدفّقات.

 

 

تعزيز قدرة الممرّات على الصمود أولوية للأمن الاقتصادي

 

قد تبدو الطاقة الاحتياطية والمسارات البديلة هدراً ما دام الطريق الرئيسي يعمل، لكن قيمتها تظهر لحظة تعطّله.

 

يصل خطّ أنابيب الشرق-الغرب السعودي، الذي تبلغ طاقته 7 ملايين برميل يومياً، إلى البحر الأحمر، فيما ينقل خطّ حبشان-الفجيرة في الإمارات نحو 1,8 مليون برميل يومياً إلى خليج عُمان من دون عبور مضيق هرمز. ومع ذلك، يبقى الهامش المتاح محدوداً. فقبل الحرب، قدّرت إدارة معلومات الطاقة أنّ الطاقة الاستيعابية غير المستخدمة في المسارات التي تتيح تجاوز هرمز بنحو 2,6 مليون برميل يومياً فقط، أي قرابة ثُمن التدفّقات المعتادة عبر المضيق. ومع ذلك، كثّفت السعودية استخدام منفذها البديل، فرفعت شحنات الخام من ميناء ينبع على البحر الأحمر من نحو مليون برميل يومياً إلى قرابة 4 ملايين.

 

لكن تجاوز أحد الممرّات قد يعني انتقال مكمن الخطر إلى ممرّ آخر. فالنفط السعودي الذي يخرج من البحر الأحمر باتجاه أوروبا يظل معرّضاً لأي اضطراب عند مضيق باب المندب أو في قناة السويس. وقد انخفضت تدفّقات النفط عبر باب المندب من 8,7 ملايين برميل يومياً عام 2023 إلى 4 ملايين خلال الفترة الممتدّة بين يناير وأغسطس 2024، فيما تراجعت إيرادات قناة السويس السنوية من 10,25 مليارات دولار إلى أقل من 4 مليارات. وحتى أغسطس 2026، ظلّ عدد السفن العابرة للقناة أقل بنحو 39 في المئة من مستواه قبل الأزمة.

 

واختُبرت هذه الهشاشة مباشرة هذا العام. ففي 20 يوليو، أعلنت حركة «أنصار الله» في اليمن، المعروفة على نطاق واسع باسم الحوثيين، حظراً بحرياً على السعودية. ثم أدّت ضربات بطائرات مسيّرة على محطّات الضخّ في 10 سبتمبر إلى توقّف خطّ الشرق-الغرب. واستأنف الخطّ العمل في 22 سبتمبر بمعدّلات ضخّ أقل، قبل أن تعلن الرياض مطلع أكتوبر أنه يضخ 5,8 ملايين برميل يومياً. وأظهرت الواقعة أنّ قدرة الممرّات على الصمود لا تُقاس بمجرّد وجود طريق بديل، بل بقدرة الشبكة الأوسع على مواصلة نقل الطاقة والبضائع عندما تتعطّل طرق متعدّدة في الوقت نفسه.

 

يواجه العراق المشكلة نفسها. فالنفط يوفّر نحو 90 في المئة من إيرادات الدولة، وقبل الحرب كان أكثر من 90 في المئة من صادراته النفطية يخرج عبر محطّات التصدير الجنوبية على الخليج. لكن الصادرات هبطت من نحو 3,6 ملايين برميل يومياً في فبراير إلى حوالى 330 ألف برميل يومياً في أبريل، فيما تراجعت الإيرادات النفطية الشهرية من 6,8 مليارات دولار إلى 1,1 مليار. ويوفّر خطّ كركوك-جيهان إلى تركيا، من حيث المبدأ، طريقاً بديلاً بطاقة اسمية تبلغ نحو 1,5 مليون برميل يومياً، لكنه لم ينقل في سبتمبر سوى نحو 250 ألف برميل يومياً. وهنا يتضح الفرق الجوهري بين الطاقة الاسمية وما يمكن استخدامه فعلياً، إذ لا قيمة للطاقة المتاحة على الورق إذا غابت الروافد المغذّية للمسار. وقد يزيد الاتفاق الذي وُقّع في 1 أغسطس لمدة عام، ويغطّي 750 ألف برميل يومياً، من أهمّية هذا المسار، لكنه لن يكون بديلاً عن منظومة التصدير الجنوبية للعراق.

 

وبالمثل، لا يمكن للبنية التحتية البرّية أن تحلّ محل التجارة البحرية على نطاق واسع. فالسفن تنقل كمّيات من البضائع لا تستطيع الطرق والسكك الحديدية نقلها بالكلفة نفسها، فيما تبقى خطوط الأنابيب مقيّدة بطاقة ثابتة وبمسارات تفرضها الجغرافيا. لذلك، لا يتمثّل الهدف الواقعي في استبدال هرمز أو غيره من الممرّات المائية الرئيسة، بل في الحفاظ على القدرة على تحويل حصة معتبرة من التدفّقات إلى طرق أخرى عندما تتعذّر الاستفادة الكاملة من هذه الممرّات. وفي مثل هذه الظروف، قد تكون مجموعة من المسارات المتكاملة أكثر قيمة إستراتيجياً من ممرّ واحد مهيمن. وهذا منطق مختلف عن التنافس التقليدي بين الدول لاجتذاب أكبر حصة من حركة العبور.

 

 

تركيا والخليج في خريطة ممرّات أكثر ترابطاً

 

تتمتّع تركيا بموقع إستراتيجي عند ملتقى البحر الأسود والبحر المتوسط والقوقاز والشرق الأوسط والأسواق الأوروبية. لكن الجغرافيا وحدها لا تكفل ميزة إستراتيجية. فقيمة هذا الموقع وقت الأزمات تتوقّف على وجود بنية تحتية كافية، وقواعد تنظيمية واضحة ومستقرة، وتعاون طويل الأمد عبر الحدود.

 

يحتلّ العراق موقعاً محورياً في هذه المعادلة. فـ«طريق التنمية»، وهو مشروع للطرق والسكك الحديدية يمتد نحو 1,200 كيلومتر وتُقدّر كلفته بنحو 17 مليار دولار، اتفق عليه مبدئياً كلّ من العراق وتركيا وقطر والإمارات عام 2024. وقد يعزّز المشروع ارتباط العراق بالأسواق الأوروبية، ويوسّع في الوقت نفسه شبكة الربط بين شمال تركيا وجنوبها. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يعتمد على المؤسّسات بقدر اعتماده على أعمال البناء. ولتركيا مصلحة مباشرة في استقرار الخليج. فقد بلغت فاتورة وارداتها من الطاقة نحو 62,5 مليار دولار عام 2025، وتشير تقديرات البنك المركزي إلى أنّ كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط تضيف نحو 2,6 مليار دولار إلى عجز الحساب الجاري. وبما أنّ سعر برنت يزيد بنحو 34 دولاراً على مستواه قبل الحرب، فإن ذلك يعني زيادة سنوية تقارب 9 مليارات دولار في العجز.

 

أمّا دول الخليج، فلا تُغنيها الروابط البرّية عبر العراق وتركيا عن هرمز، لكنها توسّع خياراتها وتنوّع مساراتها. ولا تقتصر أهمّية ذلك على قطاع الطاقة فحسب، بل تتجاوز فوائدها المحتملة هذا القطاع. فدول الخليج تستورد ما يُقدّر بنحو 85 في المئة من غذائها، فيما يوفّر البحر الأسود الحبوب لجزء كبير من الشرق الأوسط. ويُظهِر تجدّد الاضطرابات هناك مدى ترابط هذه الشبكات. ففي أوائل أكتوبر، غرقت سفينة شحن مملوكة لجهة تركية قبالة رومانيا إثر ضربة بطائرة مسيّرة. وتوضح مثل هذه الحوادث كيف يمكن لأزمات تصيب شبكات نقل مختلفة أن تتفاقم وتتداخل آثارها فيما بينها.

 

 

ثمن المرونة

 

يشبه المنطق الاقتصادي للاستثمار في القدرة على الصمود منطق التأمين. فالاحتفاظ بطاقة احتياطية يفرض كلفة سنوية، ولا يظهر عائدها إلا عندما يتعطّل أحد الممرّات. وفي عام 2026، كان هذا العائد كبيراً.

 

فبحلول أواخر يوليو، ارتفعت كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة لهرمز إلى ما بين 7,5 و10 في المئة من قيمة هيكل السفينة، بعدما كانت لا تتجاوز جزءاً ضئيلاً من 1 في المئة قبل الحرب. كما أن تحويل مسار السفن حول رأس الرجاء الصالح قد يضيف نحو 3,000 ميل بحري و10 أيام إلى الرحلة بين آسيا وأوروبا. وفي العراق، انخفضت إيرادات النفط في أبريل بنحو 5,7 مليارات دولار بالمقارنة مع فبراير. وإذا حُسبت كلفة «طريق التنمية» سنوياً على مدى 30 عاماً، وبكلفة رأسمال تبلغ 8 في المئة، فإنّها تصل إلى نحو 1,5 مليار دولار سنوياً. وبذلك، تساوي خسارة شهر واحد كتلك التي سجّلها العراق تقريباً كلفة 4 سنوات من المشروع. وهذه مقارنة توضيحية وليست دراسة جدوى للمشروع، لأنّ الطرق والسكك الحديدية لا تستطيع نقل النفط بالكمّيات التي تمرّ عبر هرمز. لكنها تغيّر معيار التقييم. فالممرّ البديل لا يحتاج إلى أن يتفوّق على الطريق البحري في الظروف العادية، بل يكفي أن تكون كلفته السنوية أقل من الخسارة المتوقّعة التي يساعد على تجنّبها.

 

مع ذلك، لا تكفي البنية التحتية وحدها. فالممرّات التي تعبر أكثر من دولة تحتاج إلى اتفاقات سياسية، وتنسيق تنظيمي، وترتيبات أمنية. وإذا أصبح الممرّ غير موثوق كلّما تدهورت العلاقات السياسية، فلن يضيف كثيراً إلى قدرة الشبكة على الصمود. لهذا، ينبغي لدول الخليج وتركيا والعراق ألا تركّز على مشروع ضخم واحد، بل على شبكة من المسارات القادرة على امتصاص الصدمات من دون نقل الاعتماد من نقطة اختناق إلى أخرى. وينبغي أن تصبح موثوقية تشغيل هذه الشبكات عبر الحدود أولوية في السياسات العامّة.

 

ليس كلّ ممرّ مقترح مجدياً اقتصادياً. لكن كلفة الاحتفاظ بالبدائل يجب أن تُقارن بكلفة غيابها في عالم جيوسياسي يزداد اضطراباً. والمنطق الذي يتبلور من البحر الأسود إلى الخليج لا يقوم على استبدال هرمز، بل على إدراك قيمة المرونة. وعندما تقع الأزمة التالية، ستكون الدول الأقدر على مواجهتها هي التي تضمن استمرار تدفق الطاقة والغذاء والسلع في الحركة، حتى عندما لا يعود الطريق الأكثر كفاءة خياراً مضموناً.

القضية: العلاقات الإقليمية، حرب إيران
البلد:

المؤلّفون

محاضر أول في السياسة والعلاقات الدولية في جامعة لندن متروبوليتان
محاضر أول في السيا محاضر أول في السياسة والعلاقات الدولية في جامعة لندن متروبوليتان. سة والعلاقات الدولية في جامعة لندن متروبوليتان.
جان سيلتشوكي هو خبير اقتصادي ومحلل سياسات تركي، يشغل حالياً منصب المدير العام وعضو مجلس الإدارة التنفيذي في مؤسسة “إسطنبول للأبحاث الاقتصادية” (Istanbul Economics Research). عمل سابقاً كخبير اقتصادي في مكتب البنك الدولي في أنقرة، وباحثاً في مركز دراسات السياسة الأوروبية في بروكسل.