على الرغم من تجدّد الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران، دخلت طهران ومنافِساتها الخليجية الكبرى المنتجة للنفط في سباقٍ لزيادة صادراتها النفطية ولاستعادة مستويات الإنتاج والحصص السوقية، وذلك تحت وطأة الضربات العسكرية التي تتعرّض لها بُنيتها التحتية، وإغلاق مضيق هرمز الذي يُشكّل معبراً لغالبية صادرات دول مجلس التعاون من النفط والبتروكيماويات.
انعكس هذا السباق في سعي طهران إلى تصدير ما بين 69 مليوناً جرى تحميلها للتسليم في وجهات عديدة منها خارج دول الخليج، و122 مليون برميل من النفط الخام منذ 19 يونيو، على الرغم من معظم العقوبات الأمريكية المفروضة عليها. ويُشكّل النفط المحمّل على متن «أسطول الظل» الإيراني 53 مليون برميل إضافية. وفي نظرة سريعة على المرحلة السابقة للحرب، تُشير الأرقام إلى أن صادرات إيران بلغت نحو 2.2 مليون برميل من الخام يومياً، مقارنةً بأكثر من 80 مليون برميل من الخام صدّرتها منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأمريكي- الإيراني.
في المقابل، تواصل الدول الخليجية الكبرى المنتجة للنفط زيادة إمدادات الخام. وقد صدّرت السعودية أكثر من 30 مليون برميل من الخام عبر الممر المائي منذ منتصف يونيو، فيما استعادت الإمارات أيضاً القسم الأكبر من إنتاجها المفقود بوتيرة لافتة، وذلك على الرغم من تجدّد خطر فرض قيود أمريكية وإيرانية يشمل صادرات النفط عبر المضيق.
فما الذي سيُحدّد ربحية الصادرات الخليجية مقارنةً بصادرات إيران مع احتدام المنافسة على تصدير النفط؟ تكمن الإجابة في رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان»، التكتّل الاقتصادي الذي يضمّ 10 أعضاء ويتمتّع بمزايا خاصة في شراء النفط الخام من منطقة الشرق الأوسط.
لا يزال اقتصاد آسيان، الذي تُقدّر قيمته بتريليونات الدولارات، من كبار مستهلكي نفط الشرق الأوسط حتى أثناء الحرب. ومع ذلك، سارعت المصافي منذ مارس إلى زيادة مشترياتها من الخامات الأمريكية والروسية والأفريقية واللاتينية لتعويض اضطرابات الإمدادات الممتدة في المضيق، وقد بلغت مرافق تخزين الخام طاقتها الاستيعابية القصوى خلال الأسابيع الأخيرة. وفي ظلّ هذا الواقع الذي يُشير إلى استقرار واردات آسيان من خام دول مجلس التعاون الخليجي، يفتقر كبار المستوردين في التكتّل إلى القدرة الواسعة على استيعاب أي إمدادات إيرانية إضافية من دون استبعاد المورّدين الحاليين، وهو ما يؤكد الصعوبة التي تواجهها إيران في تركيز صادراتها النفطية داخل أسواق آسيان. لكن تقليص الصين، وهي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، لوارداتها من الخام الإيراني بدرجة كبيرة، أظهر في أسواق آسيان فسحة جديدة لاستيعاب إمدادات الخام المستقبلية وتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
كلّ هذه العوامل تدفع إيران إلى التعامل مع آسيان بوصفها سوقاً ذات أولوية لصادرات النفط المستقبلية، سعياً منها إلى استهداف الأسواق التي يرتفع فيها الطلب على واردات الطاقة. وتبدو المؤشرات المبكرة في هذا المسار واضحة، إذ تسعى طهران إلى أن يتجاوز حجم صادراتها النفطية منذ توقيع الاتفاق الأمريكي- الإيراني المؤقت 80 مليون برميل. وقد تمكّنت في هذا السياق، من إرسال ملايين البراميل من النفط الخام إلى الأسواق في غضون 24 ساعة فقط في شهر يوليو، على الرغم من الغارات الجوية الأمريكية على منشآت حسّاسة. غير أن جزءاً من إمدادات طهران جاء من ناقلات عالقة، لا من إنتاج نفطي جديد، ما يمنح منافِساتها الخليجية هنا أفضلية خاصة.
تُعدّ السعودية والإمارات أبرز المستفيدين من هذه الدينامية. فقد زاد العملاقان النفطيان صادراتهما، ويبدو أنهما يدركان حجم الطلب طويل الأمد في جنوب شرق آسيا. كذلك تساعد بعض اقتصادات آسيان مصافي التكتّل على شراء مزيد من النفط وتنويع خياراتها التقليدية من المورّدين. وما يصبّ في مصلحة دول التعاون هو سعيها إلى زيادة إنتاج النفط على الرغم من قيود الحرب، وهي ركيزة أساسية لتعزيز ثقة آسيان بموثوقيتها كمورّد.
حالياً، تفتقر إيران إلى هذه الأفضلية وتجد صعوبةً في منافسة مكانة دول التعاون بوصفها مصدراً موثوقاً لإمدادات النفط في أوقات الأزمات. كما تفتقر طهران إلى إطار تعاون متعدد السنوات في مجال الطاقة مع دول آسيان يتيح لها تزويدها بالنفط الخام على نطاق واسع. كذلك، يحدّ تفضيل آسيان الإضافي للخام الروسي من فرص إيران في استقطاب الطلب الإضافي على النفط داخل التكتّل، وهو ما تبدو طهران حريصةً على تفاديه منذ أبريل.
فضلاً عن ذلك، أظهرت النظرة الإيجابية إلى الخام المرتبط بالخليج، إبّان الغارات الجوية الإسرائيلية- الأمريكية على إيران في العام الماضي، كيف يُنظر إلى دول مجلس التعاون الخليجي بوصفها مصدراً للإمدادات في أوقات الأزمات. وعلى الرغم من الإغلاقات المتكرّرة لمضيق هرمز، ظلّت دول المجلس قادرةً على إيصال الخام إلى الأسواق ودعم عمليات معالجة النفط الحيوية في جنوب شرق آسيا.
شراكات راسخة
تتركّز صادرات طهران من النفط الخام إلى حدّ بعيد على درجات تستطيع المصافي الكبرى في آسيان الحصول على بدائل لها من أسواق أخرى. وتُظهر الزيادة في واردات الخام الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة مدى هذا القيد. بالإضافة إلى ذلك، تواجه إيران صعوبةً في تزويد آسيان بنطاق أوسع من درجات الخام، وتعتمد حالياً بدرجة أكبر على النفط العالق في مياه جنوب شرق آسيا لزيادة صادراتها. في المقابل، تمدّ دول التعاون المصافي الآسيوية، بما فيها مصافي جنوب شرق آسيا، بنطاق أوسع من الخامات المتوسطة والثقيلة. ويُقدّر أيضاً أن نجاحها في تسريع الإنتاج مؤخراً سيفتح أمامها الباب لتحقيق أرباح جديدة من الأسواق ذات الطلب المرتفع على المدى الطويل، ومنها آسيان.
ولا بُدّ من الإشارة إلى أنّ التكتّل المؤلف من 10 أعضاء يتبّع نهجاً متنوعاً في شراء النفط، فقد عجزت أسواق عدة، بينها الاتحاد الأوروبي، عن الحفاظ عليه بفاعلية منذ اندلاع الحرب الأمريكية- الإيرانية. وتشير الأدلة إلى أن الدول الأوروبية تعرّضت بدرجة غير متناسبة لاضطرابات إمدادات نفط الشرق الأوسط منذ بدء الهجمات الأمريكية -الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير.
وأدّى ارتفاع الأسعار الناجم عن ذلك، إلى مزيد من التضييق على قدرة الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على واردات مستقرة من الطاقة، وهي أولوية دفعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى زيارة قطر في أبريل للتوصل إلى شراكة أقوى في مجال الطاقة وأكثر تحوّطاً من المخاطر. ومع ضآلة مؤشرات انحسار التوترات الأمريكية- الإيرانية، وزيادة كبار منتجي النفط الخليجيين لإنتاجهم الجديد، يجعل انفتاح آسيان على شراء فائض الإمدادات منها أداةً حاسمة لتعظيم مكاسب صادرات النفط الخليجية على المدى الطويل.
إلى جانب ذلك، تتمتّع عدد من دول آسيان بقدرة الحصول على كميات من الخام الخليجي على الرغم من الأزمة، بما في ذلك من طريق زيادة الشحنات الواردة من ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر وميناء الفجيرة الإماراتي. ويقع الأخير خارج المضيق ويواصل العمل بكامل طاقته. وترتبط رابطة آسيان ودول الخليج بإطار تعاون متعدد السنوات في مجال الطاقة، تزامن مع ارتفاع إجمالي واردات دول الرابطة إلى مستويات قياسية خلال الأعوام الأخيرة.
تفتقر طهران إلى هذه المزايا حالياً في سعيها إلى تعظيم عائدات صادراتها النفطية، وهو ما يُعزز مكانة الخليج بوصفه شريكاً ذا أولوية في تأمين احتياجات آسيان احتياجاتها النفطية. كما يتيح المجلس مواءمة أحجام صادراتها الحالية مع الطلب المتزايد في جنوب شرق آسيا، بما يعوّض جزئياً تراجع الطلب في أوروبا والصين. ويمكن لهذه الاعتبارات مجتمعةً أن تسهم في تحقيق قفزة في الأرباح على المدى القريب، وأن تُرجّح كفّة دول الخليج على إيران في المنافسة على صادرات النفط الخام خلال الحرب.
أخيراً، تفرض اندفاعة جنوب شرق آسيا الكبرى نحو الطاقة النظيفة عليها شراء الخام الخليجي للتحوّط من مخاطر حدوث صدمة في إمدادات الطاقة. فقد تسبّب إغلاق مضيق هرمز في مارس في وقوع أشدّ صدمة من هذا النوع يتعرّض لها التكتّل منذ عقد، وهذا ما أظهر فائدة النفط الخام في تشغيل الصناعات المحلية الضرورية للمضي قدماً في مسار آسيان متعدد السنوات نحو الطاقة الخضراء. في هذا الإطار، يقود التكتل جهودًا لتنويع مصادر إمدادات الطاقة، بما في ذلك شراء إمدادات من مصادر أقل مراعاةً للاعتبارات المناخية، في إطار خطة عمل آسيان للتعاون في مجال الطاقة (2026–2030). بناءً عليه، تملك دول آسيان حافزاً قوياً لتوسيع شراكاتها في شراء النفط الخام مع شركائها الخليجيين الذين أثبتت التجربة موثوقيتهم، ما يعزّز فعلياً أفضليتها التنافسية.
وهكذا، يُظهر تزايد طلب دول آسيان على النفط لتلبية متطلبات التحول في قطاع الطاقة، إلى جانب محدودية إقبالها على الخام الإيراني، ورسوخ شراكاتها في مجال الطاقة مع دول التعاون، أنّ تعظيم العائدات الخليجية من صادرات النفط يمرّ عبر تعزيز الحضور في أسواق جنوب شرق آسيا.
في المقابل، تؤدّي معرفة إيران المحدودة باقتصاد الطاقة في آسيان، وسجلّها الأضعف في الإمدادات النفطية المباشرة، إلى تراجع فرصها في انتزاع حصة سوقية من منافِساتها الخليجية.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.