حدود الحسم العسكري
تحوّلت الحرب الروسية-الأوكرانية، بعد مرور نحو خمس سنوات عليها، إلى مواجهة طويلة ومكلفة استنزفت موارد الطرفين المتحاربين على المستويين العسكري والاقتصادي، من دون أن يتمكن أي منهما من فرض إرادته السياسية الكاملة على خصمه.
وفي سباق الاستنزاف الطويل، تتضح ملامح الحرب الهجينة وطبيعتها، وهي التي تتصدر اليوم النقاشات الاستراتيجية. والحرب الهجينة ليست مفهومًا جديدًا في العلاقات الدولية، لكنها اكتسبت أهمية متزايدة في ظل التطور التكنولوجي، واتساع نطاق الأدوات التقنية التي تمتلكها الدول، والقيود التي تحكم قدرتها على استخدامها.
تجمع الحرب الهجينة بين أدوات القوة العسكرية التقليدية، والأساليب الاستخباراتية، والعمليات السرية، والهجمات السيبرانية، والتخريب، والضغط الاقتصادي، وحرب المعلومات والسرديات، والتضليل الإعلامي، واستخدام الوكلاء. وتتيح هذه الأدوات للدولة إضعاف خصمها واستنزافه من دون أن يؤدي ذلك، بالضرورة، إلى تصعيد كامل أو اندلاع حرب شاملة.
ازدادت جاذبية هذا النموذج في السنوات الأخيرة في النزاعات بين الدول، في ظل تراجع قدرة التفوق العسكري على تحقيق نتائج سياسية حاسمة، وإتاحة التكنولوجيا الحديثة أدوات يمكن استخدامها بدرجات مختلفة وعبر مستويات متفاوتة من التصعيد، وبتكلفة منخفضة نسبيًا، مع إمكان إنكار الدول استخدامها لهذه الأساليب السرية.
وبذلك، تحوّلت الحرب الهجينة إلى إحدى الأدوات الرئيسية لإدارة حالة » اللاحرب واللاسلم«، وهي حالة استنزاف لا تدور فيها حرب شاملة، ولا يسود فيها سلام حقيقي أيضًا.
ساحات الحرب الهجينة من أوروبا إلى الشرق الأوسط
ظهرت ملامح هذه الحرب في أوروبا. فبالتوازي مع الحرب العسكرية التقليدية التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا عام 2022، يواجه اليوم عدد من الدول الأوروبية عمليات تخريب، وهجمات سيبرانية، وحملات تلاعب بالمعلومات، واستهدافًا للبنية التحتية، وقد نسبت حكومات ومؤسسات أوروبية عددًا من هذه العمليات إلى روسيا. وتكمن خطورة هذه الأدوات في أنها تتيح ممارسة الضغط تحت عتبة المواجهة العسكرية المباشرة، وتجعل تحديد الخط الفاصل بين الحرب والسلام أكثر صعوبة.
أما في الشرق الأوسط، فتقدم المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران نموذجًا أكثر تعقيدًا. فقبل انتقال هذه الأطراف إلى مواجهة مباشرة واسعة، ابتداءً من الغارة الأولى في 28 فبراير 2026، أدارت لعقود صراعًا في الظل أقرب إلى الحرب الهجينة، شمل عمليات استخباراتية، واغتيالات، وأعمال تخريب، وهجمات سيبرانية، وحربًا بالوكالة، وضربات عسكرية محدودة. لكن مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر أسهمت في تآكل كثير من القيود السابقة، وصولًا إلى استخدام القوة العسكرية التقليدية بصورة أكثر مباشرة.
ومع ذلك، لم يُفضِ اللجوء إلى المواجهة العسكرية التقليدية إلى حسم سياسي نهائي، أو انتصار كامل لأي طرف، أو تسوية طويلة الأمد. فقد استطاعت إسرائيل والولايات المتحدة إلحاق أضرار جسيمة بالقيادتين السياسية والعسكرية الإيرانيتين؛ إذ أدت الضربات الأميركية-الإسرائيلية إلى مقتل عدد من كبار الشخصيات السياسية والعسكرية، وأوقعت خسائر اقتصادية هائلة، لكنهما لم تتمكنا من إنهاء جميع مصادر القوة الإيرانية أو فرض تسوية سياسية على النظام الإيراني.
وعلى الرغم من الحصار البحري الأميركي وتشديد العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، احتفظت طهران بأدوات للرد والضغط من خلال قدرتها على عرقلة حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز واستخدام هذا الممر البحري أداة للضغط الاستراتيجي والاقتصادي. وهنا تتضح طبيعة الحرب الهجينة، إذ لم تعد نتيجة الصراع تعتمد على الصواريخ والطائرات وحدها، بقدر ما تعتمد على الدمج بين القوة العسكرية والاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والاستخبارات والفضاء السيبراني.
يظهر هذا المنطق أيضًا في الخطاب السياسي الإيراني. فقد تحدث رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف عن مواجهة تجمع بين الحرب العسكرية والاقتصادية والنفسية، بينما تعكس مواقف محسن رضائي تصورًا يجمع بين الردع العسكري، والضغط البحري والاقتصادي، والتفاوض المشروط. ومن هذا المنظور، لا تبدو المفاوضات والحرب أداتين متعارضتين، بل مسارين متوازيين ضمن استراتيجية واحدة تهدف إلى رفع كلفة الضغوط المفروضة على إيران، والحفاظ على أوسع هامش ممكن من حرية الحركة والمناورة.
على الجانب الإسرائيلي، من المتوقع أن يحتل مستقبل التعامل مع إيران موقعًا مركزيًا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي بعد الحرب. ويعكس التباين بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وخصومه، ومن بينهم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، نقاشًا أوسع بشأن كيفية تحويل الإنجازات العسكرية إلى واقع أمني مستدام، ومنع إيران من إعادة بناء قدراتها بعد انتهاء المواجهة المباشرة.
الاستنزاف وأهمية بناء المرونة الوطنية
بغض النظر عن هوية من يترأس الحكومة الإسرائيلية، تبقى هناك معضلة جغرافية وعسكرية واضحة. فربما تستطيع إسرائيل تكرار ضرباتها الجوية على إيران وشن عمليات استخباراتية وسيبرانية، لكنها لا تمتلك القدرة البرية اللازمة لخوض حرب واسعة بهدف اجتياح دولة بحجم إيران.
كما يصعب تصور انتقال الولايات المتحدة بسهولة إلى حرب برية واسعة ضد إيران. ولذلك، قد تزداد جاذبية استمرار الحرب الهجينة بوصفها بديلًا يتيح مواصلة الضغط من دون تحمل تكاليف الحرب الشاملة.
وقد يعني ذلك عودة أوسع إلى العمليات الاستخباراتية والسرية والسيبرانية والتخريبية، واستهداف الشخصيات والمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي والصواريخ والطائرات المسيّرة، مع الاحتفاظ بالاستخدام المحدود والانتقائي للقوة العسكرية التقليدية. ولن يكون الهدف، في هذه الحالة، احتلال إيران بريًا أو تحقيق نصر عسكري تقليدي، وإنما تعطيل إعادة بناء قدراتها، ورفع كلفة ذلك، وإبقاء النظام تحت ضغط واستنزاف مستمرين.
قد ترى إسرائيل في هذا الاستنزاف وسيلة لإضعاف النظام الإيراني على المدى الطويل، لكن تحول هذا الضعف إلى سقوط النظام يبقى نتيجة غير مضمونة، ترتبط أساسًا بتطورات الداخل الإيراني.
وهناك ساحة أخرى لا تقل أهمية، هي حرب السرديات. فقد سعت إيران خلال الحرب إلى تقديم روايتها إلى الجمهور الدولي، واستهداف الجمهور الغربي بخطاب الحرب التي لا تنتهي، مستفيدة من أدوات الذكاء الاصطناعي، ووسائل الإعلام، والمنصات الرقمية، للتأثير في كيفية تفسير الحرب ونتائجها، مع المبالغة في تصوير بعض الإنجازات العسكرية. امتد أثر هذه السرديات إلى النقاشات الأكاديمية والإعلامية التي تناولت أهداف الحرب ومسؤولية استمرارها ونتائجها.
في المقابل، عملت إسرائيل والولايات المتحدة على تقديم سردية تركز على التفوق العسكري وتدمير القدرات الإيرانية، مع توظيف أدوات حرب المعلومات. وبذلك، تصبح المعركة على تفسير ما حدث، وتحديد من حقق أهدافه ومن يتحمل مسؤولية استمرار الحرب، جزءًا من الصراع نفسه.
ينبغي للدول ألاّ تستعد للحرب المقبلة بوصفها مواجهة عسكرية فحسب. ومع تزايد انتشار الحروب الهجينة، سيغدو الأمن الوطني مرهونًا، بصورة متزايدة، بقدرة الدولة على مواصلة عملها والحفاظ على تماسك مؤسساتها تحت الضغط، لا بمجرد قدرتها على صد الهجمات العسكرية.
يتطلب ذلك بناء جاهزية وطنية شاملة تربط المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية والقطاع الخاص والبنية التحتية الحيوية ضمن منظومة واحدة، إلى جانب تعزيز المرونة الاقتصادية من خلال تنويع طرق التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وتأمين الموانئ والاتصالات والأنظمة المالية. كما يتطلب تعزيز المرونة المجتمعية في مواجهة التضليل والاستقطاب والحملات النفسية، والمحافظة على الثقة بالمؤسسات والتماسك الاجتماعي خلال الأزمات.
وبذلك، قد لا تكون حالة «اللاحرب واللاسلم» مرحلة مؤقتة بين حربين، وإنما إحدى السمات الأساسية للنظامين الدولي والإقليمي المقبلين. فكلما ارتفعت تكلفة الحرب التقليدية وتعذر تحقيق الحسم من خلالها، ازدادت جاذبية الحرب الهجينة.
من أوكرانيا إلى أوروبا، ومن إسرائيل إلى إيران، لن يقاس الاستعداد للحروب المقبلة بعدد الطائرات والصواريخ فحسب، وإنما أيضًا بقدرة الدولة واقتصادها ومجتمعها على الصمود والتكيف والاستمرار تحت الضغط. وفي عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام، قد تصبح المرونة الوطنية نفسها أحد أهم مصادر القوة والردع.