بنت إيران عقيدتها الأمنية على نقل المواجهة إلى خارج حدودها، ومحاصرة خصومها بالوكلاء، وتجنّب الحرب المباشرة ما أمكن. لكن اختبار استراتيجيتها هذه ليس بحجم الفصائل والصواريخ واتساع ساحات النفوذ، بل بقدرتها على تحويل القوة إلى أمن ومكاسب مستقرة والتناسب بين الكلفة والنتيجة. من سوريا والعراق ولبنان واليمن إلى الخليج، يكشف سجل العقود الماضية عن نفوذ باهظ الكلفة، سقطت مكاسبه تباعًا، لتتحوّل أدوات الردع الإيرانية إلى أسباب عزلتها واستنزافها.
تبدو إيران ماهرةً في صناعة الأزمات، وعاجزةً عن تحويلها إلى أمن أو رخاء أو نفوذ مستقر في الداخل. فعلى مدار عقود، تكبّدت إيران كُلفًا باهظة جرّاء الاستراتيجية التي انتهجتها، من دون أن تتمكّن من تحقيق أهدافها. ومنذ اندلاع الحرب بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة، اتخذت طهران خطوات زادت من خسائرها وزعزعت مكانتها الاستراتيجية، بل أضرّت أيضًا بمكانتها الإقليمية، وجعلت الاستقرار طويل الأمد هدفًا بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى.
بداية، من المهم الإشارة إلى أن محاولات الجمهورية الإسلامية للهيمنة على المشرق العربي لم تُثمر عن نتائج تُذكر، فقد وصل الأخمينيون فعلًا إلى سواحل المتوسط، وحكموا الأناضول وبلاد الشام ومصر فترات طويلة بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد. أما الساسانيون، الذين يكثر الاستشهاد بهم، فقد احتلوا أجزاء من بلاد الشام ومصر خلال حربهم الأخيرة مع الدولة البيزنطية في أوائل القرن السابع، ثم أجبروا على الانسحاب منها عام 628، وكانت تلك المرحلة بمثابة التوسع العسكري القصير، لا خطًا استراتيجيًا متصلًا انتقل عبر أربعة عشر قرنًا إلى طهران الحالية.
لا يقدم العامل الاقتصادي تفسيرًا مبيناً على المنطق لهذه الاستراتيجية. إذ تعتمد إيران بدرجة كبيرة على النفط والغاز والبتروكيماويات للحصول على العملة الصعبة، وتتجه أهم أسواقها نحو آسيا ودول الجوار. ولا توجد موجة من السلع الصناعية الإيرانية تنتظر ميناء على المتوسط كي تغزو الأسواق الأوروبية. وحتى لو أرادت طهران مدّ أنبوب للطاقة نحو الساحل السوري، فإن المشروع يحتاج إلى دول مستقرة، واستثمارات ضخمة، ورفع العقوبات، واتفاقات دولية طويلة الأجل. فإيران بنت حركات مسلحة وممرات سلاح، ولم تبن طريقًا تجاريًا آمنًا.
كذلك، تملك إيران أصلًا ساحلًا طويلًا على الخليج وبحر عمان، ولديها منفذ مباشر إلى المحيط الهندي. ومع ذلك حولت مضيق هرمز، وهو شريان صادراتها ووارداتها، إلى أداة حرب ارتدت على اقتصادها. فقد شاركت في إغلاق الممر الذي تحتاجه، بينما كانت تواجه حصارًا بحريًا وتراجعًا في صادرات النفط واضطرابًا في الواردات. كما خاضت تباينات سياسية طويلة حول اسم الخليج، لكنها لم تبن نظامًا إقليميًا يضمن أمنه أو حرية الملاحة فيه. فالدولة التي لا تستطيع حماية منفذها الأقرب، يصعب إقناع الآخرين بأنها تخوض حربًا عقلانية.
بلاد الشام.. ساحات مفتوحة
وقفت إيران بكل ثقلها خلف نظام بشار الأسد منذ عام 2011 لكنها دفعت بعد ذلك أثمانًا بشرية وعسكرية ومالية كبيرة، وخسرت صورتها لدى قطاعات واسعة من العرب والمسلمين بسبب وقوفها مع نظام استخدم الحصار والقصف والتهجير ضد شعبه. كما تحوّلت سوريا إلى ساحة للطيران الإسرائيلي، الذي استهدف مواقع إيران ومستودعاتها وقادتها مرارًا، من دون أن تستطيع طهران حماية ما بنته. ثم سقط النظام الذي بذلت إيران كل هذه الأثمان لحمايته في ديسمبر 2024، ليتبيّن أنها اختارت ربط مصالحها بشخص ونظام بدلاً من بناء علاقة مع المجتمع والشعب، فخسرتهما وخسرت معهما جانبًا كبيرًا من سمعتها ومواردها.
بالإضافة إلى ذلك، تعاملت طهران مع العراق بوصفه أكبر مكاسبها بعد عام 2003. لكن هذا المكسب لم تصنعه القوة الإيرانية وحدها، فالولايات المتحدة الأمريكية هي التي أسقطت نظام صدام حسين، عدّو إيران الذي خرج من حرب الثماني سنوات من دون أن تترك لإيران فرصة تحقيق هدفها. ومع تفكك مؤسسات الدولة والجيش في العراق، وإعادة تشكيل النظام السياسي فُتح المجال أمام أحزاب وشخصيات عاشت سنوات في إيران أو ارتبطت بها. وقد أسهمت إيران وفصائلها في القتال البري إلى جانب القوات الأمريكية ضد داعش، واستفادت من الغطاء الجوي الأمريكي ومن حاجة الدولة العراقية إلى تعبئة واسعة. وبعد هزيمة داعش، حولت الفصائل رصيدها العسكري إلى نفوذ سياسي ومقاعد في البرلمان ومواقع داخل مؤسسات الدولة.
استفادت إيران أيضًا من حاجة العراق إلى الغاز والكهرباء، ومن التجارة غير المتوازنة، ومن شبكات تهريب الوقود والعملات والتحويلات. ولم تغلق واشنطن مصادر استفادة طهران من ذلك، فبنت إيران نفوذها داخل نظام صنعته الولايات المتحدة، وتحت سقف مالي وأمني كانت واشنطن قادرة على تضييقه متى أرادت، لكنها لم تدعم خصوم إيران أو تكتفي بالحياد، ليس باب العجز، بل عن اختيار سياسي قابل للتبدل.
وفي لبنان، قدّمت طهران الساحة اللبنانية بوصفها أنجح ساحات نفوذها على مدار خمسة عقود في بناء نفوذ حزب الله وتسليحه، وجعلت الحفاظ على طريق إمداده أحد مبررات تدخلها في سوريا، ثم زجت بالحزب نفسه في الحرب السورية وأشغلته سنوات عن مهمته المعلنة في مواجهة إسرائيل. وبعد سقوط نظام الأسد وانقطاع أهم طرق الإمداد، انكشفت البنية العسكرية والأمنية التي بنتها إيران، فدمرت إسرائيل جانبًا كبيرًا من مخازن الحزب وأنفاقه ومراكزه، وقتلت عددًا من قادته ومسؤوليه، من دون أن يحقق ردّ الحزب نتيجة توازي حجم ما خسره لبنان. لم تقتصر الكلفة على الحزب، فقد هجّرت الحرب أبناء بيئته الحاضنة في الجنوب والضاحية، ودمرت قراهم ومنازلهم وتجارتهم، وتحوّلت البيئة التي قدّمتها إيران كقاعدة اجتماعية لمشروعها إلى أكثر الفئات دفعًا لثمنه.
لم يصل الاقتصاد اللبناني إلى هذه المرحلة الهشة بسبب حزب الله وحده، فقد شاركت منظومة مالية وسياسية فاسدة في صنع الانهيار الذي ظهر منذ عام 2019. لكن هيمنة الحزب وربط الدولة بالمحور الإيراني عمقا عزلة لبنان، وأفقداه جانبًا من عمقه الخليجي. فقد سحبت دول خليجية سفراءها في مرحلة ما، وأوقفت السعودية الواردات اللبنانية سنوات، وتراجعت السياحة والاستثمارات والمساعدات في وقت كان لبنان في أشد الحاجة إليها.
المفارقة أن ما قدمته إيران بوصفه جبهة لمنع التطبيع قد يدفع لبنان نفسه إلى التوصل إلى اتفاقية مع إسرائيل، وربما إلى مسار سلام أو تطبيع لاحق. ويأتي ذلك بحثًا عن حماية الدولة اللبنانية من التجاذبات الإقليمية، ومن تحويل أراضيها إلى منصة تستخدمها الدول لتصفية حساباتها. وقد صار إنهاء حالة العداء ونزع سلاح الفصائل جزءًا من نقاش رسمي واتفاقات ترعاها الولايات المتحدة. المشروع الذي رفع شعار منع إسرائيل من فرض شروطها، أوصل لبنان إلى موقع يناقش فيه شروط الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل سلاح حزب الله من موقع شديد الضعف.
الخليج.. تراكم النتائج باتجاه معاكس
أما في الخليج، فقد دخلت إيران الحرب الأمريكية الإسرائيلية وهي تملك رصيدًا مهمًا لدى دول الخليج، حيث كانت قد أعادت علاقاتها مع السعودية باتفاق بكين في مارس 2023، على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وكانت قطر قناة دبلوماسية ساعدت في خفض التصعيد، والإمارات منفذًا تجاريًا وماليًا، وعمان وسيطًا دوليًا، والكويت مساحة هادئة للحوار، بينما بقيت في البحرين روابط اجتماعية ودينية رغم الخلاف السياسي.
وعندما اتسعت الحرب، ضربت إيران دول الخليج ولم تميز بين من خاصمها ومن حاورها ومن توسط لها. فاستهدفت منشآت للطاقة ومرافق مدنية وتجارية في السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين، وامتدت الهجمات إلى عُمان والأردن، لم تأخذ إيران بالاعتبار حيادها أو وساطاتها أو علاقاتها السابقة معهم.
تراكمت النتائج في الاتجاه المعاكس تمامًا لما تحتاجه إيران. تعرضت قطر في سبتمبر 2025 لهجوم إسرائيلي استهدف قيادة حماس الموجودة على أراضيها، ثم تعرّضت منشآتها للطاقة لهجمات إيرانية في 2026، فازدادت حاجتها إلى ضمانات أمنية أقوى. وكانت الإمارات والبحرين قد طبعتا علاقاتهما مع إسرائيل منذ عام 2020، تحت تأثير جملة من الاعتبارات بينها القلق من إيران، ثم جاءت الهجمات الإيرانية لتعزز هذا المنطق الأمني بدل أن تضعفه. ووجدت عمان، التي لعبت دور الوسيط لسنوات، نفسها مستهدفة ومهددة بسبب أزمة هرمز. وبدأت الكويت محادثات لتوسيع تعاونها الدفاعي مع باكستان، بينما وقعت السعودية اتفاق مكة للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا.
كان يمكن لإيران أن تحافظ على دول الخليج كمنطقة تهدئة، وأن تستخدم علاقاتها بها لتخفيف الحصار وفتح قنوات التفاوض. لكنها عاملت جوارها كله كساحة رد، فخسرت الثقة التي بنتها، ووحدت دولًا كانت مختلفة في تقدير الخطر الإيراني، ودفعتها إلى تحالفات دفاعية جديدة. هذه ليست سياسة ردع. إنها خطأ استراتيجي جعل إيران تخسر آخر الأبواب التي كانت مفتوحة لها.
يتكرّر سلوك النظام السياسي الإيراني نفسه في اليمن، فقد أرادت طهران تفعيل الحوثيين كقوة منخفضة التكلفة للسيطرة على باب المندب، وقد حوّل اندفاع الحوثي إلى مهاجمة السفن وتهديد طرق التجارة والطاقة البحر الأحمر إلى ساحة صراع دولي، ودفع السعودية إلى قيادة تحالف بحري حظي بتأييد رسمي من أربع عشرة دولة، كما أعاد تعزيز الدعم الإقليمي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بينما يُواجه الحوثيين واحدة من أشد مراحل العزلة والضغط العسكري، وما قدّمته إيران بوصفه ورقة ضغط أصبح سببًا لتدويل الصراع.
هذا السجل لا يقدم مكسبًا إيرانيًا واحدًا. لقد امتلكت إيران قدرة واسعة على صناعة الأزمات، لكنها عجزت عن تحويل ما تعتبره استراتيجية إلى نفوذ مشروع أو مكسب دائم. وخلطت بين انتشار الوكلاء واتساع قوة الدولة، وبين تعطيل الممرات والسيطرة عليها. لم تكن الحسابات الخاطئة عارضًا في الاستراتيجية الإيرانية، بل كانت الاستراتيجية نفسها.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.