ركّزت التغطيات الإعلامية لإغلاق مضيق هرمز خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية بصورة شبه كاملة على اضطراب إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية. لكن هذا الممرّ البحري الضيّق يؤدّي أيضاً دوراً محورياً في ربط منتجي الأسمدة في الخليج بالمزارع الممتدّة عبر أفريقيا وآسيا ومناطق أخرى من العالم. ويهدد تعطّل هذه الإمدادات الزراعية بتفاقم الجوع عالمياً، كما يكشف حجم المخاطر التي ينطوي عليها بناء سلاسل الإمداد الحيوية على أساس الكفاءة الاقتصادية وحدها. وقد تبدأ أزمة الغذاء العالمية المقبلة من تعطّل أحد الممرات البحرية، وليس من موجة جفاف أو كارثة طبيعية.
على الرغم من استمرار الانخفاض في عدد الذين يعانون من الجوع، سواء كنسبة من سكّان العالم أو من حيث العدد المطلق، حتى عام 2014، إلا أنّ تعثّر هذا التقدّم برز منذ ذلك الحين، وانعكس في كثير من المناطق بفعل النزاعات لا سيّما في جنوب السودان واليمن وإثيوبيا.
يختلف إغلاق مضيق هرمز عن تلك الأزمات، لأنه يمثّل اضطراباً بنيوياً تمتدّ آثاره إلى النظام الغذائي العالمي بأكمله. فقد كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة سلاسل الغذاء العالمية عندما تعطّلت الزراعة والحصاد والتصنيع والنقل والتجارة، بينما أظهر إغلاق المضيق نقطة ضعف إضافية تتمثّل في الاعتماد الكبير على الإمدادات العالمية من الأسمدة، حيث تعتمد الزراعة الحديثة على طيف واسع من المُدخلات، من البذور إلى المبيدات، لكن الأسمدة تؤدّي دوراً لا يقل أهمية في تجديد خصوبة التربة.
إذ تُسهم اليوريا والأمونيا والكبريت في رفع إنتاجية المحاصيل، ويَعبر نحو ثلث تجارة اليوريا والأمونيا المنقولة بحراً عبر مضيق هرمز، إلى جانب قرابة نصف شحنات الكبريت البحرية في العالم. لذلك ارتفعت أسعار هذه المواد بسرعة مع اندلاع الحرب. وعلى الرغم من أن شبه الجزيرة العربية تُعرف عادة بأنها مستورد صافٍ للغذاء، فإنها تشغل موقعاً محورياً في النظام الزراعي العالمي، لأن إنتاج اليوريا والأمونيا يعتمد على الغاز الطبيعي، الذي تمتلك دول الخليج احتياطيات وفيرة منه.
تؤدّي هذه المدخلات الزراعية دوراً محورياً في الأمن الغذائي العالمي. فتعطّل شحنات الأسمدة المغادرة من الخليج اليوم قد ينعكس بعد أشهر في انخفاض إنتاج الذرة في كينيا، وتراجع محاصيل الأرز في جنوب شرق آسيا، وارتفاع أسعار القمح في شمال أفريقيا. وقدّر برنامج الأغذية العالمي أن استمرار الصراع في الخليج قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى الجوع. وحتى إذا توقّفت الحرب بالكامل وأعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، فإن آثار الاضطراب ستستمر عبر مواسم زراعية عدّة. فالزراعة تقوم على دورات إنتاج موسمية، وقد تركّز الجزء الأكبر من التعطّل في فصل الربيع، وهو موسم الزراعة في كثير من بلدان نصف الكرة الشمالي، ما سيؤثّر في محاصيل الصيف والخريف. وقد لا تكون صدمة الأسعار ونقص الإمدادات سوى البداية، إذ تتوقع الأمم المتحدة استمرار ارتفاع أسعار الغذاء حتى أواخر عام 2026 وخلال عام 2027.
تستدعي هذه الصدمات تحرّكاً مبكراً من الحكومات وبرنامج الأغذية العالمي لتعزيز إجراءات الحماية والاستجابة. فقد أثبتت أنظمة الإنذار المبكر وآليّات التوزيع الموجّه فعاليتها في الحدّ من آثار الأزمات، فيما قد تتيح آليات الشراء الإقليمية خيارات أسرع وأقل كلفة. وتسهم هذه الإجراءات أيضاً في ضمان توافر الغذاء ووصوله إلى الفئات الأكثر تضرّراً من اضطرابات الإمدادات.
وعلى المدى المتوسّط، تحتاج الحكومات وسائر الجهات الفاعلة في منظومة الغذاء إلى خفض المخاطر عبر تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد. لكن بلوغ هذا الهدف يتطلّب أكثر من مجرّد البحث عن مورّدين جُدد. فالقطاع الخاص يتجه بطبيعته إلى شراء السلع من المورّدين الأقل كلفة حفاظاً على تنافسيته وتعظيم أرباحه، وهو ما يفضي غالباً إلى تركّز الاعتماد على عدد محدود من الدول المصدّرة. ولهذا يتطلّب تنويع مصادر الإمداد تدخّلاً حكومياً، من خلال إنشاء احتياطيات استراتيجية للغذاء أو السلع الأساسية. ولا يستلزم ذلك بالضرورة تخزين هذه الاحتياطيات داخل الحدود الوطنية، لا سيما بالنسبة إلى السلع ذات الأهمية الاستراتيجية. كما تستطيع الحكومات تسريع هذا التحوّل عبر دعم شبكات تجارية جديدة، وتنظيم بعثات للتبادل التجاري، وإبرام اتفاقيات ثنائية، واعتماد سياسات شراء تشجّع على تنويع مصادر الإمداد.
في هذا الإطار، يبرز اليوم تحدٍ جديد أمام الحكومات يتمثل في تحديد السلع التي تستحق صفة «الاستراتيجية». فقد طوّرت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) آليّة إقليمية لتوزيع الأرز في حالات الطوارئ، فيما تحتفظ الصين باحتياطيات استراتيجية واسعة لعدد كبير من السلع. وفي المقابل، بدأت حكومات كثيرة تراجع موقع الأسمدة ضمن سياسات الأمن الغذائي، وتتساءل عما إذا كان ينبغي إدراجها أيضاً في قوائم الاحتياطيات الاستراتيجية. وكانت قطر من أوائل الدول التي استجابت لهذا التحدْي، إذ أدرجت الأسمدة ضمن احتياطياتها الاستراتيجية في إطار الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي لعام 2018.
توفّر هذه الاحتياطيات حماية مهمّة من اضطرابات الإمداد، على الرغم ممّا تتطلّبه من كلفة مالية ولوجستية مرتفعة. ولا يخضع تصميمها أو إدارتها لنموذج موحّد، لكن تجربة إغلاق مضيق هرمز ستشجّع، على الأرجح، مزيداً من الحكومات على إنشاء احتياطيات استراتيجية أو توسيع القائم منها.
غير أن الاحتياطيات الاستراتيجية لا تمنح سوى وقت إضافي للتعامل مع الأزمات، ولا تزيل مكامن الهشاشة البنيوية. كما أن تنويع مصادر الإمداد يتجاوز مسألة التعاقد مع موردين جُدد، ليشمل إعادة هيكلة إنتاج المدخلات الأساسية نفسها. على المدى الطويل، يتطلّب الحدّ من الاعتماد على إنتاج الأسمدة المتركّز في عدد محدود من المناطق الاستثمار في تقنيات جديدة، ومدخلات زراعية بديلة، وأنظمة إنتاج تقلّل الحاجة إلى الأسمدة التقليدية. ويمكن لهذه الاستثمارات أن تخلق مزايا اقتصادية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من تعزيز القدرة المحلية على مواجهة الأزمات.
فضلاً عن ذلك، أحدثت الحرب على إيران، وما رافقها من توتّرات جيوسياسية وإغلاق لمضيق هرمز، صدمة مباشرة في أسواق الطاقة العالمية. لكن النظر إلى الأزمة من هذه الزاوية وحدها يحجب جانباً مهماً من الصورة. فالمضيق يمثل أيضاً ممرّاً حيوياً للأسمدة والكبريت والألمنيوم والهيليوم والبوليمرات وغيرها من السلع الاستراتيجية. ولذلك تمتدّ تداعيات أيّ اضطراب في هذه السلاسل إلى قطاعات تتجاوز الطاقة، فتطال الأمن الغذائي، والرعاية الصحّية، والصناعات المتقدّمة، والتكنولوجيا. ويقدّم الهيليوم مثالاً واضحاً على ذلك، إذ يهدّد نقصه تشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وإنتاج أشباه الموصلات.
هذه الصدمات المتشابكة تدفع الحكومات إلى مراجعة الأسس التي تقوم عليها إدارة القطاعات الحيوية. فقد انشغل صناع السياسات خلال العقود الماضية بتعظيم الكفاءة، وبناء سلاسل إمداد رشيقة، وخفض التكاليف. أما تجربة إغلاق مضيق هرمز، فأبرزت أهمية القدرة على الصمود، وتعدّد مصادر الإمداد، والمرونة الاستراتيجية. وأصبحت الحكومات أكثر إدراكاً لصعوبة إدارة الأنظمة الحيوية بمنطق السوق وحده، في عالم قد تُعطّل فيه الصدمات الجيوسياسية الإمدادات الأساسية خلال ساعات. إلى جانب ذلك، يكشف إغلاق مضيق هرمز عن درس مهمّ يتجاوز هذه الأزمة: ينبغي أن توازن السياسات العامّة بين الكفاءة والقدرة على الصمود، لأن الدول الأقدر على تجاوز الأزمات ليست بالضرورة الأقل كلفة، وإنّما الأكثر استعداداً لامتصاص الصدمات، والتكيّف السريع معها، وضمان استمرار عمل أنظمتها الحيوية.